قمة إسطنبول تؤكد ضرورة استمرار مسارات الحل السياسي في سوريا

قادة روسيا وفرنسا وألمانيا وتركيا أكدوا العودة الطوعية للاجئين بإشراف الأمم المتحدة... وحضوا على عقد لجنة الدستور

ماكرون وإردوغان وبوتين وميركل في مؤتمرهم الصحافي عقب قمة إسطنبول أمس (رويترز)
ماكرون وإردوغان وبوتين وميركل في مؤتمرهم الصحافي عقب قمة إسطنبول أمس (رويترز)
TT

قمة إسطنبول تؤكد ضرورة استمرار مسارات الحل السياسي في سوريا

ماكرون وإردوغان وبوتين وميركل في مؤتمرهم الصحافي عقب قمة إسطنبول أمس (رويترز)
ماكرون وإردوغان وبوتين وميركل في مؤتمرهم الصحافي عقب قمة إسطنبول أمس (رويترز)

أكدت قمة إسطنبول الرباعية ضرورة الاستمرار في جميع مسارات الحل السياسي، والقضاء على الإرهاب في سوريا، وتأمين العودة الطوعية للاجئين تحت إشراف الأمم المتحدة.
جاء ذلك في مؤتمر صحافي مشترك عقده الرؤساء التركي رجب طيب إردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في ختام القمة التي استمرت نحو 5 ساعات في إسطنبول، أمس (السبت)، بحضور المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا.
وقال الرئيس إردوغان إن قمة إسطنبول الرباعية استهدفت تعزيز وقف إطلاق النار وحقن دماء السوريين وبحث التسوية السياسية في سوريا. وانتقد عدم اهتمام المجتمع الدولي، بالشكل الكافي، بالأزمة السورية والوضع الإنساني ومعاناة السوريين، مشيراً إلى أنه تم تأكيد، خلال الاجتماع، استمرار مسار آستانة من أجل التوصل إلى الحل السياسي بمشاركة فرنسا وألمانيا.
وقال إن المشاركين في القمة أكدوا أهمية استمرار مسار جنيف أيضاً من أجل حل الأزمة في سوريا، مشيراً إلى أنه «تم تأكيد تنفيذ اتفاق سوتشي الخاص بإدلب، لحقن دماء المدنيين تمهيداً للوصول إلى حل دائم للأزمة السورية نتمنى أن يتحقق بنهاية العام الجاري».
وأضاف أنه «تم تأكيد أهمية التعاون في مكافحة الإرهاب في ظل التهديدات التي يتعرض لها الأمن العالمي»، مشيراً إلى أن «تركيا التي تمتد حدودها مع سوريا بطول 900 كيلومتر هي أكثر دولة تواجه الإرهاب، ولذلك قمنا بعمليات عسكرية ناجحة في شمال سوريا والآن نشاهد الأمن الذي تنعم به هذه المناطق وعودة السوريين إليها بعد زوال خطر الإرهاب».
وتابع أن الزعماء اتفقوا على أهمية القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية في سوريا، وعلى دعوة المجتمع الدولي لمد يد العون للسوريين ومنع حدوث موجات لجوء جديدة.
وفي ما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين، قال إردوغان إنه تم الاتفاق على ضرورة أن تكون العودة اختيارية بما يتفق مع القانون الدولي، مشيراً إلى أن تركيا أنفقت 33 مليار دولار على اللاجئين، داعياً المجتمع الدولي وأوروبا إلى مساندة بلاده وتعزيز الدعم الإنساني للشعب السوري لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.
وتابع إردوغان أن القادة المشاركين في القمة اتفقوا على ضرورة الاستمرار في جهود الحل السياسي في سوريا، ومشاركة جميع الأطراف المعنية في ذلك، لافتاً إلى أنه سيتم تزويد إيران بنتائج هذه القمة وستواصل مشاركتها من أجل الحل السياسي.
وأشار إلى أهمية العمل على استكمال أعمال لجنة صياغة الدستور بنهاية العام الجاري، قائلاً إن الشعب السوري هو الذي سيقرر مصير بشار الأسد. وأضاف أن الأسد مسؤول عن قتل مليون إنسان في سوريا، ولذلك فإنه يجب إشراك السوريين في تحديد مستقبلهم.
من جانبه، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن «روسيا تؤكد تمسكها بالحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة السورية، ونتمنى أن تستمر المجموعة التي شاركت في هذه القمة في اجتماعاتها، وبدء مرحلة الحوار بين مختلف الأطياف السورية».
ولفت بوتين إلى جهود تركيا لمحاربة الإرهاب في سوريا، وأثنى على هذه الجهود، وقال إنها يجب أن تكون نموذجاً للدول الأخرى من أجل مكافحة الإرهاب وضمان وحدة أراضي سوريا. وأضاف بوتين: «اتفقنا على ضرورة استمرار مسارَي آستانة وجنيف وكذلك تنفيذ اتفاق سوتشي والبناء على كل ذلك في بدء الحوار بين مختلف الأطياف السورية، والتعاون والتنسيق في مكافحة الإرهاب، والحفاظ على وحدة أراضي سوريا». ولفت إلى أن «أعمال العنف في سوريا تراجعت بشكل كبير، ونأمل في استمرار التنسيق والتعاون في مكافحة الإرهاب وفتح الطريق لوصول المساعدات الإنسانية للسوريين».
وبالنسبة إلى عودة اللاجئين، قال بوتين إنه يجب العمل على تأمين عودتهم، حيث تم إنشاء مليون ونصف المليون وحدة سكنية لاستيعابهم. وأكد ضرورة دعم الجمهورية السورية (النظام السوري) من أجل القضاء على الإرهاب وبسط السيطرة على أراضي سوريا والحفاظ على وحدتها.
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن قمة إسطنبول تعد استكمالاً لمسار آستانة. وأكد ضرورة توحيد مختلف المسارات الخاصة بسوريا والتعاون في مكافحة الإرهاب وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين.
وأشاد باتفاق سوتشي في إدلب، وأعرب عن أمله أن يتم التوصل إلى إنهاء وجود المجموعات والتنظيمات الإرهابية في سوريا وتطهيرها من الأسلحة الكيماوية.
واعتبر ماكرون أن الوضعية القائمة في سوريا صعبة، حيث هناك الحرب على الإرهاب وهناك الحرب بين النظام والمعارضة، مشيراً إلى أنه «يجب العمل على الوصول إلى حل شامل ودائم، وهذا لن يتأتى إلا من خلال الضغط على النظام وإتاحة المجال للشعب السوري لتحديد مصيره من خلال انتخابات ديمقراطية وشفافة، ولكن حتى الآن لم نرَ أي مبادرة في هذا الشأن».
وأضاف أنه «بحلول نهاية العام الجاري سنتمكن من تشكيل لجنة صياغة الدستور ونتمنى أن تكون هذه هي بداية للحل الدائم والشامل في سوريا».
ولفت إلى الجهود الفرنسية في تقديم المساعدات للسوريين. وقال إن فرنسا قامت بدور بالتعاون مع روسيا والأمم المتحدة في الغوطة الشرقية، مؤكداً ضرورة العمل على تأمين تقديم المساعدات وفتح الممرات الآمن لشاحنات المساعدات وإيصالها إلى المدنيين.
وأشاد بدور تركيا في استيعاب اللاجئين السوريين والتضحيات التي قدمتها على الصعيدين المادي والإنساني لاستضافتهم. وأكد ضرورة العمل على ضمان أمن اللاجئين الراغبين في العودة.
وفي ما يتعلق بإدلب أشار ماكرون إلى أن الوضع هناك كان ينذر بوقوع موجة لاجئين كبيرة من سوريا مجدداً، لافتاً إلى أن «اتفاق سوتشي منع وقوع هذه الموجة ومنع كارثة إنسانية». مضيفاً أنه «لا بد أن نتحمل مسؤوليتنا في المرحلة المقبلة في سوريا، وعلى المجتمع الدولي أيضاً تحمّل مسؤوليته في هذا الصدد».
بدورها، أكدت ميركل ضرورة تأمين اللاجئين وتأكيد دور الأمم المتحدة في ذلك، وضرورة الضغط على النظام السوري لوقف استهداف المدنيين. وأضافت أن «اتفاق سوتشي الخاص بإدلب كان اتفاقاً ناجحاً منع موجة جديدة من اللاجئين، ونحن نؤكد دعمنا لهذا الاتفاق».
ونوهت بدور دي ميستورا الذي جنّب السوريين الكثير من المخاطر في العديد من المراحل، وكذلك دوره في تشكيل لجنة صياغة الدستور، مشيرة إلى أن عودة اللاجئين يجب أن تكون تحت إشراف الأمم المتحدة وتأمينهم وحمايتهم من النظام.
واعتبرت أن الاتفاق التركي - السوري في سوتشي والخاص بإدلب خطوة ناجحة على مسار الحل السياسي في سوريا، مشيرة إلى أن الحل في سوريا لن يتحقق بالوسائل العسكرية فقط.
وشددت على «ضرورة أن تعود سوريا وطناً آمناً لأبنائه والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتظهيرها من التنظيمات الإرهابية».
ورداً على سؤال حول لجنة صياغة الدستور وما إذا كان النظام السوري سيشارك في عملها دون عرقلتها، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «العملية الجارية تضم الحكومة السورية والمعارضة بمختلف أطيافها، ونعمل مع جميع شركائنا، وإيران لها دور كبير في ذلك أيضاً»، وشدد على ضرورة دعم جهود النظام في مكافحة الإرهاب وبسط سيطرته والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
كان إردوغان قد دعا في كلمة في افتتاح القمة الرباعية إلى «التحرك بشكل بنّاء، وعدم تخييب الآمال»، قائلاً: «إن أنظار العالم كله وفي مقدمته أشقاؤنا السوريون متوجهة الآن إلى هذا الاجتماع، وواثق بأننا لن نخيّب الآمال بهذا الخصوص من خلال التحرك عبر مفهوم بنّاء، لأن سوريا تأتي في أولوية موضوعاتنا خلال استشاراتنا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين».
وأضاف: «لقد أبدينا اهتمامنا دوماً بالتواصل الوثيق مع السيد ماكرون والسيدة ميركل وإعلامهما بتفاصيل التطورات في سوريا».
وقبل الاجتماع الرباعي، عُقدت سلسلة من اللقاءات الثنائية، حيث التقى إردوغان كلاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وميركل، وماكرون، كلٌّ على حدة في قصر «وحيد الدين» بالشطر الأسيوي من إسطنيول الذي استضاف أعمال القمة.
حضر لقاء إردوغان وبوتين من الجانب التركي مولود جاويش أوغلو، ووزيرا الدفاع خلوصي أكار والخزانة والمالية برات البيراق، ومن الجانب الروسي وزير الدفاع سيرغي شويغو، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ومستشار بوتين يوري أوشاكوف. واستغرق اللقاء 45 دقيقة، وتم خلاله بحث العلاقات بين البلدين لا سيما في مجال الطاقة إلى جانب الملف السوري.
كما التقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو نظيره الروسي سيرغي لافروف، على هامش القمة لبحث المستجدات السياسية والميدانية الحاصلة في سوريا.
وحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، فإن الوزيرين بحثا القضايا الأمنية الإقليمية وفي مقدمتها التطورات في محافظة إدلب السورية.
كما ناقش جاويش أوغلو ولافروف اتفاق سوتشي الذي تم التوصل إليه بين الرئيسين التركي والروسي في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، والذي يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب السورية، وكيفية تطبيقها.
كما تناول الوزيران، التركي والروسي، مسألة تشكيل لجنة لصياغة الدستور السوري، وشددا على أهمية الإسراع بتشكيل هذه اللجنة.
كما التقى وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، نظيره الروسي سيرغي شويغو، قبل لقاء الرئيسين، حيث بحثا القضايا الأمنية الإقليمية وفي مقدمتها التطورات الأخيرة في محافظة إدلب السورية.
كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المستتشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لبحث الملف السوري وتنفيذ اتفاق إدلب. والتقت ميركل أيضاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وناقشت القمة الوضع في إدلب، وتنفيذ اتفاق سوتشي، واتخاذ الخطوات اللازمة لإعلان «خريطة طريق» للتسوية السياسية في سوريا، إلى جانب تشكيل لجنة صياغة الدستور.
كان إردوغان قد دعا في 29 يوليو (تموز) الماضي، إلى عقد القمة، على خلفية تصاعد التوتر في إدلب، وتزايد المخاوف من وقوع مأساة إنسانية فيها، بعد أن حشد النظام السوري وداعموه قوات عسكرية على مشارفها.
وكثفت تركيا جهودها الدبلوماسية لتجنب موجة جديدة من النازحين من إدلب التي تضم نحو 4 ملايين مدني، حتى تم التوصل إلى اتفاق سوتشي مع روسيا في 17 سبتمبر الماضي، الذي يقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق يتراوح ما بين 15 و20 كيلومتراً تفصل مناطق النظام عن مناطق المعارضة في إدلب ومحيطها... لكن أنقرة أكدت المضي في عقد القمة الرباعية لتعزيز اتفاق إدلب، وتعزيز حشد وتنسيق الجهود للدفع نحو حل سياسي نهائي للأزمة.
وأكدت فرنسا، في أكثر من تصريح رسمي، أن وقف إطلاق النار في إدلب «هش»، وبحاجة إلى تعزيز، واعتبرت أن القمة الرباعية تشكل «فرصة» لدعم تشكيل لجنة لصياغة الدستور في سوريا.
وكانت موسكو قد استبقت انعقاد القمة بتأكيد أن نتائجها قد لا تشكل نقطة تحول في مسار الأزمة السورية، إلا أنها تشكل منصة مهمة لتبادل الآراء وتعزيز التعاون بين الدول الأربع.
وبالتزامن مع انعقاد القمة، وصلت تعزيزات عسكرية للجيش التركي، أمس، إلى مركز ولاية كيليس الحدودية مع سوريا، تشمل مدفعية ومركبات عسكرية، توجهت من مركز الولاية إلى مختلف الوحدات العسكرية المرابطة على الحدود السورية.
وتهدف تلك التعزيزات، حسب المعلومات التي حصل عليها مراسل «الأناضول»، إلى تعزيز قدرات الوحدات العسكرية المرابطة على الحدود.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.