شاشات: قليل من الواقع والواقعية

شاشات: قليل من الواقع والواقعية

الأربعاء - 25 شهر رمضان 1435 هـ - 23 يوليو 2014 مـ
ما يعكسه مسلسل «سجن النساء» (قنوات «الحياة» و«النيل» و«المحور» وقنوات أخرى) هي حالة عامة من الإحباط
محمد رُضــا
عاجلا أم آجلا كان سيجري إنتاج مسلسل يدور حول سجن النساء.. فلم لا يكون «سجن النساء» هو المسلسل المنتظر؟ دراما من 30 حلقة رمضانية تدور حول حياة ثلاث فتيات وما تسبب في دخولهن، كل بمعزل عن الأخرى، إلى السجن.. تدور ثم تدور ثم تدور ثم.. تدور. قلنا إنها 30 حلقة، يعني أن هناك 30 إعادة.
مثل كثير من الكتابات، يمكن إيجاز العمل وتخليصه من تكرار المواقف ومن مشاهد «الفلاشباك» ومشاهد شرح ما لا ضرورة لشرحه.. هذا سيوحد منهجه أكثر.. سيمنحه حدة أعلى وتشويقا فاعلا.. وسوف ينتهي في سبعة أيام أيضا وهذا غير مسموح به.
إلى جانب حكايات السجينات الثلاث، هناك حكايات السجن ذاته.. الحياة داخله والشللية ومفارقات السجينات مع السجّانات وكثير من الجدال. في الحقيقة، وبعد مشاهدة سبع حلقات (1 و4 و5 و12 و16 و20 و25)، هناك كثير من الجدال.. كثير من الغضب.. كثير من الشجار.. رفع الصوت.. العلاقات غير المرتاحة.. الكل يصيح في وجه الكل، وبعضهم يقول له بعد كل حالة غضب: «بحبك يا قمر» أو «ماكنش قصدي».. صافي يا لبن!
صحيح أن المسلسل يريد أن يجتزأ من الواقع حسه ونبضه، لكن هذا لا يجب أن يعني أن كل الشخصيات تتحرك وتتكلم وتنفعل بالطريقة نفسها. هذا بالطبع إلا إذا كانت الشخصيات تغيرت في الحلقات الأخرى وقصدت أن تكون متشابهة القول والفعل والتصرف في الحلقات التي شاهدتها فقط.
ما يعكسه مسلسل «سجن النساء» (قنوات «الحياة» و«النيل» و«المحور» وقنوات أخرى) هو حالة عامة من الإحباط، وهي إذا كانت على هذا النحو فهي كارثية، لكن افتراضا أنها كذلك، فإن النقل لا يكون بالاستنساخ أو بالافتراض بأن هذا هو الواقع. الواقع في السينما وفي التلفزيون أكبر عائق أمام الإبداع، لأن الصورة المتحركة هي التحدي وليس الواقع. ما السينما، وبالتالي ما المسلسل الروائي، إذا لم يكن أكثر من الحياة ذاتها، أو كما قال المخرج الفرنسي الراحل جان رانوار ذات مرة: «ليس من بين المخرجين الكبار (وهو ذكر بعضهم) من رغب في صنع فيلم يشابه الواقع»، أو كما ذكر المخرج الفرنسي الآخر فرنسوا تروفو: «يقال إن من يحب الحياة يذهب إلى السينما.. هذا غير صحيح.. إنه العكس تماما: عندما لا تحب الحياة تذهب إلى السينما»؟
الحلقات المشاهدة بدأت بصريا أكثف وأفضل من تلك اللاحقة، لكني قد أكون على خطأ في هذه الحسبة لأني لم أشاهد كل الحلقات (وهذا مستحيل على من عليه مشاهدة كل ما يمكن جمعه من مسلسلات)، لكن الثابت أن المخرجة كاملة أبو ذكرى تحب الأجواء الشعبية. في الحقيقة أفضل فيلم لها هو «ملك وكتابة» ودار في مثل هذه الأجواء. طبعا العمل للتلفزيون له شروطه، وما يستطيع المخرج الموهوب فنيا حصده من وراء كل منهما مختلف.
يبقى «سجن النساء» أفضل صنعا وأعلى أهمية من كثير من المسلسلات المعروضة.. واحد منها عنوانه: «يا من كنت حبيبي» إخراج محمد القفاص (دبي). عنوانه ليس بعيدا عن فيلم حققه الراحل حلمي رفلة سنة 1976 بعنوان: «لا يا من كنت حبيبي». الحبيب الجديد يتحرك وسط تكتل من التكلف في الأداء والحركة والتعبيرات بحيث لم يبق هناك مشهد لا يخلو من هذه البصمة. وإذا لم يكن هذا كافيا، فلديك الموسيقى (ذلك الحيوان الجانح الذي لا يعرف كثر كيف يستخدمونه بفاعلية) التي لا تترك المشاهد يهدأ ويرتاح، بل تريد أن تنغص عليه ما بقي من متعة المشاهدة. إلى ذلك، هي هنا مستخدمة مثل ملابس السهرة: غربية إذا كان أبطال المسلسل يرتدون الجينز، وشرقية إذا ما كانوا يرتدون الزي الوطني.
ثم لا بد من ذكر التالي: هناك برنامج شبيه ببرنامج المقالب السخيف الذي كتبنا عنه سابقا «رامز قرش البحر». هذا عنوانه: «يخت النجوم» التقطته على قناة «العراق واحد» بالصدفة، لكن من فيه يتحدث اللهجة السورية وضيوف الحلقات سوريون. الفكرة ذاتها: استضافة فنان إلى رحلة في عرض البحر ثم تخويفه، فاليخت سيغرق أو الكابتن مريض أو أي شيء مما يمكن له أن يزعزع ثقة الضيف بنفسه وبالعالم ويوتره، قبل أن يضحك الجميع من حوله ويقولون: «كاميرا خفية».
هذه الكاميرا الخفية تشبه من رزق بطفل جميل فحمله وأخذ يرميه عاليا ويتلقاه ويرميه ويتلقاه إلى أن أفلت من يده فجأة فقضى عليه!
اعتذار: في الحلقة المنشورة في الواحد والعشرين من هذا الشهر، ورد اسم عادل عبد العال بوصفه مؤلفا لمسلسل «إمبراطورية مين»، لكن هذا ليس صحيحا؛ بل هفوة غير مقصودة. الكاتب الحقيقي هو السيدة غادة عبد العال.. لذا وجب التنويه والاعتذار من المؤلف.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة