المصورات الصحافيات... لقطات ترصدها عين نسوية تجسد المعاناة وتخاطب القضايا

استطعن التغلب على التحديات في العالم العربي والوصول إلى العالمية

الجمال الممنوع للمصورة هبة خميس
الجمال الممنوع للمصورة هبة خميس
TT

المصورات الصحافيات... لقطات ترصدها عين نسوية تجسد المعاناة وتخاطب القضايا

الجمال الممنوع للمصورة هبة خميس
الجمال الممنوع للمصورة هبة خميس

تزخز الصحافة العربية بأسماء لامعة لمصورات صحافيات التقطن بعدساتهن أحداث الحروب والمظاهرات، وجسَّدن موضوعات إنسانية نابضة بالحياة. «الشرق الأوسط» حاورت عدداً من المصورات في الوطن العربي من «المملكة العربية السعودية ومصر وفلسطين ولبنان». وبدا أن هناك قواسم مشتركة في تجارب المصورات الصحافيات اللاتي عملن في غرف الأخبار المحلية والعالمية، تمثَّلت في التحدي والمثابرة وحب المغامرة والرغبة في إلقاء الضوء على القضايا التي تجسد معاناة المرأة العربية جراء ويلات الحروب والثورات.

عدسة نجلاء تتحدى حواجز اللغة
من السعودية، تقول المصورة الصحافية، نجلاء خليفة لـ«الشرق الأوسط»: «لدى شغف كبير بالفنون البصرية كالرسم والتصوير والخط العربي، وأهداني والدي كاميرا صغيرة والتي صورت بها مناسباتنا العائلية، ورحلاتنا في الإجازة الصيفية»، مضيفة أن الصورة لغة عالمية تتخطى حواجز المكان والزمان واللغة، ولا تحتاج إلى وسيط بينها وبين المتلقي، وهناك كثير من الصور محفورة في ذاكرة الشعوب مثل صورة «محمد الدرة»... وأهوى تصوير الموضوعات الثقافية كالتراث العمراني والمباني، والتراث الحضاري، والحرف اليدوية، وغيرها من الموضوعات.
وقالت نجلاء: «تكللت مسيرتي بالنجاح بالحصول على 41 جائزة ووساماً في مسابقات عالمية ومحلية، كان آخرها الميدالية الذهبية في مسابقة طوكيو العالمية... وتم تكريمي في كثير من المسابقات مثل، (مسابقة الوطن في عيون الفوتوغرافيات)، و(المهرجان العربي الأوروبي)». مقدمةً نصيحة للفتيات اللاتي يرغبن في احتراف التصوير الفوتوغرافي بكثرة الاطلاع، والالتحاق بالدورات التدريبية وحضور المعارض المختلفة.

إيمان توثق فتنشر لها أعرق الصحف

أما المصورة الصحافية إيمان الدباغ، من السعودية، فتقول: «تكونت ذائقتي الفنية والبصرية منذ تنفيذ مشروع تخرجي في قسم (التصميم الغرافيكي) بإحدى الجامعات في أميركا، ثم بدأت في توثيق حياتي اليومية بالكاميرا، وسافرت إلى مصر لزيارة جدتي وبدأت أنظر إلى العالم المحيط بي بنظرة مختلفة؛ فكنت أصور إيقاع حياة المواطنين في المواصلات والشارع، ثم قمت بتصوير أفراح صديقاتي اللاتي أثنوا عليها، فقررت أن يكون التصوير الفوتوغرافي مهنتي، وعملت لدى كثير من الصحف في كاليفورنيا بين 2006 و2009»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» تعلمت كيفية حكي الموضوعات بطريقة وثائقية عن طريق الكاميرا، فقد عايشت رحلة «نسرين»، وهي بنت فلسطينية سافرت إلى كاليفورنيا لتلقي العلاج، وقد مكثتُ معها في المستشفى لمعايشة حالتها.
إيمان تقول: «عملت في كثير من الصحف، مثل: (لوس أنجليس تايمز)، و(وول ستريت)، و(واشنطن بوست)، و(الغارديان)، و(التايمز)، و(دير شبيغل)... ومن أبرز قصصي المصورة هي القصة التي نشرت لي في (واشنطن بوست) عن مجموعة من النساء السعوديات من خلفيات وثقافات وآراء متعددة... وفزتُ أخيرا بجائزة هي (Arab Fund For Arts and Culture)».

الأحداث تصحب لورا وكاميرتها
في جولة عالمية
المصورة الصحافية الفلسطينية، لورا بوشناق، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «درستُ علوم اجتماعية في الجامعة اللبنانية، ودرست تصويراً بالمراسلة مع (معهد التصوير) بنيويورك، وبعد تخرجي عملت بمهنة التصوير في أحد الاستوديوهات، ولكن روتين العمل اليومي حال دون تحقيق طموحي وقدرتي على التخيل والابتكار فغادرت العمل، وبدأت التدريب مع مصور كان يعمل سابقاً أيام الحرب الأهلية بلبنان مع وكالة الصحافة الفرنسية، وكان يمتلك وكالة خاصة به، ثم عملت كمصورة صحافية لدى مكتب (أسوشييتد برس) في بيروت لمدة عام، ثم عملت ضمن أعضاء الجهاز التحريري لـ(وكالة الصحافة الفرنسية) بمركزهم في نيقوسيا لمدة ثماني سنوات، وعملت في مكتب الوكالة في باريس لمدة عامين، وقمت خلالها بكثير من التغطيات الإخبارية المهمة، كتغطية الحرب في العراق، كذلك الحرب ما بين إسرائيل و(حزب الله) في 2006... وأعمل حالياً مراسلة لدى (نيويورك تايمز)، لأنني أفضل العمل مصورةً حرةً لكي أصور الموضوعات بعمق وأركز على مشاريعي الخاصة».
وحول طبيعة الموضوعات التي تجسدها لورا، ذكرت: «أفضل تجسيد الموضوعات النسائية، وأعمل حالياً على مشروع (المرأة العربية والتعليم) الذي بدأته منذ عام 2009، وخلال هذه الفترة قمت بتغطية 7 دول عربية من أجل إلقاء الضوء على الصعوبات التي تواجه المرأة في تحقيق أحلامها وإكمال دراستها، وهذا المشروع مميز لأن السيدات كتبن بخطهن على الصور، كما جسدت قضية (محمد) وهو لاجئ فلسطيني من مخيم الراشدية، وأصيب بقنبلة عنقودية وفقد رجليه عام 2006، ولم أكتف بتجسيد معاناته، بل أنشأت حملة لجمع التبرعات على أحد مواقع الإنترنت في العام الماضي لجلب أطراف صناعية متطورة له، وخلال 3 أيام قمنا بتجميع مبلغ 26 ألف دولار، حتى تمكَّن (محمد) من السير باستخدام هذه الأطراف وعثر على فرصة عمل مناسبة».
لورا حصلت على كثير من الجوائز من أهمها، منحة مؤسسة «Getty Images» للتمكين الصحافي، والحصول على المركز الأول في جائزة «تيري أونيل» للتصوير الفوتوغرافي في لندن، واختيار إصداراتها «أنا أقرأ... أنا أكتب» للعرض في المتحف البريطاني... كما شاركت في تأسيس مجموعة «راوية» وهي أول مجموعة نسائية للصور في منطقة الشرق الأوسط.
وحول أسباب قلة عدد المصورات الصحافيات في الوطن العربي، أشارت لورا إلى أن الفتيات والسيدات يواجهن معارضة شديدة من الأهل للعمل في هذه المهنة، التي يظنها كثيرون مقتصرة على الرجال فقط، كما أن مهنة التصوير تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، والوجود خارج المنزل لساعات طويلة، فضلاً عن حتمية الحصول على تصاريح من الجهات المسؤولة.

نتالي تصّور معاناة اللاجئات
وتكسر الصور النمطية
أما المصورة الصحافية اللبنانية، نتالي نقاش، لديها 7 سنوات خبرة في التصوير الفوتوغرافي، وترتكز قصصها المصورة على توثيق قضايا المرأة العربية، واللاجئات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بهدف كسر الصور النمطية عن المرأة، وتصحيح صورة العالم العربي في عيون الدول الغربية، وتسليط الضوء على معاناة اللاجئات السوريات اللاتي انقلبت حياتهن رأساً على عقب جراء ويلات الحروب والثورات.
وتقول نتالي لـ«الشرق الأوسط»: «درستُ التصوير الفوتوغرافي في لندن، وخلال دراستي الجامعية حصلت على منحة في (صانداي تايمز)، و(الغارديان)، وبعد تخرجي نشرت أعمالي في كثير من الصحف العالمية مثل، (نيويورك تايمز)، و(لوموند)، و(دير شبيغل)».
ووثقت نتالي أحوال معيشة عدد من اللاجئات، والصعوبات التي يواجهونها، فقد انقلبت حياة مجموعة من الصديقات السوريات (ديانا، ونادية، ودانيلا، وعليا) رأساً على عقب أحداث الحرب، بسبب ويلات الحروب فانتقلت إحداهن إلى المعيشة في دبي، وسافرت الأخرى إلى قطر، والثالثة إلى نيويورك، وأقامت الرابعة في لبنان... وقد أعدت نتالي هذه القصة بالتعاون مع «برنامج التصوير الفوتوغرافي الوثائقي العربي».

لقطات هبة تجسد المعاناة وتخاطب القضايا
ومن مصر، تحدثت المصورة الصحافية هبة خميس، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «تخرجتُ في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 2011، ثم عملت كمصورة لدى كثير من المواقع الإلكترونية مثل (التحرير)، و(محيط)، وعملت مراسلة أيضاً لدى وكالة (أسوشييتد برس)، ووكالة التصوير الأوروبية».
وأضافت: «راودتني فكرة قصة (الجمال الممنوع) التي أهَّلتني للفوز بالمركز الأول في مسابقة (World Press Photo)، وذلك عندما قرأت خبراً في موقع (الإندبندنت)، حول عادة (كيِّ أثداء فتيات الكاميرون) حماية لهن من خطر الاغتصاب والاختطاف، فسافرت إلى الكاميرون ومكثت شهراً لتجسيد معاناة الفتيات اللاتي تعرضن لهذه التجربة القاسية... وتعتبر هذه القصة ضمن مشروع التخرج للنجاح في دبلوم التصوير الفوتوغرافي الذي حصلت عليه من الدنمارك».
هبة تعمل حالياً على تصوير مجموعة من الموضوعات الحساسة والشائكة مثل «المتحولين جنسياً في مصر»، تخطط لتصوير قصة عن «اختطاف العرائس في كردستان العراق».

قصة سماح وروز وحياة
أما المصورة الصحافية المصرية سماح زيدان، فلديها كاميرا تطلق عليها اسم روز، وأخرى اسمها حياة ترافقها أينما ذهبت. وتقول سماح، وهي رئيس قسم التصوير ببوابة مؤسسة «روز اليوسف» الصحافية لـ«الشرق الأوسط»، «بدأت رحلتي مع عالم التصوير بعد تخرجي في كلية الآداب جامعة عين شمس، وعملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية، وواجهتني كثير من الصعوبات والتحديات، منها أنني نجوتُ من الموت بأعجوبة أثناء تغطية أحداث المظاهرات، وتحطمت أيضاً عدسات الكاميرا الخاصة بي، لكن فزتُ العام الماضي بجائزة التميز الصحافي من نقابة الصحافيين لتغطية (قضايا التعليم الفني والتدريب المهني)».


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».