نوانكو كانو: إنقاذ أرواح الأطفال يفوق كرة القدم أهمية

نوانكو كانو: إنقاذ أرواح الأطفال يفوق كرة القدم أهمية

مشكلة مهاجم آرسنال السابق مع القلب ألهمته بناء مؤسسة نجحت في علاج 542 شخصاً
الأربعاء - 20 صفر 1440 هـ - 31 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [ 14582]
لندن: ديفيد هايتنر
تحدث مهاجم نادي آرسنال السابق، حول كيف أن المشكلة التي عاناها في القلب ألهمته بناء مؤسسة تعنى بالقلب، ولماذا ينبغي للأندية توجيه قدر أكبر من الاهتمام إلى صحة اللاعبين.

لا يزال النيجيري نوانكو كانو مهاجم نادي آرسنال السابق، يحمل في ذهنه ذكريات الصراخ والارتباك والشعور بالقنوط الشديد.

كانت سيدة قد حملت إليه ابنتها المريضة بشدة بعدما شعرت أنه لا ملجأ آخر أمامها، وكانت تتوسل إليه لإنقاذ حياة طفلتها. بعد ذلك، انهارت الطفلة. وقال كانو: «اضطررنا إلى حملها والجري بها نحو المستشفى. والحمد لله أنها لم تمت».

كان ذلك عام 2000، وكان كانو قد أسس لتوّه مؤسسة تحمل اسمه تُعنى بمساعدة مرضى القلب. وجاء إنشاء المؤسسة في أعقاب جراحة بالغة الخطورة خاضها كانو في القلب عام 1996. كانت والدة الطفلة قد قرأت إعلانات المؤسسة وتعقبت أثر اللاعب حتى وصلت إلى الفندق الذي يقيم به لاعبو المنتخب النيجيري، حيث كان الفريق يتهيأ لخوض مباراة في إطار بطولة كأس الأمم الأفريقية.

وقال كانو: «رغبت الأم في أن تعرض أمامي الطفلة كي أمدّ لها يد العون. وعندما رأتني في الفندق أخذت في الصراخ وفقدت الطفلة وعيها. ولاحقاً داخل المستشفى، وعدتُ الأم بأن أول عملية جراحية سنجريها ستكون لابنتها».

كانت الفتاة تدعى إنيتون، وكانت من أوائل الأطفال الذين نقلتهم مؤسسة كانو للقلب من نيجيريا إلى لندن لإجراء جراحات لهم بمستشفى «غريت أورموند ستريت».

وقال كانو: «بالنسبة إلى فتاة صغيرة في مثل هذه السن، لا تلعب، لا تحمل طاقة في جسدها، لا تتحرك في الجوار، ولا تبتسم ويغلب اللون الأزرق على عينيها... لقد كابدوا معاناة حقيقية، وكانوا في موقف عصيب حقاً. وفي مثل هذه المواقف لا تملك سوى أن تسأل نفسك: ماذا لو أن أحداً لم يمد لهم يد العون وماتت الطفلة...؟».

وأضاف: «إلا أنه في نهاية الأمر، خاض الأطفال العمليات الجراحية اللازمة، وذهبتُ لزيارتهم وكانت الابتسامة تعلو وجوههم ويقفزون من حولي ولعبوا معي، وأخذوا يدورون من حولي. وعندما نظرت إلى الأمهات، رأيت في وجوههن السعادة. ومنذ ذلك اليوم، قلت لنفسي: هذا أمر يجب أن نفعل المزيد والمزيد منه».

وثمة معلومة جديدة رائعة بخصوص قصة إنيتون، أنها الآن على وشك التخرج في جامعة ولاية لاغوس النيجيرية، حيث عاون كانو في سداد مصاريف تعليمها. وقد ساعدت المؤسسة التي أنشأها كانو في إنقاذ أرواح عدد أكبر بكثير من الأطفال المنتمين لأسر فقيرة في أفريقيا، وبدا النجم النيجيري فخوراً للغاية بكشفه العدد المحدد لهؤلاء الأطفال. وعن هذا، قال: «أنقذنا أرواح 542 طفلاً، ونحن مستمرون في هذا الطريق. هذا الأسبوع، سافر أربعة مرضى إلى السودان، وسمعنا أن العمليات جرت بنجاح. ويستعد ستة آخرون للسفر».

وأوضح أنه: «دخلنا في شراكات مع عدد من المستشفيات، ونتولى إجراء فحوصات، ونحرص على الحديث إلى الآباء والأمهات وتثقيفهم، وفي الوقت ذاته ننقل الأطفال إلى دول أخرى لإجراء جراحات لهم. ويتمثل هدف المؤسسة في بناء مستشفيات للقلب داخل أفريقيا، تبدأ من نيجيريا. ومن شأن ذلك تيسير المهمة التي نضطلع بها بدرجة كبيرة. بالنسبة إلى لاعب كرة القدم، فإنه يسعى للفوز ببطولات وهذا أمر جيد، لكنّ هناك ما هو أهم من ذلك بكثير».

من ناحية أخرى، كان كانو دوماً لاعباً متميزاً، وعادةً ما يلفت إليه الأنظار داخل منطقة هيرتفوردشير اللندنية، حيث يعيش مع أسرته المكونة من زوجته وأطفاله الثلاثة. وفي حديثه، مزح كانو قائلاً إنه كان ينوي اعتزال لعب الكرة والاسترخاء بعد عام 2012. وقال: «قلت في نفسي: حسناً، هذا وقت العطلة». إلا أنه من الواضح أن النزوع نحو فعل الخير داخله ورغبته القوية في تغيير ما حوله نحو الأفضل أقوى من رغبته في الاسترخاء.

اليوم، يعمل اللاعب البالغ 42 عاماً سفيراً لاتحاد الكرة النيجيري، وكذلك يعمل سفيراً لـ«الفيفا». وعن هذا، قال: «يطلق الناس عليّ لقب (الأسطورة) ويرونني كذلك بالفعل، لكن لا أعتقد أن هذا يعني أنه ينبغي لي الاختباء في المنزل والخروج في العطلات فقط واحتساء المشروبات الغالية ومشاهدة التلفزيون. إنني شخص يسعى لترك أثر إيجابي على حياة الآخرين».

والواضح أن عشق كانو الأول لا يزال مؤسسته، ولا يزال يحرص على استغلال أي وقت لديه للعمل على جمع تبرعات لها وتعزيز الوعي برسالتها. وكانت أحدث مبادراته تنظيم مباراة خيرية على ملعب بارنت «استاد هايف» نهاية الشهر الماضي بين لاعبين أفارقة وآخرين يشاركون ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز. وقد أعلنت مجموعة من الأسماء اللامعة من اللاعبين المعتزلين موافقتها على المشاركة، بينها جاي جاي أوكوشا وسول كامبل وتيدي شيرنغهام وروبرت بيريس.

الواضح أن شخصية كانو تأثرت كثيراً بالظروف الصعبة التي نشأ فيها في ولاية إيمو النيجيرية، حيث كان المال شحيحاً وكانت ممارسة كرة القدم في الشوارع بأقدام حافية القاعدة السائدة. ولم ينس كانو قط جذوره، وبعد انضمامه إلى أياكس الهولندي قادماً من «إيوانيانو ناسيونال» النيجيري، قال: «أولويتي الأولى كانت تقديم العون للمعوزين في الوطن الذين لم يكونوا يملكون أي شيء».

وأضاف: «أنا رجل رياضي، إذن ماذا يتعين على المرء فعله؟ أنت تحاول تقديم النصح للاعبين الآخرين الصاعدين الذين لا يزالون في بداية الطريق. وتحمل قمصاناً وأحذية رياضية إلى إخوانك في الوطن. وتعاونهم على سداد مصاريف المدارس».

واللافت أن هذه الرغبة نحو عمل الخير ترسخت بقوة لدى كانو بعد شهر مرير عايشه في أعقاب انتقاله من أياكس إلى إنترناسيونالي الإيطالي، وعندما سرد وقائع القصة، بدت ثقيلة على القلب بتفاصيلها المؤلمة. لسبب ما، شارك كانو في مباراتين وديتين قبل انطلاق الموسم لحساب النادي الإيطالي قبل أن يخضع للفحص الطبي. إلا أنه بمجرد خضوعه للفحص، جرى استبعاده فوراً من تشكيل المباراة التالية. ولم يخبره أحد بالسبب، وظل على غير علم بحقيقة حالته الصحية حتى صباح اليوم التالي، تحديداً اللحظة التي أدار فيها بالصدفة التلفزيون.

وعن تلك اللحظة، قال كانو: «ذكروا في التلفزيون أنني أعاني مشكلة في القلب وليس بمقدوري لعب الكرة بعد اليوم. وورد الخبر في الصحف الإيطالية، كانت تلك هي الطريقة التي عرفت بها الأمر -عبر وسائل الإعلام. وفي وقت لاحق، اتصل بي مسؤولون من الإنتر وأكدوا لي صحة ما يتردد من أنباء. وقلت لهم: لقد سمعت بالأمر بالفعل». «كان ذلك موقفاً عصيباً، خصوصاً أن يجري الكشف عن الخبر على هذا النحو. في تلك اللحظة، شعرت أن حياتي انقلبت بأكملها رأساً على عقب».

كان كانو محظوظاً لأن المشكلة الموجودة في الصمام الأورطي ظهرت في أثناء الفحص الطبي، ويعد اللاعب السابق مديناً باستمرار مسيرته الكروية لطبيب اختصاصي في كليفلاند بأوهايو، بعد أن نصحه أطباء في بريطانيا وهولندا بضرورة التوقف عن لعب الكرة، لكن طبيب كليفلاند نجح في إجراء جراحة لإصلاح الخلل القائم في الصمام، ما مكّن كانو من اللعب من جديد.

مع أياكس، فاز كانو بثلاث بطولات للدوري الهولندي الممتاز، بجانب بطولة دوري أبطال أوروبا، إضافة إلى أنه عاون نيجيريا في الفوز بميدالية أوليمبية ذهبية في صيف عام 1996، كما فاز ببطولة كأس الاتحاد الأوروبي مع الإنتر قبل انتقاله إلى آرسنال، حيث فاز ببطولتين للدوري الممتاز وبطولتي كأس الاتحاد الإنجليزي. وفاز كانو ببطولة أخرى من كأس الاتحاد الإنجليزي مع «بورتسموث» عام 2008، عندما سجل الهدف الوحيد في مباراة النهائي. ومع المنتخب النيجيري، شارك كانو في 86 مباراة، منها ثلاث بطولات لكأس العالم، ونال جائزة أفضل لاعب أفريقي مرتين.

وأكد كانو: «ما مررت به بعد انتقالي إلى الإنتر زادني قوة. ليس هناك اختبار أكبر من أن تكون بين الحياة والموت. لذا، فإنه إذا نجحت في التعافي من مثل هذا الموقف، بمقدورك مواجهة أي شيء بعد ذلك. لقد منحتني هذه المحنة دفعة للنهوض وفعل كل ما يتوجب عليّ فعله».

وأضاف: «أيضاً، غيّرتْ هذه المحنة نظرتي إلى الحياة. على سبيل المثال، لا يمكنك أن تدرك حقيقة ما يجري داخل مستشفى إذا لم تكن هناك. لقد أدركت أن الحياة أكبر من مجرد أن تسعى لأن تعيش حياة هانئة، وإنما باستطاعتك مساعدة الآخرين. إنني أعي حجم الألم الذي عايشته وأنا شخص بالغ، فما بالك بحال الأطفال. من الصعب عليهم تحمل مثل هذا الألم».

عام 2014، احتاج كانو إلى عملية ثانية لإعادة إصلاح الصمام ذاته، الأمر الذي تركه في وهن شديد. ومع هذا، كان المستحيل الإبقاء عليه هامداً دون حركة لفترة طويلة، واليوم يبدي تصميماً أكبر عن أي وقت مضى على تسليط الضوء على القضايا المتعلقة بصحة القلب، بما في ذلك في إطار كرة القدم الاحترافية.

وقال: «لقد شاهدنا لاعبين مثل مارك فيفيان فوي يموتون فجأة في أثناء اللعب. وكان هناك كثيرون آخرون مثل تشيك تيوتي. وينبغي للأندية واتحادات الكرة التحلي بالجدية حيال إجراء فحوصات طبية عامة للاعبين. ما الذي يمنعهم من فعل ذلك كل ثلاثة أشهر؟ إنها فكرة أعمل على الدعوة إليها ليل نهار لأنه مَن يدري، ربما كنت لأصبح واحداً ممن لعبوا الكرة وماتوا في أثناء اللعب إذا لم يكتشف أحد المشكلة التي عانيتها في القلب خلال الفحص الطبي في الإنتر».
المملكة المتحدة الدوري الإنجليزي الممتاز

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة