كتب «الشعوذة» صناعة شعبية

قراءتها على الشبكة تفوق «أولاد حارتنا» بمائة ألف مرة

كتب «الشعوذة» صناعة شعبية
TT

كتب «الشعوذة» صناعة شعبية

كتب «الشعوذة» صناعة شعبية

في لحظة تسكع بين الكتب المتاحة على شبكة الإنترنت، تعثرت أصابعي على كتاب «السحر العجيب في جلب الحبيب» لمؤلفه عبد الفتاح سيد الطوخي، وهو طويل الباع في هذا المجال بعناوين أخرى مثل «تسخير الشياطين في وصال العاشقين».
وقادني الفضول لمقارنة عدد النتائج المتاحة عن كتاب السحر مع نتائج البحث عن «أولاد حارتنا» أكثر الروايات العربية إثارة للجدل. وجدت أن الفارق يقترب من المائة ألف نتيجة زيادة لصالح كتاب الشعوذة. هذا طبيعي؛ فالرواية العربية أحدث عمراً وأقل جمهوراً من كتب الشعوذة. تراثنا زاخر بهذا الضرب من التأليف. كتب بكاملها مخصصة لهذا الغرض، كما أن كتب الإيروتيكية تتعهد الصيَّاد من لحظة إعداد الفخ ولا تتركه إلا بعد تأمين وضعه بفصل ختامي عن الأطعمة المحفزة.
باستثناء مطلب الخاصة «جلب السلطة أو التنبؤ بمساراتها» فإن «جلب الحبيب» هو مطلب العامة، وهذه صناعة شعبية يتكسب منها الدجالون والمشعوذون على مر الزمان، رغم المثل الشعبي «كل شيء عند العطار إلا حبني غصب».
ولم يكن لألعاب قلة من المشعوذين أن تهزم المثل الذي تردده الكثرة من الناس إلا بفضل الكتاب والكتابة؛ فحتى الدجال الممارس، الذي لا يؤلف الكتب يستند في سحره إلى كتاب في حوزته، لا يمكن أن يصل إليه العامة من طالبي خدماته.
ورغم أنني لم أعرف في محيطي من استفاد أو استفادت من الطلاسم تحت المخدات أو المشروبات والمأكولات والمشمومات الغريبة المدسوسة على الحبيب، فإنني أعرف من نجح معه سحر كتب الأدب والفكر في جلب الحبيب. وهذه إحدى وظائف القراءة المسكوت عنها!
في غياب سيارة فخمة لها مفعول السحر، وفي غياب القدرة على المرح أو قلة المهارات الرياضية تصبح القراءة شارة وعلامة يُقدِّم بها صياد الحب نفسه، وتكون المكتبة مكاناً مجانياً للحب يفضله من لا يجرأون على دعوة الحبيب إلى السينما أو المطعم لقلة في المال أو قلة في الشجاعة.
هناك دائماً مؤلفون رائجون يُفضِّلهم المراهقون وشباب المدارس والجامعات كفخاخ للحب. كتبهم تنوب عن طالب الحب الخجول في إيصال الرسائل إلى الحبيب المستهدف.
سنتغاضى عن كتب «رسائل الحب» الأكثر بدائية وشعبية التي تتضمن رسائل تناسب كل الحالات والظروف، ويستطيع قارئها أو قارئتها أن يتخير/تتخير الرسالة الملائمة وينسخها للحبيب.
هناك رسائل للبدايات، وأخرى للعتاب، وثالثة للتهنئة بنجاح، ورابعة للوداع. هناك رسالة إلى الحبيب المتغرب في معركة الذل مع الحياة أو الصامد على جبهة القتال «في معركة الفخار ضد الأعداء».
الرسائل الأكثر مجازاً والأكثر إقناعاً تغفو هناك، في دواوين الشعر والروايات التي يلتقي الحبيب برسالتها عرضاً بين سطور كتاب؛ فتغنيه عن مخاطرة دس رسالة بخط يده بين الصفحات.
على زمن دراستي كانت دواوين نزار قباني وفاروق جويدة وروايات إحسان عبد القدوس تقوم بالمهمة على أكمل وجه بالنسبة للغالبية الكاسحة من العشاق. على مسافة من هؤلاء ينصب خاصة الخاصة من العشاق فخاخهم بكتب لم يخطر على بال مؤلفيها أن تكون مصيدة للحبيب!
هكذا، أتصور أن محمد عابد الجابري قد مات دون أن يسعد بأن كتابه «بنية العقل العربي» كان مصيدة لقلب فتاة ذات يوم، لكن أمل دنقل عرف مفعول «لا تصالح» قبل رحيله المبكر المؤسف. وفي هذا الصدد فإن رواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر قامت بدور مرسال الحب في طبعاتها العربية قبل أن تثير معركة كراهية بين الأصوليين والنظام في مصر عندما أتيحت في طبعة شعبية مصرية.
المفكر المغربي والروائي السوري كانا بعيدين عن القاهرة؛ فكانت ثمار كتابيهما تسقط في سلال القراء فحسب؛ بينما كانت ثمار قصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل موزعة بين القراء والشاعر الجالس في مقهى ريش بالمدينة ذاتها. ولا بد من التنويه بالميزة الخاصة لنزار قباني، فهو شاعر العامة والخاصة إلى اليوم بقصائد العشق وقصائد جلد الذات المهزومة.
بالنسبة للمجلات كانت «صباح الخير» المصرية صاحبة شعار (للقلوب الشابة والعقول المتحررة) مطلب عموم العشاق، بينما كانت «اليوم السابع» التي تصدر من باريس مطلب الخاصة، بما تحمل من مراسلات محمود درويش وسميح القاسم، ومحاورات المفكر المشرقي حسن حنفي والمغربي محمد عابد الجابري ومقالات إبراهيم العريس في السينما.
المسافة بين أهل العشق ومحترفي الفكر والسياسة من المؤلفين هي ذات المسافة بين زبائنهما من العشَّاق.
الذين يتكئون على رسائل الحب المشفرة ذكوراً وإناثاً يقرأون كتبهم الصغيرة الحجم غالباً قبل أن يعيروها للمرشح حبيباً. وهم مهندمون رومانسيون يخشون الغرق، فيصطادون في المياه الضحلة التي يكثر فيها الرزق من الأسماك الصغيرة.
صيادو المياه العميقة يختلفون من حيث المظهر؛ فهم ذكور دائماً، يحملون على كواهلهم مشاكل الأمة التي تجعلهم في غفلة عن مظهرهم. يتأبطون دائماً كتبهم الضخمة، والضخامة ليست مشكلة؛ فليس شرطاً أن يقرأوها. من المستحب أن تكون هذه الكتب لمؤلفين غير مصريين، وهذا جزء من السحر؛ فالمعجزة لا تكون مقنعة إلا من غريب، كما أن تأبط محمد عابد الجابري يبدو، ضمنياً، رداً على اتهام بالشوفينية معلق على رقاب المصريين كتّاباً وقراءً.
ومن الضروري لصياد الأعماق استكمال سحره بمظهر المستغني أو المشغول عن الحب، وفي مظهر الاستغناء ذاك إحكام لفخ لا تعلق فيه سوى السمكات الأسطورية.
صورة المثقف الفقير أو على الأقل غير المكترث بالمظاهر هي مطلب الفتاة الغنية الجميلة التي تكتشف الحياة في الجامعة للمرة الأولى. تعلق تلك السمكات بالفخ بسهولة وتستميت في التمسك به حتى النهاية، لأن سحر الكتب الثقيلة لا يبطل بالسهولة التي ينكشف بها سحر نزار وإحسان. الكثير من علاقات الصيد في المياه العميقة انتهت إلى زيجات مؤلمة.
واليوم؟
لم يعان صيادو المياه الضحلة في يوم من الأيام، وهم بخير اليوم أكثر من أي وقت؛ يتبادلون الجديد وهو كثير، ويعيدون تدوير القديم، لكن قلبي مع صيادي المياه العميقة؛ ليس لأن العرب كفوا عن التفكير؛ بل لأن المرحلة لا تسمح للمفكر بأن يكون نجماً يتأبط الشباب كتبه.



إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر عن اتخاذ إجراءات لحماية الأطفال والنشء من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي.

وأصدر المجلس والجهاز قراراً مشتركاً يُلزم منصات التواصل الاجتماعي باتخاذ الإجراءات التي من شأنها تعزيز حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية، في ضوء حرص الدولة المصرية على توفير بيئة رقمية آمنة لأطفالها ونشئها، وحمايتهم من المحتوى والممارسات التي قد تمثل مخاطر على سلامتهم النفسية والاجتماعية والرقمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقهم في الاستفادة الآمنة والمسؤولة من التكنولوجيا، وفق بيان مشترك أصدراه الجمعة.

ويستهدف القرار حماية الأطفال والنشء دون سن الخامسة عشرة، من خلال تقسيم الفئات العمرية إلى فئتين رئيسيتين، وتشمل الفئة الأولى، الأطفال دون سن الثالثة عشرة عاماً، حيث تلتزم المنصات بعدم إنشاء أو تفعيل أو إتاحة حسابات شخصية مستقلة للأطفال المنتمين لهذه الفئة. أما الفئة الثانية، فهي خاصة بالأطفال من سن 13 إلى أقل من 15 عاماً، حيث يجوز للمنصات إتاحة الحسابات للمستخدمين لهذه الفئة، مع تفعيل نمط الاستخدام الآمن (Safe Mode) بصورة تلقائية وإلزامية، وألا يكون من الممكن للطفل تعطيله بصورة منفردة طوال فترة وجوده ضمن هذه الفئة العمرية.

وشدّد البيان على ضرورة أن «تلتزم المنصات باتخاذ وسائل فعالة ومتناسبة للتحقق من العمر ومنع التحايل على الحد العمري والالتزام بمبادئ حماية البيانات الشخصية وتقليل البيانات التي يتم جمعها لأغراض التحقق».

ويشمل القرار «مراجعة الحسابات القائمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق أوضاع الحسابات التي يثبت أو يرجح، وفق آليات موثوقة، أنها تخص مستخدمين دون الخامسة عشرة، مع توفير آلية واضحة للتظلم وتصحيح العمر في حالات الخطأ».

وقال رئيس المجلس الأعلى للإعلام، خالد عبد العزيز، إن حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية أصبحت مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع والمنصات الرقمية. وأضاف في البيان أن «الهدف من الإجراءات الجديدة لا يتمثل في حرمان الأطفال من التكنولوجيا أو عزلهم عن التطور الرقمي، وإنما ضمان أن يكون استخدامهم لهذه التكنولوجيا في إطار آمن ومسؤول يتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على التعامل مع المخاطر الرقمية».

وأوضح أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يولي أهمية خاصة بحماية الأطفال من المحتوى الضار، ومن صور الاستغلال والتنمر والتحرش والابتزاز وغيرها من المخاطر التي قد يتعرضون لها عبر المنصات الرقمية.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقرارات جديدة لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية (فيسبوك)

وأشار الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، محمد شمروخ، إلى أن القرار الجديد يعتمد على مبدأ الحماية المتناسبة مع العمر والمخاطر، بحيث لا يتم التعامل مع جميع المستخدمين من خلال نموذج واحد، وإنما يتم تطبيق مستويات حماية مختلفة، وفقاً للفئة العمرية وطبيعة المخاطر المرتبطة باستخدام المنصة.

وأكد أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي منظومة متكاملة تتطلب تعاون الدولة والمنصات الرقمية وأولياء الأمور والمجتمع، مع استمرار التطوير الفني والتنظيمي لمواكبة التغير السريع في طبيعة المخاطر الرقمية.

الدولة تستطيع تنظيم المنصات وفرض أدوات حماية، لكن من الصعب عملياً ضمان منع الطفل من الوصول إلى كل محتوى ضار في بيئة رقمية مفتوحة.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلامي الرقمي، محمد فتحي، أن «الدولة لديها أدوات مهمة مثل التشريعات، وإلزام المنصات بإعدادات أمان، وآليات التحقق من العمر، وحجب محتوى أو تطبيقات بعينها، والتعاون مع شركات التكنولوجيا، ومصر لديها بالفعل خدمات من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مثل (اطمِّن) و(اطمِّن على الآخر) للمساعدة في الحد من وصول الأطفال إلى المحتوى غير الملائم وإدارة استخدامهم للإنترنت، لكن المنع الكامل شبه مستحيل تقنياً واجتماعياً؛ فالطفل قد يستخدم حساباً آخر، أو جهازاً مختلفاً، أو يصل إلى المحتوى من خلال منصات متعددة، لذلك فالأكثر واقعية هو الانتقال من فكرة (منع الطفل من الإنترنت) إلى (إنترنت أكثر أماناً للطفل)، عبر مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنصات والأسرة والمدرسة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «التحرك الحالي بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يتجه بالفعل إلى إلزام منصات التواصل بإجراءات لتعزيز حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية».

وألزم القرار الصادر منصات التواصل الاجتماعي بتوفيق أوضاعها وتنفيذ المتطلبات الواردة خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر من تاريخ العمل بالقرار، على أن تقدم خلال 30 يوماً من تاريخ نشره وإخطارهم به خطة تنفيذية وجدولاً زمنياً يوضحان الإجراءات الفنية والتشغيلية اللازمة للامتثال.

ووفق صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي، فإن «القرارات التنظيمية مثل القرار المشترك بين الأعلى للإعلام وجهاز الاتصالات خطوة تأسيسية مهمة، لأنها تضع خطوطاً حمراء تلزم المنصات بالتطوير». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن هذه الإجراءات غير كافية، لأن الطفل نفسه يمكنه التحايل عليها، كما أن خوارزميات المنصات مصممة لزيادة وقت البقاء بصرف النظر عن المخاطر».

وتؤكد إيمان أن «حماية الأطفال والنشء في الفضاء الرقمي لم تعد خياراً أو رفاهية، ولكنها أمر أساسي يتطلب جهوداً متداخلة ومتوافقة بين الذكاء الاصطناعي والتشريعات ودور الأسرة». ولفتت إلى أن «الطريقة المثلى والآمنة تعتمد على مبدأ الحماية المناسبة للسن والتدرج الرقمي والنمط الآمن لتصفية المحتوى من أي شيء ضار، ومنع التتبع الإعلاني وتقييد الرسائل من الغرباء».


سفينة تمتص ثاني أكسيد الكربون... كشف تفاصيل عن تابوت ملك النرويج الراحل

تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
TT

سفينة تمتص ثاني أكسيد الكربون... كشف تفاصيل عن تابوت ملك النرويج الراحل

تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

كشف القصر الملكي النرويجي، الجمعة، تفاصيل عن تابوت الملك هارالد الخامس الذي توفّي في الثامن والعشرين من أغسطس (آب) والذي يرقد في نعش مصنوع من صخرة على شكل سفينة قادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون (CO₂).

وأقيمت مراسم جنازة العاهل النرويجي الذي فارق الحياة عن 89 عاماً في التاسع من سبتمبر (أيلول) في أوسلو، لكن لم ترشح أيّ معلومات عن مثواه الأخير.

وصُنع التابوت المقسّم إلى قسمين والموضوع في الضريح الملكي في قلعة أكرشوس من معدن الأوليفين (الزبرجد الزيتوني) وهي صخرة زيتونية اللون تعود إلى نحو 400 مليون سنة من غرب النرويج، بحسب ما كشف القصر الملكي في بيان.

وأشار البيان الذي نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن «حجر الأوليفين الزيتوني قادر على امتصاص وتثبيت ثاني أكسيد الكربون، وهي ميزة لجأ إليها مصمّمو التابوت كرمز إلى حرص الملك هارالد والملكة صونيا على الطبيعة والأجيال المقبلة».

ويتّخذ التابوت الزيتوني اللون شكل سفينة قاعها مستدير، ما يرمز إلى شغف هارالد بالبحر والمعالم القديمة لا سيّما تلك التابعة لحقبة الفايكينغ.

وكان الملك هارالد قد قال مازحاً بشأن تابوته خلال تصميمه «آمل أن يكون مريحاً... لأن الإقامة ستدوم بعض الوقت».

وقد وضع النعش الذي بلغت كلفته 20 مليون كرونة نرويجية (نحو 2.12 مليون دولار) إلى جانب تابوت الملك هاكون السابع جدّ هارالد ومؤسس السلالة الملكية الحالية وزوجته مود، وذلك العائد لوالده الملك أولاف الخامس ووالدته مارتا.


«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
TT

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام». كل عام يكتسب المهرجان «المواظب»، الذي لا تدحره حرب ولا تقلل من عزيمته مخاوف، مزيداً من الشجاعة والنضج، والقدرة على إقناع جمهوره والممولين أنه ضرورة جميلة. فثماره لا تتوقف عند العروض التي تستمر لأيام بالمجان، بل إن ورش العمل واللقاءات بين المنتجين والفنانين التي ينظمها، وكذلك الشبكات التي يعمل عليها، تؤتي أكلها طوال العام، ليس بالنسبة للبنانيين فحسب، بل لسينمائيات عرب أيضاً، وهو ما ذكّرت به في كلمة الافتتاح المخرجة الشابة فاطمة شحادة.

هوية بصرية

من كل المناطق اللبنانية جاء الحضور، ومن دول عدة، منها سوريا ولبنان ومصر والأردن، للمشاركة الفاعلة. الافتتاح الاحتفالي في مركز «بيت الفن» التراثي المعمار في الميناء، بدا مناسباً للعنوان الذي تحته انعقدت هذه الدورة: «التراث الحديث». ثم جاءت الهوية البصرية للمهرجان محاولة جعل السنين المائة الماضية وحدة ثقافية تحكي قصة المدينة، وأحلامها، ونضال أبنائها. عروض الأفلام من تاريخ 18، أي يوم الافتتاح، إلى 23 من الشهر الحالي، تحاول الإجابة على سؤال الأمكنة، الذي يتعقد بسبب جولات عنف متوالية، تعصف بمدن في المنطقة ودول وشعوب بأكملها.

سؤال الهوية العمرانية الذي يطرحه المهرجان في طرابلس، العاصمة اللبنانية الثانية، له ما يبرره. الأماكن الثلاثة التي تم اختيارها للإضاءة عليها، هي اليوم تحت اختبار وإعادة إحياء جادة، تحتاج دعماً لها وتشجيعاً. على أحد بوسترات المهرجان «معرض رشيد كرامي»، الهائل المساحة الفريد البنيان الذي صممه العبقري البرازيلي أوسكار نيماير، يعاد العمل عليه لترميمه بعد أن صنّفته اليونسكو على لائحة التراث العالمي. بوستر آخر يصور محطة القطار التي أهملت وأوقفت منذ الحرب الأهلية، ويتم العمل بعد عشرات السنوات من النسيان على إعادة تشغيلها لربط لبنان بسوريا. والبوستر الثالث لـ«قصر نوفل» القائم في وسط المدينة ببنيانه الأنيق وحديقته التي تحولت إلى منتزه عام، ويبقى شاهداً على أناقة المعمار الطرابلسي المنفتح على المدارس الفنية، وهو في الوقت الحالي مركز ثقافي ومكتبة عامة.

رمزية قوية لزمن ذهبي

عن كل هذا تحدثت مروة ملقي في بداية الاحتفال، مذكرة بما للمهرجان من دور إيجابي على المدينة وشبابها. ومن ثم كانت كلمة المديرة التنفيذية للمهرجان ميرنا البني، التي حيّت بكلمتها المدينة التي ضمّت إلى أحضانها في القرن الماضي عشرات دور السينما الناشطة التي لعبت دوراً حيوياً، وخصّت بالذكر سينما «كولورادو». هذه الدار التي لعبت دوراً مشهوداً بفضل تضافر جهود 3 شخصيات. بناها الدكتور الجراح وهيب نيني، وصمم معمارها المهندس جورج دوماني، وجاء المخرج جورج نصر بفيلمه الذي نال جائزة مهرجان كان، ليعرضها فيلمه الفائز إلى «أين فيها؟».

رمزية قوية لزمن ذهبي في مدينة السينمات طرابلس، حيث أقيم لسينما «كولورادو» في باحة «بيت الفن» تجهيز، نرى فيه اثنين من مقاعد الصالة الرئيسية، يمكن للزوار أن يجلسوا عليهما وينظروا إلى فتحة مقابلة، هي الشاشة التي كان ينظر إليها الجمهور. وأمام التجهيز شباك التذاكر، وتذكير بالشخصيات الثلاث على يسار المقعدين الأخضرين.

المكرم الصامت

ومن جميل تقاليد هذا المهرجان تكريم إحدى الشخصيات السينمائية. هذه السنة جاء الخيار موفقاً أيضاً. إذ تم تكريم ابن المدينة الذي لعب دوراً كبيراً، وبقي متخفياً وراء تواضعه الجمّ. بكلمة مؤثرة تحدث مؤسس المهرجان وصاحب الفضل الأول والكبير في استمراره إلياس خلاط، عن دور المكرم الصامت في المساعدة أثناء التأسيس الأول للمهرجان، والدفع به إلى الأمام.

إذن، جميل أن تذهب جائزة إنجاز الحياة لهذا العام إلى المسرحي والسينمائي والكاتب والمعلم جان رطل، مستحقاً لها عن عقود من الإبداع في مجالات مختلفة، منها أيضاً النقد وإنتاج الأفلام الوثائقية التي عنيت بالذاكرة، وتحديداً تلك الزوايا التي نادراً ما تنبه لها الآخرون.

جان رطل مكرماً بجائزة إنجاز الحياة (المهرجان)

فيلم الافتتاح

واختتم الافتتاح باختيار موفق، لعرض شريط بقدر بساطته يكمن عمقه. وهو الفيلم المصري «ولنا في الخيال... حب» للمخرجة المصرية سارة رزيق.

هو حكاية حب مستمرة منذ 10 سنوات، بين الشاب نوح (عمر رزيق) ووردة (مايان السيد) زميلته على مقاعد الدراسة في معهد السينما. العلاقة تصطدم باكتشاف نوح أن أستاذهما الجامعي الدكتور يوسف مراد (أحمد السعدني)، الآتي حديثاً من ألمانيا، يسكن مقابله وأن له ابنة جميلة تستمع إلى الموسيقى ويراها باستمرار جالسة مقابل شباكه.

مشهد من فيلم الافتتاح «ولنا في الخيال... حب»

حسّه الفني، حبه للصور الفوتوغرافية التي يحاول أن يلتقطها للفتاة من نافذته، أحلامه المجنونة، وهو الراقص المتمرس، كل ذلك يجعل خياله يجنح نحوها ويترك وردة. تتداخل قصة حبهما المكسورة، بحياة الأستاذ الذي نكتشف أنه لا ابنة له ولا عائلة، وهو يسكن وحيداً، وما يراه نوح مجرد تمثال أخرس. في الفيلم، تتداخل قصة الأستاذ المعذب الذي ماتت زوجته، والطالبين الهائمين ضياعاً وعشقاً وشكاً، ونرى إلى أي حد يمكن للوهم أن يذهب بالإنسان إلى أماكن لم يكن يتصورها، خاصة حين يكون في لحظات ضعف، وما أكثرها!

تستمر عروض الأفلام للجمهور بالمجان حتى 23 من الشهر الحالي، وتعلن في اليوم الأخير أسماء الأفلام الفائزة في المسابقة، حيث يتنافس 43 فيلماً من مختلف الفئات الطويلة والتحريك والقصيرة والوثائقية. وهناك لجنتا تحكيم؛ إحداهما للأفلام الطويلة، وتضم نادين خان (مصر)، جورج شقير (لبنان)، طلال الجردي (لبنان)، وعن الأفلام القصيرة؛ أدريانا راكاسان (رومانيا)، راشيل عون (لبنان)، سارة عطا الله (لبنان).

المهرجان يشارك في تمويله الاتحاد الأوروبي، الذي حضرت حفل الافتتاح عنه سارة دومونيني، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية، ومثلها في المهرجان مديرها العام الدكتور علي الصمد.