جيمس غارنر رحل وفي جعبته تاريخ حافل على الشاشتين

جيمس غارنر رحل وفي جعبته تاريخ حافل على الشاشتين

مؤيد للحزب الديمقراطي.. رفض لعب دور سياسي جمهوري في مسلسل «فضاء»
الأربعاء - 25 شهر رمضان 1435 هـ - 23 يوليو 2014 مـ
من اليمين: جاك إيلام وجيمس غارنر وجوان هاكيت في فيلم «ساند الشرطة المحلية» أخرجه بيرت كندي سنة 1969
لندن: محمد رُضا
في نهاية فيلم الوسترن «ساند الشرطة المحلية» Support Your Local Sheriff الذي أخرجه بيرت كندي سنة 1969 وقام ببطولته جيمس غارنر، الذي توفي عن 86 سنة في التاسع عشر من هذا الشهر، لقطة لقطار يمشي على سكّة الحديد في البرية. عند باب أحد المقطورات يجلس جيك (جاك إيلام) ينظر إلى الكاميرا المحمولة في طائرة تتابع القطار ويقول: «الآن، فإن الطريقة التي تنتهي بها الحكاية هي أن عميلا يتزوّج من برودي ويصبح حاكم الولاية. لن يهاجر إلى أستراليا، لكنه سيواصل قراءة كتب كثيرة عنها. أنا أصبحت شريف البلدة ثم أكملت بالتحوّل إلى شخصية محبوبة في أفلام الغرب».
العميل الذي يتحدّث عنه هو جيمس غارنر نفسه. ذلك الممثل الذي لعب هنا دور رجل مجهول من قِبل أهل البلدة التي وصل إليها مكررا، لكل من يسأله، إنه في طريقه إلى أستراليا. وبرودي (جوان هاكيت) هي الفتاة المسترجلة التي وقعت في حبّه. أما جاك فهو الرجل الذي لا يجيد استخدام المسدس لكنه يصدّق أن عليه أن يلعب دور المبارز، والفيلم واحد من تلك الأعمال الكوميدية غير القليلة التي قام جيمس غارنر، بتمثيلها ولو أنه عُرف أكثر بأدوار القوّة والبطولة الدرامية على شاشتي السينما والتلفزيون.
وُلد غارنر في السابع من أبريل (نيسان) سنة 1928 في ولاية أوكلاهوما. ترك المدرسة في سن السادسة عشر وانضم إلى المارينز حيث حارب في كوريا وأصيب مرّتين. عندما عاد إلى الولايات المتحدة بنيشانين أقنعه صديق له بتجربة حظّه في التمثيل ووجد نفسه سنة 1954 يقف في عداد مسرحية مقتبسة عن «محاكمة تمرد كاين» The Caine Mutiny Court Martial التي كانت في البداية رواية وضعها هرمان ووك ثم قام بتأليفها مسرحية من فصلين وتحولت إلى فيلم في العام ذاته أخرجه إدوارد ديمتريك وقام بدور البطولة همفري بوغارت وجوزيه فيرير وفان جونسون وفرد ماكموري.
من هذه المسرحية وجد غارنر نفسه أمام تجربة تلفزيونية قصيرة سبقت ظهوره في فيلمين سينمائيين إذ اختاره المخرج ديفيد بتلر لدور في فيلمه الكوميدي «الفتاة التي تركها وراءه» (بطولة تاب هنتر ونتالي وود) وأسند إليه مرفين ليروي دورا ثانويا أيضا في فيلمه الدرامي «صوب المجهول» (بطولة وليام هولدن وفيفيان لي) في العام ذاته.
كلا الفيلمين كانا من إنتاج شركة وورنر التي انتخبته لبطولة الحلقات التلفزيونية «مافيريك»: مقامر ومقاتل من زمن الغرب الأميركي يدخل في كل حلقة مغامرة جديدة في سلسلة استمرت من العام 1957 وانتهت سنة 1962 ثم بدأت بحلقات جديدة سنة 1978 وتم تقديم سلسلة أخرى منها في العام التالي.
طبيعة إنسانية
شغل غارنر في السينما لم يتوقّف لكنه بقي محدود المساحة في معظم ما لعبه من أفلام حتى مطلع الستينات. في عام 1963 كان أحد الوجوه البارزة في فيلم المعسكرات الحربية «الهروب الكبير» لجون ستريجز من بطولة ستيف ماكوين أساسا، لكنه في العام التالي تولى بطولة «أمركة إميلي» The Americanization of Emily أمام جولي أندروز. من هنا هي أدوار بطولة على طول الخط ومن بينها في تلك الفترة «36 ساعة» لجورج سيتون مع إيفا ماري سانت ورود تايلور (1965).
في العام 1966 وضعه المخرج رالف نلسون في بطولة فيلم وسترن عنوانه «مبارزة عند ديابلو» مع سيدني بواتييه و(السويدية) بيبي أندرسون. كان فيلما عنيفا وعدميا على جودته، وهو لم يترك تأثيرا لا على غارنر كممثل درامي ولا عليه ككوميدي فمثّل النوعين وصولا إلى «ساند شريفك المحلي» الذي أتبعه سنة 1971 بفيلم على المنوال ذاته هو «ساند مقاتلك المحلي» الذي نال أيضا نجاحا كبيرا.
غارنر لعب في ذلك الحين بطولة مسلسل وسترن تلفزيوني اسمه نيكولز حول رجل أمن يرفض حل القضايا بقوّة السلاح، لكن المسلسل لم يعش طويلا فتبعه سنة 1974 بمسلسل آخر حقق نجاحا واسعا ولا يزال من بين أكثر مسلسلات التلفزيون المعاد عرضها وهو «ملفات روكفورد»، حيث لعب شخصية التحري الفقير الذي يعيش في سيارة - بيت (هوم موبيل) مركونة عند أحد شواطئ لوس أنجليس. مرّة أخرى ليس رجل عنف على الإطلاق ولو أنه قد يعمد إليه إذا ما اضطر إليه. ما كان سببا أساسيا وراء نجاح الفيلم حقيقة أن غارنر منحه تلك الطبيعة الإنسانية لشخص لا يحاول ابتزاز موكليه بل لديه من المبادئ والقناعات ما يشكل «تيمة» الحلقات ومنوال علاقة الرجل بالمجتمع ككل.
حين سألته على أعتاب فيلم مثّله لجانب كلينت إيستوود بعنوان «كاوبوي الفضاء» Space Cowboys سنة 2000 عما خطط لتلك الشخصية بنفسه أو أنها كُتبت على هذا النحو أساسا قال: «كُتبت كشخصية تحر خاص يواجه المشكلات المعهودة في مثل هذه الحلقات باستثناء أنه ليس البطل التقليدي، بل هو إنسان عادي. لكنني اقترحت تطويع هذه الشخصية على نحو أكثر تواضعا حتى في نوعية المغامرات التي تحتويها. إلى جانب السيارة القديمة وبضع مغامرات إلا أن روكفورد ليس مطلقا البطل الذي في البال حين تتحدّث عن جون واين مثلا أو كلينت..».
خلال المسلسل تعرّض روكفورد إلى الكثير من مشاهد الضرب. على الرغم من أنه كان بالطبع تمثيلا في تمثيل، فإنه عانى من رضوض، وبما أنه كان يصر على القيام بحركات المطاردة أو القفز بنفسه فإن ركبته تعرضت للكسر ذات مرّة:
«بقيت أعالجها لخمس سنوات لما بعد انتهاء المسلسل». في عام 2004 عندما قابلته للمرّة الأخيرة خلال حملة ترويج فيلم عاطفي بعنوان «دفتر الملاحظات» بدا أنه ينأى تحت آلام ما. لم يكن يستطيع أن يقف طويلا بل وجب عليه الجلوس كلما كان ذلك متاحا.
ديمقراطي
جيمس غارنر كان ممثلا رصينا حتى حين يلعب الكوميديا، وهذه الرصانة ساعدته في الوقوف أمام جاك ليمون، وهو كان بدوره ممثلا كوميديا محترفا، وذلك حين التقيا في «يا مواطني الأميركي» My Fellow American سنة 1996 لكن غارنر كان شاسع الموهبة وأحد أفضل أفلامه الكوميدية «فكتور فكتوريا» لبلايك إداوزدز (1982) الذي كان مختلفا عن باقي أعماله. بعد ثلاثة أعوام ظهر في دور رومانسي في فيلم بعنوان «قصة حب ميرفي» لمارتن ريت (1985) الذي جرى تصويره في بلدة صغيرة أسمها فلورنس في ولاية أريزونا. فيه لم يدّع إنه شاب دون الثلاثين بل لعب دوره كابن خمسين سنة يقع في الحب من جديد.
ففي الثمانينات استمع جيمس غارنر إلى رغبة سياسيين ديمقراطيين في ترشيحه لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا، ولو أن ذلك لم يتحقق. وسبب الترشيح عاد إلى شهرة غارنر كمؤيد للحزب الديمقراطي إلى درجة أنه رفض ذات مرّة لعب دور سياسي جمهوري في مسلسل تلفزيوني بعنوان «فضاء» (1985) ما استدعى تغيير الدور إلى سياسي ديمقراطي.
إلى ذلك، عُرف عنه دفاعه عن القضايا الاجتماعية وكان في المسيرة الحاشدة التي انطلقت خلال خطاب مارتن لوثر كينغ الشهير في واشنطن سنة 1963 المعروف بخطاب «لدي حلم».
لجانب ما ذكرته من أفلام وسترن، قام غارنر بتمثيل عدد آخر منها وبنتائج فعّالة. إنه الشريف القاسي المندفع بأجندته الخاصّة في فيلم «ساعة المسدس» والمنتقم الشرس في «رجل يدعى سلدج» كما وجدنا في دور المغامر الذي يدافع عن معاونه الأفرو - أميركي لويس غوزيت في «لعبة البشرة».
توقف عن التمثيل سنة 2006 باستثناء الأداء الصوتي في عدد من أفلام الأنيميشن لكنه كان حقق في سنواته الماضية من المكانة ما يجعله أحد ألمع الوجوه السينمائية من جيل الستينات وما بعد.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة