«مسام» ينزع أكثر من 16 ألف لغم وعبوة ناسفة... وفرقة تعمل داخل صنعاء

القصيبي: 80 % من إصابات العسكريين سببها الألغام

أسامة القصيبي خلال جولاته الإشرافية في اليمن («الشرق الأوسط»)
أسامة القصيبي خلال جولاته الإشرافية في اليمن («الشرق الأوسط»)
TT

«مسام» ينزع أكثر من 16 ألف لغم وعبوة ناسفة... وفرقة تعمل داخل صنعاء

أسامة القصيبي خلال جولاته الإشرافية في اليمن («الشرق الأوسط»)
أسامة القصيبي خلال جولاته الإشرافية في اليمن («الشرق الأوسط»)

استطاع المشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن (مسام) نزع أكثر من 16 ألف لغم وذخائر غير متفجرة وعبوات ناسفة زرعتها الميليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً في القرى والمدن اليمنية، وذلك منذ تدشين عمله في أواخر يونيو (حزيران) 2018.
ويوضح أسامة القصيبي مدير المشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن (مسام) في حوار مع «الشرق الأوسط» أن الألغام التي تم نزعها تنوعت ما بين روسية، ومن أوروبا الشرقية، لكن الغالبية منها كانت صناعة إيرانية.
وأكد القصيبي أن المشروع يعمل بـ41 فريقا داخل اليمن منها 32 فريقا لنزع الألغام و9 فرق للتدخل السريع لإبطال العبوات المتفجرة، ويصل العدد الإجمالي لأعضاء الفرق نحو 430 شخصاً.
المشروع قدم حتى الآن ثلاثة شهداء من فريقه أثناء نزع الألغام بحسب القصيبي، مشيراً إلى أن «مسام» مشروع إنساني صرف بتمويل وإشراف سعودي يركز على حفظ حياة السكان في مختلف المناطق اليمنية بما فيها الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مبيناً أن فريقين يوجدان حالياً في صنعاء ويعملان فعلياً لنزع الألغام.
وأبدى مدير المشروع استغرابه من قيام الميليشيات الحوثية من تحويل الألغام المضادة للدروع إلى ألغام تستهدف الأفراد من خلال تركيب دواسات كهربائية تجعل هذه الألغام تنفجر بوزن 10 كيلو غرامات عوضاً عن 100 كيلو غرام، وهو ما يعد جريمة حرب على حد تعبيره.
ووفقاً لأسامة القصيبي، فإن مشروع «مسام» قام بتدريب وإعادة تأهيل 32 فريقاً يمنياً من البرنامج الوطني اليمني لنزع الألغام، وتجهيزهم بالأجهزة والدروع الواقية والسيارات، إلى جانب الدعم الطبي واللوجيستي تحت إشراف خبراء سعوديين وأجانب.
القصيبي تحدث أيضاً عن أعداد ضحايا الألغام في اليمن، وعدم وجود تعاون للمشروع مع منظمات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجه المشروع وكيفية تجاوزها... إلى تفاصيل الحوار:
- ما آخر إحصائية لديكم لعدد الألغام التي تم نزعها حتى الآن؟
- حتى الآن وصلنا إلى 16 ألفا ما بين ألغام وذخائر غير متفجرة وعبوات ناسفة في مختلف المناطق المحررة التي نعمل فيها.
- تحدثتم سابقاً عن تقديرات بوجود مليون لغم في اليمن ستعملون على نزعها؟
- في الواقع مليون لغم هو تقدير شخصي لكن الرقم الصحيح سيظهر في نهاية المشروع بعد التأكد مما تم نزعه من مختلف الأطراف العاملة على الأرض، لا تنس أننا نعمل من جانب إنساني، لكن هناك الشرعية والجيش اليمني يقومان بنزع ألغام في عدة مناطق، كذلك قوات التحالف تقوم بنزع ألغام في مناطق أخرى، لذلك حتى الآن الرقم النهائي لم يتضح.
- ماذا عن المناطق التي يغطيها المشروع حتى الآن؟
- نحن نعمل من مأرب كمقر رئيسي، ولدينا فرق في محافظة شبوة (بيحان وعسيلان)، محافظة الجوف، ومحافظة البيضاء، وأجزاء من محافظة تعز، إلى جانب منطقة باب المندب والساحل الغربي، ومناطق يختل، والوازعية، ولدينا فريقان في العاصمة صنعاء.
- كيف تم إدخال هذه الفرق إلى مناطق الحوثيين وألا تخشون على أمنهم؟
- في الواقع تم الأمر بعد جهد جهيد وبتنسيق مباشر مع البرنامج الوطني اليمني لنزع الألغام، استمرت المفاوضات لأكثر من شهرين ونصف حتى تمكنا من إنزال الفريقين في صنعاء.
- كم عدد الفرق الموجودة في صنعاء وعدد الألغام التي تم نزعها؟
- لدينا نحو 20 شخصاً في صنعاء، وهذا يؤكد أننا لا نستهدف فقط المناطق المحررة بل جميع الأراضي اليمنية دون استثناء ولا تفرقة، التحدي الوحيد هو عدم تمكننا من الإشراف عليها بشكل مباشر، لذلك نتلقى التقارير منهم بعد فترة، ولم يبدأ العمل فعلياً إلا قبل أسبوعين، ونتلقى تقارير يومية وننتظر التقرير الشهري للحصول على معلومات.
- ماذا عن أنواع الألغام التي تم نزعها؟
- وجدنا أنواعا كثيرة، هناك ألغام كانت موجودة في مستودعات الجيش اليمني منها ألغام روسية أو من أوروبا الشرقية، ولكن هناك وبكثرة ألغام مستوردة من إيران، كما أن هناك ألغاما تصنع محلياً وهذه وجدناها بكثرة، استنسخوا ألغاما روسية ولغما إيطاليا وتصنيعه محلياً.
- هل لديكم فكرة عن طرق زراعة هذه الألغام وكيف تقوم به الميليشيات الحوثية؟
- الألغام كمفهوم دولي هناك مواثيق وأعراف لكيفية زراعتها ويجب أن توثق عبر خرائط وتحدد مناطقها بعلامات تحذيرية، هذا فيما يخص الألغام المضادة للآليات، أما الألغام المضادة للأفراد فهي محرمة دولياً في كل قوانين العالم، واليمن من الدول التي وقعت على اتفاقية حظر استخدام الألغام الفردية، لكنها للأسف موجودة وبكثرة، ما حدث في اليمن، هو أمر لم نجده في دول أخرى، أن لغم الآليات يحتاج إلى وزن 100 كيلو غرام وما فوق لينفجر، لكن الحوثيين حولوا هذه الألغام عن طريق دواسات كهربائية ليصبح الضغط عليها من 10 كيلو غرامات تنفجر، أي تحويل لغم مضاد للآليات إلى مضاد للأفراد، وهذا ما نسميه جريمة حرب ولا يوجد تعريف آخر لها، فالقصد هو قتل الشعب اليمني بشكل متعمد.
المشكلة الأخرى أن الميليشيات الحوثية زرعت هذه الألغام بشكل عشوائي في المدن، الطرق، والبيوت، والمساجد، والمدارس، نحن نتفهم زراعة الألغام في الجبهات العسكرية والمواقع الدفاعية على خطوط القتال، لكننا وجدنا الألغام كما ذكرت في القرى وحدائق البيوت، والمدارس، وهو ما يعني أن الغرض من هذه الألغام ليس عسكريا، وأصبحت العملية إرهابا.
- هل لديكم إحصائيات بعدد ضحايا الألغام في اليمن حتى الآن؟
- هناك إحصائيتان، واحدة معلنة وأخرى غير معلنة، البرنامج الوطني يوثق الحالات التي تمت إصابتها بالألغام من ضحايا وإصابات مثل بتر الأطراف وغيرها وهذه الحالات هي التي يعلن عنها، ولكن حتى الآن لم يأت دور توثيق الحالات الأخرى، وأعتقد أن غير الموثق أكثر من الموثق، إحصائياتنا تتحدث عن الضحايا المدنيين فقط، مع أن 80 في المائة من كل إصابات العسكريين في الجبهات هي من الألغام، وليس عبر مواجهة مباشرة مع العدو، وتشير التقديرات إلى أن ضحايا الألغام يصلون إلى 1800 شخص ما بين قتلى وإصابات جرحى وبتر.
- هل يتوقف مشروع مسام على نزع الألغام فقط أم هناك مراحل أخرى قد نراها مستقبلاً؟
- نحن حالياً تحت مظلة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مشروع مسام يركز على نزع الألغام فقط، لكن مركز الملك سلمان لديه برامج مكملة لعملنا ما بين تقديم الأطراف الصناعية وربما إعادة التأهيل لاحقاً.

- لديكم برنامج لتدريب الكوادر اليمنية على نزع الألغام... أين وصلتم؟
- أعدنا تدريب وإعادة تأهيل 32 فريقاً من البرنامج الوطني اليمني لنزع الألغام، وعملنا لهم إعادة تأهيل والبعض تم تدريبهم من الصفر، كما جهزناهم بالأجهزة والدروع الواقية والسيارات، والدعم الطبي واللوجيستي، كل ذلك تحت إشرافنا، وكمشروع متكامل يوجد لدينا على الأرض ما بين الفرق والدعم وفرق التدخل السريع والفرق الطبية، 430 شخصا داخل اليمن.
- ما أبرز الصعوبات التي تواجهكم؟
- من أصعب الأمور التي واجهناها الزراعة العشوائية للألغام من دون خرائط، وبناء على ذلك نعتمد على إفادات الأهالي المحليين فقط ونذهب لهذه المناطق بأنفسنا، التحدي الثاني هو البعد الجغرافي بين المناطق اليمنية، وأحياناً نأخذ طرقا أطول لأسباب أمنية وبعض الطرق قد تستغرق 20 ساعة أو أكثر، على سبيل المثال في إحدى زياراتي من مأرب إلى عدن استغرقت الرحلة أكثر من 21 ساعة.
- هل يتم التنسيق مع الحكومة اليمنية والتحالف لتوفير الحماية الأمنية؟
- لدينا حماية أمنية خاصة بنا تنتقل مع الفرق في جميع المناطق، ولدينا تنسيق مع جميع الجهات الموجودة على الأرض، الشرعية، والتحالف، والمقاومة اليمنية، الجميع يبلغ بتحركاتنا لتسهيل عملنا.
- هل تعامل المشروع مع الألغام البحرية بحكم عملكم في الساحل الغربي؟
- في الساحل الغربي لم يطلب منا حتى الآن التعامل مع ألغام بحرية، ولكن نحن جاهزون ولدينا خبرات في هذا المجال، علما بأن عمل البحر أصعب وأكثر تكلفة.
- هل لديكم أي تعاون مع المنظمات الأممية في اليمن؟
- للأسف التعاون مع الأمم المتحدة في مجال نزع الألغام صفر، المشروع سعودي مائة في المائة، نحن نتعامل مع الشرعية ولدينا تعاون وشراكة مع البرنامج الوطني لنزع الألغام، تمويل المشروع والإشراف سعوديان، وليس لدينا أي تواصل مع جهات من الأمم المتحدة، ولأكون أكثر صراحة، موضوع الألغام في اليمن مهمل غربياً سواء إعلامياً أو أممياً، ولم يعط اليمن حقه لمشكلة الألغام التي زرعها الحوثيون، هناك تجاهل لهذا الأمر، الأمم المتحدة مقصرة في رأيي.
- من خلال زياراتك للميدان هل هناك حالات أثرت فيك ولا تزال راسخة في ذهنك؟
- مشروع مسام قدم ثلاثة شهداء حتى الآن، وهذا الأمر كان له أثر كبير علينا جميعاً في المشروع، نعم دخلنا اليمن ونعرف المشكلات والمخاطر التي تواجهنا في مجال الألغام أو كوضع أمني للبلد، ولكن عندما تخسر شخصاً من الفريق يكون له وقع كبير على المجموعة، كذلك تأثرت عندما رأيت نسبة كبيرة من الأطفال في اليمن ضحايا لألغام الحوثيين، الأطفال أبرياء ولا دخل لهم بما يحصل، وقد اقترحت على مركز الملك سلمان توسيع العمل لمساعدة الضحايا لأن أمامهم سنوات طويلة من إعادة التأهيل في المجتمع ومساعدتهم على التأقلم مع الإصابة وإعادة دمجهم، موضوع الألغام في اليمن في تقديري وفي حال استمرار زخم العمل كما هو اليوم نحن نتحدث عن 3 - 5 سنوات قادمة وربما أكثر، وحتى لو أنزلنا مائة فريق على الأرض هناك مناطق يمكنهم العمل فيها، هذا ولم ندخل مناطق الجبهات بعد، التي ستحرر قريباً.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».