نظرة على أشهر «بواب» وأشهر «سفرجي» وأشهر «حانوتي» في السينما المصرية

باحث خليجي يرصد سيرة «الفنانين المهمّشين» سنوات الزمن الجميل

TT

نظرة على أشهر «بواب» وأشهر «سفرجي» وأشهر «حانوتي» في السينما المصرية

يهيمن نجوم الفن السابع على فضاء الشهرة، كما يحتلون ذاكرة المشاهدين، إلا أن باحثاً خليجياً كرّس وقتاً طويلاً لتتبع نجوم الظل، أو ما يسميهم الفنانين «المهمشين» الذين لا يكتمل المشهد إلا بحضورهم، والذين تركوا أثراً بارزاً في الذاكرة الفنية.
يستحضر الكاتب البحريني الدكتور عبد الله المدني، من خلال كتاب صدر أخيراً ويرصد سيرة أكثر من 170 فناناً سينمائياً مصرياً، سنوات الزمن الجميل، حيث يشدّ القارئ لعصر أبطال الفن السابع الذين صبغوا عصرهم بفتنة التمثيل الأصيل ليجعل منهم أبطالاً رغم أدوار الكومبارس والأدوار الثانوية والهامشية التي أدوها في أعمالهم.
يهتم الكتاب الذي يحمل عنوان: «شاهدتهم ولا تعرفهم... سير نجوم الظل في السينما المصرية»؛ بنحو خاص بنجوم الصف الثاني، وربما الثالث في السينما المصرية، أو ما يسميهم نجوم الظل أو الفنانين «المهمّشين» أو شبه المهمشين ممن لم تسلط الكتب الفنية الأضواء عليهم وعلى أعمالهم الخالدة، فباتوا معروفين لعشاق السينما شكلاً ومجهولين اسماً وسيرة.
من بينهم مثلاً البواب والسفرجي الأشهر في السينما الفنان النوبي محمد كامل، أو الخواجة الأشهر إدمون تويما، أو عن صبي الشاشة الأبله (صفا الجميل)، أو الأقصر طولاً والأخف وزنا حسن كامل.
المثير أن هذا الشغف بالسينما لازم المؤلف خلال إقامته في مدينة سعودية يفصلها عن البحرين مياه الخليج العربي، وكان محظوظاً أنه يعيش بجوار الظهران، حاضنة صناعة النفط، التي أسست فيها شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) محطة بث تلفزيونية في سبتمبر (أيلول) 1957 لتصبح القناة التلفزيونية الثانية الناطقة بالعربية في منطقة الشرق الأوسط بعد قناة تلفزيون بغداد. وأخذت هذه المحطة على عاتقها الترفيه عن مشاهديها بعرض أربعة أو خمسة أفلام سينمائية مصرية في الأسبوع.

- من تجميع الأفيشات إلى تدوين سيرة 170 ممثلاً
عمل المدني في شبابه على تدوين أسماء الممثلين والممثلات، مع البحث عن معلومات تفيد بتدوين نبذة موجزة عن كل واحد، مع هواية خاصة تمثلت في تجميع أفيشات الأفلام المصرية من خلال قصها من المجلات المصرية، مثل «الكواكب» و«المصور» و«آخر ساعة»، ثم تبويبها بحسب أحجامها.
الدكتور عبد الله المدني، الذي يعمل مستشاراً وأستاذاً في العلاقات الدولية «متخصص في الشأن الآسيوي»، وهو كاتب صحافي، له عدد من الدراسات والمؤلفات، وُلد بمدينة الخبر شرق السعودية في أبريل (نيسان) 1951 لأسرة بحرينية كانت تقيم هناك. وهو لا يحمل في تخصصاته الدراسية أي اتجاه نحو الفن والسينما، حيث يحمل شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بيروت الأميركية، وشهادة الماجستير في العلاقات الدولية والاستراتيجيات من جامعة بوسطن الأميركية، وحاصل على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة إكستر البريطانية. ورغم أن هذا المؤلف يرصد سيرة نحو 170 فناناً مصرياً، وهو يُعد كتاباً مماثلاً لسيرة الفنانات المصريات في الزمن الماضي، فإنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أعمل في أي مجال فني سينمائي، ولم ألتقِ بأي فنان مصري سوى سمير غانم في الفندق الذي أعتد الإقامة به في العاصمة اليونانية، ذات سنة في الثمانينات».
ويضيف المدني: «تعلقت بنجوم السينما المصرية دون غيرها؛ لأنهم كانوا سادة الشاشة الفضية في زمن تلفزيون (أرامكو) من الظهران الذي كان يعرض 6 أفلام مصرية كل أسبوع، ناهيك عن أننا كنا نقرأ أخبارهم بانتظام من خلال مجلتي (الكواكب) المصرية و(الموعد) اللبنانية».
ويعترف المدني بأنه كان مغرماً بنجمات الشاشة المصرية، عندما كان مراهقاً، ويقول: «عَشَقنا الكثير من نجمات السينما المصرية في زمن المراهقة، وعلقنا صورهن في غرف نومنا وحلمنا بهن». ويكمل: «نجماتي المفضلات كن زبيدة ثروت، ونادية لطفي، وميرفت أمين، وإلى حد ما ماجدة». كما «أحببنا نجوماً من أمثال رشدي أباظة، وعمر الشريف، وأحمد رمزي، وحاولنا تقليدهم في طريقة اللبس وتصفيف الشعر والتحدث».
ويضيف: «حينما سمعنا أن عمر الشريف دخل هوليوود وصار يمثل مع نجماته أصابنا نوع من التلهف لمشاهدته وهو يرطن بالإنجليزية ويراقص نجمات هوليوود من أمثال صوفيا لورين، وإليزابيث تايلور، وكلوديا كاريدينالي، وجينا لولا بريجيدا، ولم يكن أمامنا أنا وأقراني في مدرستنا الإعدادية بالخبر (شرق السعودية) لإشباع هذا الهوس سوى المشي على الأقدام مسافة 7 كيلومترات أو أكثر إلى مطار الظهران، حيث كانت توجد صالة سينما تابعة لبعثة التدريب العسكرية الأميركية اسمها (سينما النخيل)».

- نجوم الظل
من ضمن نجوم الظل في السينما المصرية الذين تعلق بهم المدني؛ بسبب الأداء المتقن المصاحب بالكوميديا العفوية الفنان محمد شوقي، وهذا الممثل يعتبره الكاتب «زبدة وعسل وقشطة وفاكهة السينما المصرية. فما من عمل ظهر فيه إلا وأضفى عليه رونقاً خاصاً بأدواره وحركاته الفكاهية الخالية من التكلف»، وهو الفنان محمد شوقي، واسمه الحقيقي محمد إبراهيم إبراهيم، المولود في 6 يناير (كانون الثاني) 1915 بحي بولاق أبو العلا، والمتوفى بالتهاب الكبد في 21 مايو (أيار) 1984 بمستشفى مصر الدولي بالجيزة.
وظل شوقي يعمل في فرقة الكسار حتى سنة 1946، ليلتحق بعدها بفرقة «شكوكو» ففرقة الريحاني. ومن المسرح اقتحم شوقي عالم السينما ببراعة وتميز، فقدم أكثر من 300 عمل سينمائي ومسرحي.
من أجمل أدواره وأكثرها كوميدية، دور الخادم «نعناع» في فيلم «سكر هانم» (1960) من أفلامه وأدواره الأخرى: فيلم «الوسادة الخالية» (1957) في دور بائع السندويشات الذي يسترد سندويشاته من يد صلاح (عبد الحليم حافظ) بسبب «القرش المضروب»؛ وفيلم «ليلة الدخلة» (1950) في دور أحد زبائن صالون السرعة؛ وفيلم «بين إيديك» (1960) في دور المأذون الشرعي وفيلم «كل دقة في قلبي» (1959) في دور رجل يرابط عند استوديو السينما مع ابنته الصغيرة «وزة» كي يحصل لها على دور في الأفلام؛ و«حب في الزنزانة» (1983) في دور تاجر الجلود جباوي.
أما يوسف إدمون سليم تويما، المعروف اختصاراً باسم « إدمون تويما»، المولود في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 1897 بالقاهرة لأب من أصول لبنانية كان يعمل موظفاً في الحكومة المصرية ويقيم في ميدان رمسيس، فمن لا يعرفه يعتقد أنه مجرد ممثل كومبارس فقط، حيث استغل المخرجون ملامحه الشبيهة بملامح الأوروبيين لأداء أدوار الخواجات في الأفلام السينمائية المصرية. غير أن الحقيقة خلاف ذلك، فالرجل ممثل ومخرج ومنتج ومترجم استعان به كبار المخرجين والمنتجين (مثل عميد المسرح العربي يوسف وهبي والمخرج المسرحي الكبير زكي طليمات لترجمة الروايات المسرحية الأجنبية وتمصيرها، كما أن عدداً لا يستهان به من نجمات ونجوم السينما المصرية استعانوا به لتدريسهم اللغة الفرنسية التي كان يجيدها أفضل من أصحابها».
لكن تويما رغم ملامحه الأوروبية مثل دور الفلاح المصري مرة يتيمة في فيلم «أرض النيل» (1946) من تمثيل أنور وجدي وعقيلة راتب وراقية إبراهيم.
يقول المدني لـ«الشرق الأوسط»، إن عبد العظيم كامل هو «الفنان الذي أتعبني كثيراً حتى حصلت على اسمه وسيرته»... الفنان الأصلع الأنيق الذي شاهدناه مراراً وتكراراً في الأفلام وهو يؤدي دور الطبيب الذي يستدعى على عجل لمعاينة مريض أو مريضة فيأتي مصطحبا شنطته ويخرج منها سماعته ثم يكتب روشتة طبية قائلاً: بسيطة... شوية برد وحتخف.. بس لازم راحة تامة وشوربة فراخ.
ومن بين هؤلاء الفنان الكوميدي إبراهيم سعفان الذي «خط لنفسه نهجاً كوميدياً صعباً لا يتقنه الكثيرون من ممثلي الكوميديا، ونعني بذلك خط إضحاك المشاهد عبر التزام الجدية وليس عبر الاستهبال والحركات العبيطة»، واشتهر سعفان بالكثير من الإفيهات، لعل أشهرها «ضحكتني يا قُصير» و«أنا مبسوط كده أنا مرتاح كده».
كذلك، الممثل عبد المنعم إسماعيل، الذي لم يبق فيلم من أفلام الأبيض والأسود إلا وتجده مشاركاً فيه، ولم يبق دور سينمائي إلا وأداه في مشاهد قصيرة، وإن كان ظهوره في معظم الأفلام في دور المعلم الذي يقدم الشر بنكهة كوميدية، أو دور الجزار الذي يتودد إلى الخادمة التي عادة ما تكون وداد حمدي ويحاول إغواءها، أو دور الشاويش الساذج، أو دور الفراش الجدع، أو دور صاحب المقهى الذي يتعرض لبنات الحي الشعبي بالهمز واللمز، أو دور التاجر البلدي الذي يستخدم ماله في الزواج ممن تصغره سنا ولا تطيقه.
وبالمناسبة، عبد المنعم إسماعيل، الذي أطلقوا عليه اسم «بلطجي نجوم الدرجة الثالثة»، مات منتحراً في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1970 بإلقاء نفسه في النيل؛ احتجاجاً على فقره وطرد أبنائه من المدرسة بسبب المصاريف، وعدم قدرته على العيش الكريم بعدما قل الطلب عليه سينمائياً.
كذلك الفنان عبد الغني النجدي، الذي يصفه الكاتب بالنسبة للسينما المصرية «زبدتها وملحها وفاكهتها الشهية». إذ لا يستساغ الفيلم إذا لم يكن مشاركاً فيه بعفويته وتلقائيته البسيطة ولهجته الصعيدية وشواربه المتميزة. والذي لقب بـ«أشهر بواب صعيدي في السينما»، وعُرف بإفيهاته المضحكة مثل «مليح قوي يا خال»، واشتهر بأداء أدوار البواب والخادم والشاويش والغفير والبائع المتجول والقروي خفيف الدم في أفلام الأربعينات والخمسينات والستينات، وعدد قليل من الأفلام الملونة بلغ إجماليها نحو 335 عملاً.
أما قصة الممثل المصري المغمور «حسن كفتة»، فهي «غريبة كغرابة مظهره واسمه. فاسمه خالٍ من أي معنى أو مضمون فني. واسمه الحقيقي هو حسن أحمد عبد السلام، وأن لقب (كفتة) التصق باسمه لأن قائد الكتيبة التي عمل بها أثناء تأديته الخدمة العسكرية كان يقول له أمام زملائه: «أنت زي صباع الكفتة بس شاطر» كناية عن استجابته الفورية لكل المهام المطلوبة منه على الرغم من ضعفه وهزاله الشديد».
وبين الممثلين حسن كامل بجسمه الهزيل ووزنه الخفيف وقامته القصيرة وصوته الكرتوني وطربوشه الطويل الذي كان يثير الضحك حتى من دون أن يؤدي مشهدا كوميديا.
والفنان صفا محمد، الشهير سينمائياً باسم «صفا الجميل»، الذي بلغ إجمالي الزمن الذي ظهر فيه في أفلامه مجتمعة ستين دقيقة فقط أو أكثر بقليل، أي بمعدل دقيقتين في الفيلم الواحد. لكنه على الرغم من هذه الحقيقة، وعلى الرغم من تصنيفه ممثلاً من الدرجة الثالثة، فإن عشاق السينما المصرية أحبوه ولا يزالون يتذكرونه بسبب تجسيده على الشاشة دور الصبي العبيط: «وخلافاً لما يعتقده البعض من أنه كان عبيطاً بسبب شكله الموحي بالغباء وصوته النشاز الذي لا تخطئه أذن، فإنه أثبت في أكثر من واقعة أنه أذكى بكثير ممن يعتبرون أنفسهم أذكياء»، وأن إعاقته الوحيدة تكمن في ثقل لسانه بحيث يتحدث كمن في فمه طعام، ويتذكر المشاهدون دوره «حرنكش» ابن الست بلطية العالمة (زينات صدقي) في فيلم «دهب» (1953)، الذي يتعارك في الحي مع الأطفال فيضربونه فتصرخ أمه قائلة: «ابني اتشلفْط خالص، دانا حرميه للقطط ياكلوه».


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».