فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

في رسائله إلى أخيه كما في لوحاته الفريدة

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ
TT

فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ

الذين يرون أن السيرة الحقيقية للكتّاب والفنانين تتمثل في نصوصهم وأعمالهم، ليسوا مخطئين تماماً. لا بل إن مدارس عديدة في النقد الحديث قد ذهبت إلى الفصل الكامل بين التاريخ الشخصي للفنان، وبين نتاجه الإبداعي الذي يؤرخ لحياة صاحبه، وفق صيرورته الذاتية ومنطقه الخاص. إلا أن هذه الفرضية التي وُضعت لحماية الأعمال الأدبية والفنية من الإسقاطات الأخلاقية والسياسية والشخصية المسبقة، لا تتعارض مع رغبتنا الملحة في التعرف على الحيوات الخاصة لأولئك الذين يتوارون خلف مواهبهم الفائرة، والذين رفعتهم عطاءاتهم إلى مصاف الأسطورة. ولعل الوجه الأمتع لفنون السيرة والرسائل والقص لا يتصل بفتنة السرد وحدها، بل بإزاحة الستار عما هو غامض وأسطوري في حياة الكتّاب، وتمكيننا من تعقب تفاصيل عيشهم، والوقوف على المشترك الإنساني الذي يجمعنا بهم، ورؤيتهم سافرين من أي قناع. فنحن حين نقرأ اعترافات روسو ورامبرانت، وسير كازانتزاكيس وبونويل ورينوار ودالي وماركيز ونيرودا وغيرهم، نشعر أنهم باتوا أقرب إلينا مما كنا نتصور، كما نحاول العثور على الخيوط التي تربط الحياة بالفن من جهة، وتكشف عن الوجه القاتم للعبقرية من جهة أخرى.
لربما شكلت رسائل فان غوخ إلى أخيه تيو أحد أفضل ما قدمه لنا فن الرسائل على امتداد التاريخ من متعة أدبية وثراء معرفي وتعبير مؤثر عن شقاء الإنسان المبدع، وهو يواجه المرض والعوز والوحدة القاتلة. وإن المرء ليحار حقاً في قدرة الفنان الهولندي الأشهر على أن يكتب خلال عقد من الزمن المئات من الرسائل المؤثرة التي يقع معظمها في باب الأدب الخالص، بموازاة الآلاف من اللوحات المتنوعة والقيمة التي أنجزها في أواخر حياته. وإذا كان ثمة من دلالة ما يمكن للقارئ استخلاصها لدى قراءة هذا السفْر الضخم من النصوص الموزعة بين البوح الشخصي والسيرة والشكوى والنقد الفني، فهو أن فان غوخ المريض والفقير والمتوحد لم يكن يرى في الرسم وحده ما يعيد إليه توازنه المختل وينقذه من عزلته المتمادية، بل كان يحتاج إلى وسيلة إضافية يستطيع من خلالها أن يرفع الصوت في وجه عصره، كما في وجه قدره القاسي، وكانت هذه الوسيلة هي الكتابة. ولأنه كفنان لم يقدّر في عصره تمام التقدير، ولم تأخذ لوحاته طريقها إلى البيع أو الرواج، فقد وجد في كتابة الرسائل ما يُشعره أن ثمة في هذا العالم الخاوي من يكشف له سريرته ويبوح له بمكنوناته. ولم يكن هناك من أحد ليتفهمه ويصغي إلى آلامه سوى أخيه تيو، الذي يصغره بأربع سنوات. ذلك أن أباه تيودوروس، وهو الكاهن الذي يعظ في الأرياف، والذي نجح أحياناً في دفعه إلى تبني الخيار ذاته، كان يمثل كل ما هو تقليدي ومحافظ ومجافٍ لروح التمرد والمغامرة. ولم تكن أمه بقادرة على تسوية وضعه مع أبيه، وهي الأقرب إلى عقلية زوجها ومفاهيمه الأخلاقية والدينية. لهذا لم يكن غريباً أن يكتب، وقد رُفض من الجميع: «هناك نفورٌ من احتوائي في البيت مماثل للنفور من احتواء كلب أشعث كبير، سيقتحم الحجرات بأرجله الموحلة». ولهذا بدا تيو بمثابة خشبة الخلاص الوحيدة التي ظهرت للأخ الأكبر وهو يصارع الأمواج العاتية للظلم والعزلة والتصدع العقلي.
ولعل الصلة غير السوية بالأب قد عمقت ذلك الجرح النفسي الذي ظل يتسع أكثر فأكثر في داخل الابن المتقاذَف أبداً بين القيم الدينية ونقيضها، بين الامتثال والمعصية، وبين المروق وتأنيب الضمير. وهو ما يعبر عنه فنسنت في إحدى رسائله إلى تيو بالقول: «إن أبي لا يعرف الندم كما تعرفه أنت. كل ما هو من بني الإنسان يؤمن أبي باستقامته الشخصية. فيما أنا وأنت وكل البشرية مسكونون بالشعور بأننا نتكون من الأخطاء والمحاولات اليائسة».
لم يكن غريباً أن تحتل رسائل فان غوخ إلى تيو أكثر من تسعين في المائة من مساحة رسائله، فيما توزعت النسبة القليلة الباقية بين أمه وشقيقتيه وزوجة أخيه وبعض الرسامين وتجار الفن. فتعلقه بأخيه لم يكن بسبب تلقيه مساعداته المالية فحسب، بل بسبب ذلك الجرح النفسي الغائر في أعماقه، والمتأتي من كون أبويه قد استعارا له اسم أخيه الأكبر الذي لم يمهله الموت أكثر من عام واحد، بما جعل فان غوخ يشعر وكأن حياته ليست سوى ضرب من ضروب الصدفة، أو أنه يعيش بالنيابة عن أخيه الراحل. وهو الشعور ذاته الذي طارد بعده بعقود فنان إسبانيا الشهير سلفادور دالي، الذي حمل هو الآخر اسم أخ له غدر به الموت، قبل أن يكمل السادسة من عمره.
والحقيقة أن العلاقة بين الأخوين تكاد من غير زاوية تكون فريدة من نوعها، حيث تنقلب معها الأدوار ليلعب الأخ الأصغر الدور المحوري في العلاقة، بحكم كونه موظفاً متميزاً في مؤسسة فنية وخبيراً في التسويق، وبحكم كونه معيل أخيه الوحيد ومرشده وحائط مبكاه. ولأن الرسائل، التي ترجمها ياسر عبد اللطيف ومحمد مجدي تحت عنوان «المخلص دوماً فنسنت»، لا تتضمن أياً من ردود تيو على شكاوى أخيه وتطلباته المستمرة، فهي تجعل من الأخ الأصغر حالة سديمية مبهمة، أو تحوله إلى متكأ ومخلص وحائط مبكى، لا أكثر. كأن تيو كما تُظهره الرسائل لم يوجد في الأصل إلا ليخرج أخاه من عتمة اليأس إلى عتبة الخلق الإبداعي. وهو بالتالي نقيض لصورة الأخ القاتل أو الغيور التي يمثلها كلٌّ من قابيل وإخوة يوسف. ومع أن صاحب لوحة «عباد الشمس» يُظهر في بعض رسائله نوعاً من الإشفاق على أخيه، ويخاطبه قائلاً: «لن أرغب في الازدهار إذا كانت النتيجة أن تذبل أنت. لن أرغب في تطوير ما هو فني بداخلي إذا كان يتوجب عليك أن تقمع من أجلي ما هو فني فيك»، إلا أن انهياراته المادية والعصبية كانت أقوى من مثل هذه المشاعر، تماماً كما هو حال المشرف على الغرق الذي تدفعه غريزة البقاء إلى التضحية، ولو دون قصد، بحياة من يهرع لإنقاذه من الهلاك.
يعرض فان غوخ في رسائله إلى تيو كلَّ ما يدور في ذهنه من هواجس، وما يعترض حياته من صعاب. على أن أياً من الرسائل المتنوعة لا تخلو من الإشارة إلى المبلغ النقدي الذي اعتاد الفنان المفلس على تسلمه من أخيه بشكل دوري.
كما تكشف الرسائل عما يتفشى في عالم الفن من أمراض التجارة والجشع وإخضاع الفن لمنطق الربح المجرد وقواعد العرض والطلب. ومع أن مسرح النصوص كان موزعاً بين عواصم ومدن مختلفة مثل أمستردام ولاهاي ولندن وباريس، إلا أن عشقه للطبيعة والأرياف، حيث يتحول الفضاء الشاسع أمامه إلى وليمة بصرية متنوعة الأضواء والظلال، كان أعمق من أي عشق آخر.
ورغم أن باريس بجمالها وعراقتها كانت قبلة الكتاب والفنانين في عصره، فهو لم ير فيها سوى مقبرة واسعة، كما يعبر في إحدى رسائله. وهي وفق تعبيره مؤلفة من شقق باردة لا من بيوت دافئة للسكنى.
أما ولعه بالضوء وتدرجاته الباهرة فكان السبب الأهم الذي دفعه في السنوات التي سبقت انتحاره إلى الإقامة في الجنوب الفرنسي، حيث تقدم الطبيعة تحت شمس مكتملة الوهج أجمل لوحاتها وعروضها اللونية.
وإذا كان فان غوخ قد التقى مع الانطباعيين في غير زاوية ومنظور، إلا أنه ذهب أبعد في استنفاره للحواس وفي المراهنة على كل ما تختزنه أعصابه من طاقة. وهذه السمة بالذات هي التي جمعته بنيتشه ذي النزوع الغرائزي الديونيزي، وهي التي دفعته إلى التعلق المرضي بغوغان، ذي النزعة البدائية الوحشية. وذلك ما عناه في قوله «ينبغي للمرء أن يحتفظ بشيء من الطبيعة الأصلية لروبنسون كروزو أو الهمجي، وعليه ألّا يجعل اللهب في روحه يذوي أبداً».
وإذا كان فان غوخ قد رأى في الرسم والكتابة شكلاً من أشكال الرد على أمراضه وصدوع نفسه، فقد رأى في المرأة والحب التعويض الملائم عن خيباته الحياتية وعن شعوره الممض بالعزلة والتوحد.
على أنه لم يحصل بالمقابل على العلاقة الثابتة والسوية التي توفر له الطمأنينة والاكتفاء. فلا قريبته التي شغف بها اكترثت بما أصابه من حروق وهو يضع يده في لهب المصباح كبرهان معمد بالألم على حبه لها، ولا العاهرة المتشردة التي شاطرها وابنها الإقامة في المسكن إياه كفّت عن مطارحة الرجال الغرام، كما سبق ووعدته، ولا استطاعت أذنه المقطوعة التي أرسلها هدية إلى إحدى معشوقاته أن تعدّل من مشاعرها نحوه. وما ضاعف من وساوسه القهرية هو فشله الموازي في الحفاظ على صداقته مع غوغان، الذي اضطر إلى هجره نهائياً بعد أن بلغ به مزاجه العنيف حد مهاجمته بالسكين في إحدى المواجهات الحادة بين الصديقين اللدودين. لقد حز في نفسه من جهة أخرى ألا تجد لوحاته الرواج الذي تستحق عند المتعاطين بتجارة اللوحات، وأن يعجز بالتالي عن الرد على كرم أخيه بالمثل كما ظل دائماً يكرر على مسامعه.
وحيث كانت آلام داء الصرع تتضاعف داخل رأسه كان سكان آرل في الريف الفرنسي يطالبون السلطات بالحجر عليه وإيداعه إحدى المصحات، بحيث بدا انتحاره بمثابة التتويج الطبيعي لجلجلة عذاباته. ومع إن فان غوخ لم يُظهر خلال كتاباته النقدية أي تعاطف مع شعر بودلير فقد بدا الاثنان وجهين لشقاء واحد وعبقرية مثخنة بالآلام. ولعل جان بول سارتر يترجم واقع الأول ويصيبه في صميمه، حين كتب عن الثاني «لمّا لم يكن قد نجح في أن يرى نفسه، فسوف ينقب في ذاته على الأقل كما ينقّب السكين في الجرح، آملاً أن يصل إلى العزلات الأعمق التي تشكل طبيعته الحقيقية».



باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.