إدارة ترمب تسعى خلف الأضواء إلى خفض تمويل الأمم المتحدة

فرحان حق لـ«الشرق الأوسط»: الدول الأعضاء تقرر مواعيد دفع ما يتوجب عليها... وحقها بالتصويت

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)
TT

إدارة ترمب تسعى خلف الأضواء إلى خفض تمويل الأمم المتحدة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)

تعاملت الأمانة العامة للأمم المتحدة بحذر شديد مع تقارير تفيد بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تسعى خلف الأضواء إلى إيجاد طرق بيروقراطية لعرقلة تدفق الأموال إلى المنظمة الدولية، بعدما أخفقت في محاولاتها لخفض المساعدات عبر الكونغرس.
وأفاد تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بأنه في مطلع يوليو (تموز) الماضي، وجه أحد الموظفين المعينين لدى وزارة الخارجية رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مجلس الأمن القومي يشرح فيها بالتفصيل كيفية إحباط ما ينوي الكونغرس القيام به من أجل تمويل مجموعة برامج مساعدات دولية تابعة للأمم المتحدة على رغم معارضة المحافظين في البيت الأبيض، بما في ذلك مبادرات يستفيد منها اللاجئون الفلسطينيون، فضلاً عن توفير خدمات الصحة الإنجابية للنساء الفقيرات.
ورداً على سؤال من «الشرق الأوسط» في شأن هذه التقارير، اكتفى الناطق باسم الأمم المتحدة فرحان حق: «رأينا هذه التقارير. ولكن يعود إلى الدول الأعضاء أن تقرر ما إذا كانت ستسدد ما يتوجب عيها من مساهمات للأمم المتحدة». وأوضح أنه «عندما تتخلف الدول عن الدفع، تتراكم المتوجبات عليها. وإذا صارت هذه المتوجبات ضعف المبلغ السنوي المحدد لمساهمة أي دولة في الأمم المتحدة، تخسر الدولة المعنية حقها في التصويت داخل الجمعية العامة». وأكد أن «الأمر لم يصل إلى هذا الحد حتى الآن فيما يتعلق بالولايات المتحدة»، علما بأن عليها القيام بواجبات أخرى بصفتها الدولة المضيفة للمنظمة الدولية. وأشار إلى أن التمويل ليس عقبة أمام حقوق الدول المعنية بعضوية مجلس الأمن.
وادعت كاتبة الرسالة، وهي المستشارة الرفيعة في مكتب شؤون المنظمات الدولية لدى وزارة الخارجية ماري ستول، أن إدارة الرئيس ترمب لديها الحرية في التخلي عن تمويل البرامج التي تتعارض مع أولويات البيت الأبيض. واقترحت أن تتمكن الإدارة من استخدام عدد من الوسائل البيروقراطية - مثل فرض متطلبات محاسبية وإعداد تقارير مرهقة - لإنهاء البرامج التي يعارضها البيت الأبيض على رغم أن الكونغرس لا يزال يمولها.
ووفرت الرسالة التي حصلت عليها «فورين بوليسي» لمحة عن جهد أوسع يقوم به البيت الأبيض وموظفوه في وزارة الخارجية للحد من الواردات لبرامج المساعدات الخارجية الأميركية عبر مناورات بيروقراطية، على رغم أن تلك البرامج تحظى بتأييد واسع من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس.
ونقلت المجلة عن مسؤولين مطلعين في وزارة الخارجية ومساعدين في الكونغرس أنه منذ أشهر عدة، انخرط المسؤولون الذين عينهم ترمب في وزارة الخارجية بمعارك شرسة بعيداً عن الأضواء مع الكونغرس حول استخدام هذا التكتيك في شأن تمويل برامج حقوق الإنسان والقضايا الرئيسية المتعلقة بالمرأة في الأمم المتحدة.
وقال مساعد لسيناتور ديمقراطي: «لم يتركوا أحجية إلا وجربوها لخفض التمويل للدبلوماسية والمساعدات الخارجية، لكنهم أخفقوا حتى الآن». وأضاف: «انحدروا إلى محاولة تجزئة استخدامات الأموال». وبحلول المهلة النهائية للسنة المالية، أي 30 سبتمبر (أيلول)، رضخ مسؤولو وزارة الخارجية ووافقوا على التزام توجيهات الكونغرس لتمويل معظم البرامج، لكنهم لا يزالون يخططون لحجب أكثر من 25 مليون دولار من التمويل لبرامج الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في انتهاك لواجبات الولايات المتحدة في معاهدتها مع الأمم المتحدة، وفقاً لما يقوله المسؤولون في وزارة الخارجية والمساعدون في الكونغرس.
وكذلك يحاولون السيطرة على أكثر من عشرة ملايين دولار من التبرعات لبرامج حقوق الإنسان وحقوق المرأة التابعة للأمم المتحدة عبر تقييد طريقة إنفاق هذا المبلغ من قبل الجهات المستفيدة منه. وتشمل الاقتطاعات أكثر من سبعة ملايين دولار من المساهمات في الميزانية العادية للأمم المتحدة لتغطية تكاليف مجلس حقوق الإنسان، وأكثر من 16 مليون دولار للبرامج التي يديرها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي يشرف على التحقيقات المدعومة من الولايات المتحدة في انتهاكات حقوق الإنسان من ميانمار إلى سوريا فكوريا الشمالية. وفي مرحلة ما، ضغط مسؤولو وزارة الخارجية من أجل وقف كل التمويل الأميركي للمفوض السامي لحقوق الإنسان وتخصيصه بدلاً من ذلك لمنظمة الدول الأميركية. لكن مكتب وزير الخارجية مايك بومبيو أوقف هذا التوجه في نهاية المطاف، وفقاً لمسؤولين على دراية بالمداولات الداخلية في وزارة الخارجية.
ورأت «فورين بوليسي» أن المعركة بين وزارة الخارجية والإدارة تعكس الدوامة الناجمة عن وقوف ترمب ضد المؤسسات المتعددة الأطراف، التي بدت جليّة خلال المداولات الرفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، حين أكد ترمب أنه يجري مراجعة رئيسية للمساعدات الأجنبية. وقال إن «الولايات المتحدة هي المانح الأكبر في العالم وبفارق كبير للمساعدات الخارجية»، مضيفاً أنه «بالتحرك إلى الأمام، سنقدم فقط المساعدات الخارجية لأولئك الذين يحترموننا، ولمن هم بصراحة أصدقاؤنا. ونتوقع من الدول الأخرى أن تدفع نصيبها العادل مقابل تكاليف الدفاع عنها».
من ناحية أخرى، ضغطت الإدارة الأميركية طويلاً من أجل إجراء تخفيضات حادة في كل المساعدات الخارجية الأميركية، بما في ذلك أكثر من مليار دولار في برامج الأمم المتحدة لحفظ السلام وبرامج المساعدات الإنسانية. وفي كل مرة، كان الكونغرس يرفض التخفيضات المقترحة بعد مقاومة وانتقاد.
ويعبر مساعدو الكونغرس عن اقتناعهم بأن بعض التخفيضات الجديدة من الإدارة منطقية، فعلى سبيل المثال، تخطط الإدارة لخفض التمويل لمجلس حقوق الإنسان بعدما قررت الولايات المتحدة الانسحاب منه في يونيو (حزيران) الماضي. وبررت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي هذه الخطوة بأن المجلس منحاز ومناوئ لإسرائيل بينما يغض الطرف عن منتهكي حقوق الإنسان المعروفين. لكنهم يعتقدون أن فشل الإدارة في تمويل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان - وهو منفصل عن مجلس حقوق الإنسان - يمكن أن يشكل انتهاكاً لواجب يقع على عاتق الولايات المتحدة بموجب المعاهدة مع الأمم المتحدة.
ونفت الناطقة باسم وزارة الخارجية أن الإدارة تقوم بتجزئة التمويل، واصفة ذلك بأنه «غير دقيق». وأضافت أن الوزارة تشاورت مع الكونغرس في «مناسبات متعددة» وهي «لا تحرف» المبالغ المخصصة من الكونغرس في اتجاه مختلف.
واعتبرت المجلة أن إدارة ترمب تريد أيضاً أن تمارس سيطرة أكبر على طريقة إنفاق الأمم المتحدة للتبرعات الاختيارية من الولايات المتحدة. وعلى سبيل المثال، تسعى واشنطن إلى منع إنفاق سبعة ملايين دولار على برامج المفوضية السامية لتدقيق سجل حقوق الإنسان في إسرائيل أو على وضع لائحة بالشركات التي تعمل في المستوطنات الإسرائيلية.
وعارضت إسرائيل والولايات المتحدة بشدة إنشاء قاعدة بيانات كهذه.
وتعتزم إدارة ترمب تطبيق ما يسمى «سياسة مكسيكو سيتي» على أكثر من 8.5 ملايين دولار مخصصة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهي وكالة متخصصة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، بهدف منع استخدام الأموال من المنظمات التي تدعم خدمات الإجهاض أو المشورة في شأن خيارات الإجهاض. ولكن الأموال ستكون متاحة للبرامج التي تعزز التمكين الاقتصادي للمرأة ومكافحة العنف ضد المرأة وتعزيز دور أكبر للمرأة في حل الصراعات.


مقالات ذات صلة

فرنسا تقترح جهوداً لخفض التصعيد ونزع سلاح «حزب الله» وإنهاء «عزلة» إيران

خاص المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون يتحدث خلال اجتماع مجلس الأمن في نيويورك (رويترز)

فرنسا تقترح جهوداً لخفض التصعيد ونزع سلاح «حزب الله» وإنهاء «عزلة» إيران

اقترحت فرنسا عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون خفض التصعيد الحالي في الحرب الدائرة منذ أكثر من أسبوعين للحيلولة دون «صراع أوسع» في المنطقة.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية نساء إيرانيات يمشين أمام لوحة تحمل صور المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين خلال مسيرة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

قالت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، إنها تساعد بعض المهاجرين الذين هم في أوضاع صعبة على مغادرة إيران في ظلّ الحرب بعد تلقيها طلبات مساعدة من مئات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث إلى الصحافة بعد اجتماعه مع الرئيس اللبناني في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من بيروت... غوتيريش يناشد «حزب الله» وإسرائيل «وقف الحرب»

حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «حزب الله» وإسرائيل على وقف إطلاق النار، معتبراً أن زمن المجموعات المسلحة «ولّى»، وذلك بُعيد وصوله إلى بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.