تحقيقات الأنساب الجينية تنجح في حل الجرائم السابقة

موقع إلكتروني لشجرة العائلة يكشف عن مرتكبيها

تحقيقات الأنساب الجينية تنجح في حل الجرائم السابقة
TT

تحقيقات الأنساب الجينية تنجح في حل الجرائم السابقة

تحقيقات الأنساب الجينية تنجح في حل الجرائم السابقة

نجحت السلطات الأميركية المختصة منذ أبريل (نيسان) الماضي، في حلّ 15 قضية لجرائم قتل واغتصاب بمساعدة موقع واحد متخصص في علم الأنساب. وبهذا تحوّل موقع «جي إي دي ماتش» من مشروع جانبي عادي للأنساب العائلية إلى أداة ثورية للكشف عن جرائم سابقة.
- جرائم سابقة
في ليلة الهالويين (31 أكتوبر «تشرين الأول») من عام 1996، قرع رجل يرتدي قناع هيكل عظمي باب منزل في منطقة مارتينز، كاليفورنيا، وقيّد يدي المرأة التي رحّبت به، ثم اغتصبها. وبعد أسبوعين، هاتف المجرم عيادة طبّ الأسنان التي كانت الضحية تعمل فيها. حاول المحققون أن يتعقّبوه من خلال سجلات الهاتف، ولكنّهم لم يصلوا إلى نتيجة. كما أنّهم ورغم حصولهم على بقايا من سائله المنوي، لم يجدوا تطابقاً بين حمضه النووي، وبين الأحماض النووية المخزونة في أي قاعدة بيانات جنائية.
وفي شهر سبتمبر (أيلول) الفائت، أي بعد نحو عقدين على الجريمة، جرّب مكتب المدّعي العام في مقاطعة ساكرامنتو شيئاً جديداً لفكّ لغز قضية هذا المغتصب المتسلسل الذي هاجم 10 نساء على الأقلّ في منازلهن. إذ حوّل المحققون حمض المعتدي النووي إلى ملف شخصي من النوع الذي ترتكز عليه مواقع التاريخ العائلي كـ«23 أند مي» (الذي يوفر تحاليل للجينات)، وحمّلوه في موقع «جي إي دي ماتش. كوم GEDmatch»، الجانبي المفتوح للجميع والمحبوب من قبل الباحثين المتخصصين في علم الأنساب الذين يسعون للعثور على أقرباء بيولوجيين أو إلى رسم صورة واضحة للأشجار العائلية.
وخلال الدقائق الخمس الأولى من الاطلاع على النتائج، تمكّن المحقّقون من تحديد واحد من أقرباء الجاني من بين ملايين الملفات الموجودة في قاعدة البيانات. وخلال ساعتين، أصبح لديهم مشتبه به، تمّ اعتقاله بعد وقت قصير، هو روي تشارلز والر، المتخصص في السلامة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي.
هذا الاعتقال كان المرة الخامسة عشرة التي يوفّر فيها موقع «جي إي دي ماتش» أدلّة أساسية قادت إلى مشتبه به في قضية جريمة قتل أو اعتداء جنسي، بدءاً من اعتقال جوزيف جايمس دي آنجلو في أبريل، وهو شرطي سابق ارتكب جرائم قتل واغتصاب في أنحاء كاليفورنيا بين السبعينات والثمانينات والمعروف بـ«قاتل الولاية الذهبي».
- موقع عائلي
ولكنّ أحداً لم يفاجأ بهذه النتائج أكثر من مؤسسَي الموقع رجل الأعمال المتقاعد كورتيس رودجرز (80 عاماً)، ومهندس المواصلات جون أولسون (67 عاماً) من تكساس. فقد أحدث موقعهما الصغير، الذي بدأ كمشروع جانبي، بشكل غير متعمّد، تحوّلاً في الطريقة التي يعتمدها المحققون في جميع أرجاء البلاد لحلّ أكثر القضايا القديمة.
وتشير دراسة حديثة نشرتها دورية «ساينس»، إلى أنّه سيكون بالإمكان خلال ثلاث سنوات، التعرّف على الحمض النووي الخاص بكلّ أميركي متحدّر من أصول شمالية أوروبية (وهم الشريحة الأكثر استخداماً للموقع) من خلال أقارب لهم موجودين في قاعدة بيانات «جي إي دي ماتش».
وقال رودجرز الذي انجرّ إلى البحث في علم الأنساب من خلال تفتيشه عن تاريخ عائلته، في حديث إلى وسائل إعلام أميركية: «إن الطريقة التي تطوّرت بها الأمور شكّلت صدمة لنا جميعاً. فجّأة، برزت كلّ هذه الشهرة». ووافقه أولسون الرأي.
منذ اعتقال آنجلو، أخذت المؤسسات المسؤولة عن إنفاذ القانون من واشنطن وصولاً إلى فلوريدا، تلجأ إلى هذا الموقع لحلّ قضايا باردة حصلت قبل عقود من الزمن. كما أنّها بدأت تعتمد عليه بشكل متزايد لحل القضايا الحديثة.
في البداية، شعر السيد رودجرز بالغضب من استخدام المؤسسات المسؤولة عن إنفاذ القانون موقعه الذي يقع مقرّه في لايك وورث في فلوريدا، لكنه الآن يشعر بالفخر.
وقال: «أظنّ أنّه خلال سنة سيصبح مقبولاً على نطاق واسع». وجد بعض علماء الأنساب أنّ فكرة القبول هذه مثيرة للجدل بعد خروج الكثير من المسائل المرتبطة بالأخلاقيات والخصوصية إلى الضوء إثر اعتماد المحققين على موقع متخصص في الشجرة العائلية تملكه جهة خاصة لحلّ الجرائم.
- الأنساب وتحديد الهوية
ويشير تحليلان حديثان قدمهما باحثون متخصصون في علم الوراثة إلى أنّ قاعدة بيانات الموقع تستخدم اليوم لتحديد هوية 60 في المائة على الأقلّ من الأميركيين المتحدرين من أصول أوروبية عن طريق أقاربهم.
ولكنّ على عكس «23 أند مي» ومواقع أخرى كبيرة متخصصة في الجينات وفي علم الأنساب، لا يملك «جي إي دي ماتش» مختبراً، بل يقدّم خدماته كمكتب صغير يستطيع الأشخاص الذين حللوا حمضهم النووي في مكان آخر، من خلاله أن يحددوا مواقع أقارب لهم وأن يغوصوا بعمق أكبر للتعرّف على أصولهم.
يتوزّع مستخدمو «جي إي دي ماتش» على الشكل التالي: بعض المهووسين بالأشجار العائلية الذين يجمعون أقاربهم كما يجمع آخرون بطاقات اللعب، وبعض آخر من المتقاعدين الذين يبحثون عميقاً في غموض عائلاتهم، بالإضافة إلى بعض علماء الأنساب الذين يساعدون أشخاصاً تمّ تبنيهم في العثور على آبائهم البيولوجيين.
استخدم نحو 10000 شخص هذا الموقع لهذه الغاية على مدار السنوات الثماني الماضية، بسب ما أفاد باحثان يساعدان الناس في تعلّم كيفية القيام بأبحاث مشابهة.
تحتوي قواعد البيانات الخاصة بعلم الأنساب على أكثر من 17 مليون ملف حمض نووي، ولكنّ غالبية المواقع الكبرى تضع قيوداً على ما يمكن نشره، إذ إنها لا تمنع نشر الأدلة من مسارح الجرائم فحسب، بل تمنع نشر أي شيء تمت معالجته في مختبر خارجي أيضاً. إلّا أنّ موقع «جي إي دي ماتش» يقبل بكلّ ما يقدّم له... من عينة الدمّ المحلّل في مختبر غامض، إلى اللعاب المعالج في مختبرات «23 أند مي»، مجاناً، ما دام الملف كان مقدماً بالصيغة الصحيحة.
- مهارة المحققين
وفي معظم الأحيان، يستطيع محقق جيني ماهر تركيب صورة لهوية فرد معيّن عبر تطابق البيانات الجينية التي تحتفظ بها الشرطة مع قريب من الدرجة الثالثة يعثر عليه من بين ملايين الملفات الشخصية المتوافرة في الموقع. وتَعتبر باربرا راي - فينتر، عالمة أنساب جينية استخدمت الموقع للمساعدة في حلّ قضية «قاتل الولاية الذهبي»، «أنّه لا يوجد موقع آخر مثل (جي إي دي ماتش)».
إن استخدام «جي إي دي ماتش» بهذه الطريقة ليس سهلاً. إذ إن معظم المحققين الذين يحمّلون دلائل من مسارح الجريمة في الموقع يضطرون إلى طلب المساعدة من علماء أنساب مهرة كالدكتورة راي - فينتر.
ويعد الحمض النووي هو الدليل الأول فقط؛ وبعده، يجب ملء الشجرة العائلية بأنواع أخرى من البيانات كملفات مواقع التواصل الاجتماعي وسجلات الولادة.
ورغم ذلك، يستطيع الأشخاص المهرة في هذا المجال تحديد هوية مشتبه به في قضية قتل أو العثور على الآباء البيولوجيين لشخص متبنَّى في أقلّ من يومين.
وتملك المؤسسات المعنية بإنفاذ القانون قاعدة بياناتها الخاصة للتحقيقات الجنائية تُعرف باسم «كوديس»، التي تحتوي على أكثر من 16 مليون ملف حمض نووي شخصي. ولكن الملفات الجنائية تحتوي على جزء صغير فقط من مئات آلاف العلامات الجينية التي تعتمد عليها المواقع المتخصصة في الأنساب.
وفي حال عجز المحققون عن العثور على تطابق دقيق في «كوديس»، يصبح تعقب المشتبه بهم عن طريق أقاربهم عبر موقع «جي إي دي ماتش» الخيار التالي.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري تصل إلى موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في أنغوان روكوبا بولاية بلاتو... نيجيريا 30 مارس 2026 (رويترز)

إطلاق نار في حفل زفاف بشمال نيجيريا يخلّف 13 قتيلاً

أطلق مسلحون النار على حفل ما قبل الزفاف في ولاية كادونا شمال نيجيريا، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
شمال افريقيا صورة عامة لكورنيش محافظة الإسكندرية (شمال مصر) (مجلس الوزراء - «فيسبوك»)

مصر: فاجعة في الإسكندرية بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم

أثارت حادثة مفجعة فى حي كرموز بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) حالة من الصدمة والفزع، بعد أن قتل شاب والدته وأشقاءه الخمسة وحاول قتل نفسه، لكنه فشل وتم إنقاذه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال تفقده معبر التوم الحدودي مع النيجر 4 فبراير الحالي (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يحرر عدداً من مقاتليه المختطفين بعد عملية على حدود النيجر

تمكن «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من تحرير عدد من جنوده الذين تعرضوا للاختطاف في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ساحة الجريمة لدى منزل قرب مدينة تاكوما (أ.ب)

خمسة قتلى بعملية طعن في ولاية واشنطن الأميركية

قُتل أربعة أشخاص طعنا في ولاية واشنطن الأميركية الثلاثاء، فيما أردى شرطي المشتبه به، وفق ما أعلنت السلطات المحلية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟