الخطف ينشط في البقاع وضغوط على العائلات لعدم تقديم دعاوى

TT

الخطف ينشط في البقاع وضغوط على العائلات لعدم تقديم دعاوى

تشير «الدولية للمعلومات» إلى أنه منذ بداية عام 2011 وحتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، شهد لبنان 25 عملية خطف للمطالبة بفدية مالية، تم في معظم الأحيان تخفيضها، وفي أحيان نادرة جداً تم إطلاق المخطوف من دون دفع أي فدية نتيجة الضغوط والتدخلات الحزبية والسياسية؛ ما يشير بوضوح إلى معرفة الجهات الخاطفة المحددة بالأسماء والمناطق، ويثير الكثير من الاستغراب حول امتناع أو عدم تمكن القوى الأمنية من توقيفها وسوقها أمام القضاء، والاكتفاء بتوقيف بعض العناصر المنفذة الصغيرة، بينما تبقى الرؤوس الكبيرة خارج الملاحقة، والأمر «الإيجابي» في جميع عمليات الخطف أنه لم يتم قتل المخطوف.
ويذكر أحد فعاليات الهرمل أن «من يخطف معروف بالاسم. وهو غالباً ما يحصل على الفدية والأجهزة الأمنية لا تفعل شيئا».ً ويروي أنه تم خطف رجل أعمال كبير في العمر في شتورا، أحد المتهمين بالخطف من قريتي. حضر مسؤول من الشرطة القضائية وتحدث إلي. كان متحمساً. وصف العمل بالإجرامي مصراً على تنفيذ العدالة. نصحته بأن يتروى لأن اللعبة أكبر منه. والهدف من إرساله هو تحريك المفاوضات لتحديد الفدية، ليتم الاتفاق، فيندفع أهل المخطوف. ويبقى الخاطف حراً. وهذا ما حصل».
مايا الشل عاشت تجربة خطف والدها الطبيب صالح الشل قبل عامين. والطبيب يملك مزرعة في تلال عمشكي المطلة على مدينة بعلبك، حيث يهتم بالأشجار ويعمل على سقايتها. وكان بعد الانتهاء من مرضاه يذهب إلى المزرعة ويعمل في الأرض، ويعود مساء إلى المنزل.
تروي مايا تفاصيل الخطف لـ«الشرق الأوسط»، فتقول «والدي كان يذهب إلى المزرعة ويعود منها في وقت محدد. لكنه تأخر ذات يوم، حاولنا محادثته. كان هاتفه مقفلاً. اتصلت بالناطور في المزرعة، فأجاب بأن والدي غادر في شاحنته الصغيرة مسرعاً باتجاه قرية الطيبة جنوباً، أي أنه غيّر طريقه ولم يتوجه إلى طريق المنزل. تعجبت لأن والدي لا يسرع وعلمت أن شيئاً ما غير سليم. انتظرنا 24 ساعة لتقديم بلاغ احتفاء».
تتابع مايا «اليوم التالي، تأكدنا من أن والدي تعرض إلى عملية خطف، توافد الأهالي للاطمئنان ومواكبة ما يجري معنا. أحد الأقرباء قال إن والدي مخطوف، مضيفاً أن لديه علاقات تسمح له بمتابعة القضية لمساعدتنا.
بالتزامن وخلال فترة قصيرة بدأنا نسمع إشاعات بأن والدي ضد (حزب الله) وأنه يطبب (دواعش) وأنه منهم، وأنه خطف لهذا السبب. وقال لنا القريب، المهم ألا يكون قد نقل إلى سوريا، حينها لا حول ولا قوة. كثرت الإشاعات، وترافقت مع تحرك شعبي قوي في بعلبك، وحملة مداهمات لرفع العتب في المنطقة».
في اليوم الرابع للاختطاف وُجدت شاحنة الطبيب محروقة. تقول مايا «أخذنا القريب إلى حيث السيارة ليلاً من دون وجود أي من القوى الأمنية في المكان. لم تظهر أي مؤشرات للسرقة، بدأنا نميل أكثر لكون الحادثة خطفاً وفدية. ثم اصطحبنا القريب إلى منزل مشبوه في قرية الطيبة. هناك أخبرنا صاحبه بأن والدنا بخير، وبأن علينا أن نطمئن ونهدأ. ثم اعتمد أسلوباً مبطناً من الضغط والتخويف بأن من خطفه يريد قتله. كان يحضّرنا نفسياً للقبول بدفع الفدية. وكان قلقنا فظيعاً؛ لذا عندما علمنا أنه مخطوف لقاء فدية شعرنا ببعض الراحة وترافقت الحادثة».

سؤال غير نظيف

وكان القريب قد سأل العائلة عن سندات تمليك الأراضي التي يملكها الطبيب المخطوف. تقول مايا «بدأت أشك بأمره، وتكرس الشك بعد أن أخذنا إلى المنزل المرتبط بالخاطفين، فأخبرت أبناء عمي بأنه شخص غير نظيف. طلبوا إلي أن أتروى لأن الهم الأساسي هو عودة والدي.
التطور الثاني حصل عندما أبلغنا هذا القريب بأن الخاطفين يطلبون 70 ألف دولار مقابل إطلاق سراح والدي، ولا يرضون بأن يخفضوا الفدية قرشاً واحداً، وأن حياة والدي معرّضة للخطر كل لحظة.
بنتيجة المشاورات مع العائلة قررنا أن ندفع الفدية، فتسلمها القريب، الذي حملها برفقة ابن عمي إلى مكان التسليم. دخل القريب المكان، وأبقى ابن عمي خارجاً ينتظر.
بالفعل بعد ذلك أطلق سراح والدي. تركوه قرب محطة وقود عند أحد مداخل بعلبك. بعد ذلك لامتنا الأجهزة الأمنية، وتحديداً فرع المعلومات؛ لأننا تصرفنا بهذا الشكل، مع أن أحداً لم يقدم لنا ما يساعدنا لمعرفة مصير والدي.
وللتوضيح، الطريق التي خطف عليها والدي مراقبة من «حزب الله». وفي حين زارنا مسؤولون من حركة أمل وقدموا دعمهم المعنوي، إلا أن أحداً من مسؤولي الحزب في المنطقة لم يزرنا لا قبل إطلاق سراح والدي ولا بعده. ولدى سؤال الأجهزة الأمنية لهم عن حادثة الخطف قالوا إنهم لم يرصدوا أي سيارة.
وروى والدي لنا بعد إطلاق سراحه أن الخاطفين، وهما اثنان، هاجماه من الخلف وهو يتوجه إلى سيارته، أحدهما كان يحمل سكيناً، حاولا الإطباق عليه، لكنه قاومهما رغم أنه يبلغ 72 عاماً، حينها أطلق أحدهما النار بين قدميه، فاستسلم، عصبّا عينيه. وسمع أحدهما يقول للآخر، اتصل بفلان، ذاكراً اسم القريب. طلبوا في بداية الأمر 500 ألف دولار، قال لهم ليس لدي إلا الأرض، هنا تذكرت سؤال القريب عن السندات.
والمفارقة أن والدي اتفق مع الخاطفَين في نهاية المفاوضات على دفع 50 ألف دولار؛ ما يعني أن القريب اختلس 20 ألف دولار من شركائه في الخطف، إضافة إلى حصته.
بعد عودة والدي سليماً وتجميع المعلومات تماماً كما تجمع قطع البازل، قررنا رفع دعوى قضائية، وذهبنا إلى دائرة التحري في المنطقة. المسؤول هناك أخضعنا لمحاضرة عن دور المقاومة، معلناً بفخر أنه منتسب إليها. وذلك عندما قلنا له إن مكان الخطف خاضع لمراقبة «حزب الله».
جراء موقفه هذا، قصدنا فرع المعلومات لنقدم الشكوى، وروينا ما جرى لنا في دائرة التحري مع رفضنا أن تدخل السياسة على قضية الخطف. لم يعجبني الأمر؛ إذ بدا أن تضاربا واضحاً بين فرع المعلومات ودائرة التحري. لكن بنتيجة تقديم والدي إفادته، تم توقيف القريب. هنا بدأت الضغوط من العائلة، البعض قال إنه تلقى تهديدات سينفذها المهددان إن نحن واصلنا الدعوى، وبعضهم الآخر تحدث عن عواقب الاستمرار بالدعوى على العائلة كلها ونحن مسلمون سنة في محيط شيعي، وفي أجواء ارتفاع منسوب اتهامات للسنة بالتعاطف مع «داعش» في المنطقة.



«بريكست» بريطانيا... الحمى أقل زخماً

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)
نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)
TT

«بريكست» بريطانيا... الحمى أقل زخماً

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)
نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

خلال السنوات الـ8 التي مرت منذ التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016، كُتبت ملايين الكلمات عن آثاره. وحتى يومنا هذا، لا تزال قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تقسم البريطانيين.

في المملكة المتحدة، هيمن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على النقاش السياسي لسنوات، سيما بين عامي 2016 و2019. وبدا الأمر وكأن الملحمة لا نهاية لها. كنت نائباً في البرلمان ووزيراً في الحكومة البريطانية طوال ذلك الوقت. وأعلم كم من الوقت استهلك الجدل الذي يبدو بلا نهاية.

لكن الساحة السياسية في المملكة المتحدة اليوم أصبحت أقل زخماً بحمى البريكست. واستقر النقاش الآن على شواغل أطول أجلاً: كيف يمكننا تنمية الاقتصاد؟ وكيف يمكننا التعامل مع مستويات الهجرة المرتفعة للغاية؟ وكيف يمكن للمملكة المتحدة أن ترسم طريقها في الساحة الدولية؟

وزير الخزانة البريطاني السابق كوازي كوارتنغ (غيتي)

في الأثناء، وفي أوروبا نفسها، هناك مشاكل ملحة لا علاقة لها بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والمشاكل التي تواجهها أوروبا تماثل بشكل ملحوظ مشاكل بريطانيا.

يُنظر إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على اعتبار أنه عمل غريب وضرب من الجنون من جانب البريطانيين، في الوقت الذي أصبحت فيه القوى الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا أكثر تركيزاً على الداخل وأكثر تفتتاً من الناحية السياسية.

كان سقوط حكومة ميشال بارنييه بفرنسا، في بداية ديسمبر (كانون الأول)، مثالاً على مشكلة أوروبية لا علاقة لها بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. جاء رحيل بارنييه، بعد 3 أشهر فقط، بعد وقت قصير من انهيار الائتلاف في ألمانيا، الذي دفع باتجاه إجراء انتخابات مبكرة في فبراير (شباط) 2025، بدل الموعد الذي توقعه الجميع في سبتمبر (أيلول).

في بريطانيا، بطبيعة الحال، حصلنا على نصيبنا العادل من الانتخابات المبكرة. كان قرار ريشي سوناك بإجراء الانتخابات في يوليو (تموز) 2024 أحدث دعوة لإجراء انتخابات مبكرة، بعد الانتخابات المبكرة الناجحة التي أجراها بوريس جونسون عام 2019، وانتخابات تيريزا ماي المبكرة الكارثية عام 2017.

تظهر كل هذه الانتخابات المبكرة كيف أن الخروج البريطاني استشرف عصراً يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين والفوضى. لا شك أن الأمور أصبحت أقل قابلية للتنبؤ بها بعد خروج بريطانيا، برغم أن المؤرخين سوف يتناقشون بلا أدنى شك حول ما إذا كان خروج بريطانيا أحد أبرز أعراض عصر الاضطرابات، أو بالأحرى أحد تداعياتها.

يشير نجاح دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية عام 2016 إلى أن الخروج البريطاني، الذي سبق انتخابات ترمب، كان جزءاً من مجموعة أوسع من المتغيرات.

كانت القضايا التي أدت إلى بريكست؛ بما فيها ركود النمو الاقتصادي والهجرة الجماعية وفقدان الهوية بالنسبة للعديد من الناس في الغرب، هي القضايا نفسها التي ساهمت إلى حد كبير في انتصارات ترمب الانتخابية في عامي 2016 و2024.

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

في بداية عام 2025، يواجه الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مشاكل تراجع النمو وارتفاع الهجرة نفسها. وتكمن خلف هذه الأسئلة القضايا المتعلقة بسياسات الهوية، والسياسات المثيرة للانقسام والمتعلقة بالعرق والجنس.

ويُقال إن الهوس المتصور بسياسات الهوية كان سبباً في إلحاق ضرر هائل بالديمقراطيين، كما بدا واضحاً في أحد الإعلانات الانتخابية الجمهورية، الذي يقول: «كامالا من أجلهم، والرئيس ترمب من أجلكم!».

هذه الرسالة المؤثرة بكل فعالية ألمحت إلى أن الديمقراطيين صاروا منغمسين في قضايا مثل حقوق المتحولين جنسياً، والاستخدام الصحيح للضمائر الشخصية، فضلاً عن مجموعة كاملة من النقاشات «المقبولة سياسياً» التي لم تكن على الإطلاق بين اهتمامات غالبية الأميركيين.

في أوروبا، هناك أيضاً مسألة الطاقة الرخيصة. وإلى أي مدى يتعيّن على الناس العاديين أن يدفعوا مقابل «التحول في الطاقة» لتصفير الكربون في اقتصاد بلدانهم عبر التخلي عن الوقود الأحفوري؟ لم تسبق أي قارة أوروبا في جهود «تصفير الكربون» أو الترويج للتخفيف من استخدام الوقود الأحفوري. ومع ذلك، لم تشهد أي قارة صعوداً أقوى للشعبوية اليمينية من أوروبا. فالشعبوية اليمينية عموماً ليست صديقة لـ«التحول الطاقي» والطاقة الخضراء.

من الواضح أن كل هذه المشاكل تتجاوز قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تبدو أضيق وأكثر محدودية؛ إذ تنحسر أكثر في الزمن الماضي.

لكن بالنسبة لعشاق الاتحاد الأوروبي، فهناك شعور بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان بمثابة خسارة لكل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهم يزعمون أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي كان بوسعهما التعامل مع هذه القضايا بشكل أكثر فاعلية.

غير أن الحقيقة الواقعية تشير إلى خلاف ذلك. فمن المرجح ألا يختلف الوضع الراهن من عدم اليقين والخلافات السياسية إذا ظلت المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حد ذاته لم يتسبب في الوعكة التي يعيشها الآن كل بلدان الغرب.

*وزير الخزانة البريطاني السابق