نتنياهو يستنجد بواشنطن للتهدئة مع موسكو

TT

نتنياهو يستنجد بواشنطن للتهدئة مع موسكو

رغم القناعات السائدة في إسرائيل بأن حادثة سقوط الطائرة الروسية في اللاذقية تسببت في أزمة كبيرة بين موسكو وتل أبيب، تعتبر ذات بعد استراتيجي، خرج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أمس بتصريحات تخفف من وطأة الأزمة.
وعقد نتنياهو اجتماعاً طارئاً للمجلس الوزاري الأمني المصغر في حكومته للبحث في هذه الأزمة. وطلب من وزرائه أن يصمتوا تماماً في الموضوع ولا يتفوهوا بكلمة، وترك الموضوع لمعالجته الشخصية. في حين قالت مصادر سياسية مقربة منه، إنه وبعد مكالمتين مع الرئيس فلاديمير بوتين ولقاء مطول في وزارة الدفاع الروسية لقائد سلاح الطيران الإسرائيلي، فإن الأزمة تتفاقم؛ ولذلك فإن إسرائيل لجأت إلى الإدارة الأميركية للتدخل.
وقال مقرب من نتنياهو، إن موضوع هذه الأزمة سيكون أول وأهم الموضوعات التي سيطرحها على طاولة لقائه مع الرئيس دونالد ترمب، الذي سيعقد اليوم (الأربعاء)، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وقد أدلى نتنياهو بتصريحات، على سلم الطائرة المتجهة إلى نيويورك، بعد ظهر أمس، تجنب فيها التطرق مباشرة لإعلان روسيا عزمها إمداد دمشق بمنظومات الدفاع الجوي المتطورة «إس - 300»، خلال الأسبوعين المقبلين، لكنه قال «سنفعل ما هو ضروري لحماية أمننا ومصالحنا، وسنتخذ كل التدابير اللازمة لمنع التمركز العسكري الإيراني في سوريا. جيشنا سيواصل عملياته في سوريا. وسنواصل التنسيق الأمني بين الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي».
ثم أكد على «مواصلة التنسيق الأمني مع القوات الروسية»، وكشف عن أنه اتفق مع بوتين على أن تجتمع طواقم من كبار ضباط الجيشين الروسي والإسرائيلي قريباً جداً. وأضاف «إسرائيل حققت خلال السنوات الثلاث الماضية نجاحاً كبيراً جداً في إجهاض التموضع العسكري الإيراني في سوريا وفي إحباط المحاولات لتحويل أسلحة فتاكة إلى (حزب الله) في لبنان، ولا يوجد سبب يمنعها من الاستمرار في ذلك».
وأشار نتنياهو إلى حادثة الطائرة، فقال «لقد كان هناك تنسيق أمني كبير وناجح مع الروس طول الوقت. لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك أحداث استثنائية، لكن بشكل عام حققنا نجاحاً كبيراً جداً». وأوضح أنه «منذ وقوع الأحداث المأسوية في سماء سوريا، تحدثت مرتين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعبرت عن حزني العميق على فقدان حياة أفراد طاقم الطائرة الروسية التي أسقطت بنيران سورية غير مسؤولة».
وقد أصدر «الكابينيت» الإسرائيلي بياناً في ختام اجتماعه، أمس، على غير العادة، جاء فيه أن الوزراء الأعضاء «يشاركون أيضاً في الحزن العميق» على العائلات الروسية المنكوبة إثر سقوط طائرة «إيليوشن - 20» في سوريا ومقتل 15 عسكرياً روسياً كانوا على متنها. وأن «الكابينيت»، يوعز للجيش الإسرائيلي، بمواصلة العمل ضد ما أسماه «المحاولات الإيرانية للتموضع في سوريا».
لكن، وعلى الرغم من تصريحات نتنياهو، أجمع المحللون العسكريون في الصحف الإسرائيلية الصادرة الثلاثاء، على أن الأزمة بين إسرائيل وروسيا «خطيرة وعميقة»، خصوصاً بعدما تم تحميل إسرائيل المسؤولية عن إسقاط الطائرة بعد القرار الروسي إغلاق المجال الجوي السوري، وبخاصة في منطقة الساحل، حيث نفذت إسرائيل غارتها الأخيرة قرب اللاذقية وإعلان روسيا نيتها تزويد سوريا بصواريخ «إس - 300» المضادة للطائرات المتطورة.
وكتب المحلل العسكري في صحيفة «معريب»، طال ليف رام، أن «الأزمة مع الروس خطيرة وعميقة»، و«يتوقع أن يكون هناك تأثير كبير لنصب بطاريات إس - 300 على عمليات سلاح الجو وعلى المجال الجوي في المنطقة. ومسألة حرية العمل التي تمنحها روسيا لإسرائيل هي أمر حاسم. شئنا أم أبينا، فإن إسرائيل متعلقة بروسيا بهذا الخصوص. وروسيا هي دولة عظمى عالمية وإسرائيل ليست كذلك، رغم أننا نميل إلى نسيان ذلك أحياناً. ويبرز هذا الأمر خصوصاً مقابل ضعف الولايات المتحدة في المنطقة. ورغم أهمية الدعم الأميركي لإسرائيل ضد الفلسطينيين، لكن أهمية الولايات المتحدة كانت دائماً بقدرتها على توفير دعم لإسرائيل ضد دول عظمى أخرى. ويبرز جداً في الحدث الحالي عدم قيام الأميركيين بأي عمل».
ورأى المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، أن نصب صواريخ «إس - 300» في روسيا يعني أن أي طائرة إسرائيلية تحلق في وسط إسرائيل على ارتفاع عشرة آلاف قدم «ستكون مهددة عملياً». ولفت إلى أن روسيا زودت دولاً أخرى بصواريخ كهذه، وبينها إيران وأذربيجان. ولفت أيضاً إلى أن قوات إسرائيلية عملت في تفعيل منظومة «إس - 300» إلى جانب جنود في دول اشترت هذه المنظومة. لذلك؛ فإن الجيش الإسرائيلي مستعد ومنذ سنوات لمجابهة هذه الصواريخ، ولكن طريقة عمل سلاح الجو الإسرائيلي ضد أهداف في عمق الأراضي السورية ستكون معقدة أكثر».
وأكد فيشمان، أن «مشكلة إسرائيل مقابل هذه الخطوة الروسية ليست عسكرية وإنما سياسية. فالتحديات في المستوى العسكري هي تكنولوجية وتكتيكية، وفي هذا الملعب إسرائيل جيدة بشكل لا يقل عن الروس. بل إن تدمير أهداف بشكل دقيق في الأراضي السورية يمكن تنفيذه بواسطة منظومة صواريخ وقذائف صاروخية من بعيد. إلا أنه في مقابل ذلك، لا توجد لإسرائيل في الملعب السياسي إجابة جيدة على الشرخ الحاصل مقابل الروس. وقد تفقد إسرائيل أداة استراتيجية مهمة لمكانتها في الشرق الأوسط، وهي العلاقات مع الروس التي سمحت لها بحرية العمل في سوريا حتى الآن. وهذه العلاقات، التي بنيت وتمت صيانتها طوال السنوات الثلاث الأخيرة تلقت ضربة الآن. ولم يتضح بعد حجم الضرر. والروس لا يريدون، حتى الآن، التحدث مع إسرائيل حول مستقبل العلاقات».
وكتب المحلل العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم» يوآف ليمور، أن «إسقاط الطائرة الروسية، قبل أسبوع، كان حدثاً تكتيكياً، ووجدت إسرائيل نفسها الآن في أوج أزمة استراتيجية يمكن أن تؤثر على مستقبل الجبهة الشمالية. وهجمة الرسائل الروسية في الأيام الأخيرة لا تُبقي مكاناً للشك حتى لدى المتشائمين في إسرائيل، الذين اعتقدوا أن الحديث عن خطأ سيعبر سريعاً. ووزير الدفاع الروسي شويغو لا يعمل في فراغ، فهو إحدى الشخصيات المحبوبة في روسيا، وخطواته منسقة بالكامل مع الرئيس بوتين».
ورأى ليمور أن أكثر ما يثير القلق ليس نصب صواريخ «إس - 300»، وإنما يجب أن يكون تجاه «التصريح غير المفسر بسدّ موجات البث اللاسلكي بحيث تقيّد الطائرات المهاجمة من منطقة البحر المتوسط. وسلاح الجو الإسرائيلي يستند إلى تقنيات متطورة، والأسلحة التي يطلقها، وبخاصة في هذه الهجمات، دقيقة وتعتمد على GPS. وليس واضحاً ما الذي يخطط له الروس، ومدى صمود الأجهزة الإسرائيلية – الأميركية أمامهم، لكن هذا تهديد يجب أخذه بالحسبان ليس فقط لأنه سيدخل روسيا وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة، وإنما لأنه ينطوي على احتمال تشكيل خطر على حياة الطيارين الإسرائيليين وتشويش أجهزة وإفشال عمليات هجومية».
من جانبه، هاجم المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وكتب أن «نتنياهو غير قادر على جعل هذه المشكلة (مع الروس) تختفي». ورأى أنه «يبدو حتى الآن أن الخطوات الروسية ستكون بتقييد كبير لحرية العمل الإسرائيلية في سماء سوريا».
ولفت هرئيل إلى أن الطيران الحربي الإسرائيلي تدرب على مواجهة صواريخ «إس - 300» التي باعتها روسيا إلى قبرص وصواريخ كهذه موجودة بحوزة اليونان أيضاً. «وعلى الأرجح أن سلاح الجو قادر على إيجاد أساليب عمل تقلص الخطر من هذه المنظومة».



«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
TT

«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)

بدأت الجماعة الحوثية استنفارها الأمني وإعداد خطة استخباراتية لمواجهة احتفالات اليمنيين بذكرى «ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962»، قبل موعدها بنحو شهر، سعياً إلى منع تحول هذه المناسبة فرصةً للتخلص من سلطتها والتعبير عن رفض ممارساتها ونفوذها، وذلك بالتزامن مع التصعيد والمواجهات العسكرية مع الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة بدأت حملات الاعتقالات وتشديد الرقابة، التي تستهدف التجمعات والأنشطة واللقاءات الاجتماعية، ووضع قيود عليها، وتشديد الرقابة على أي أنشطة اجتماعية خارج نطاق إدارتها، إلى جانب فرض حالة تشبه منع التجول في الأوقات المتأخرة من الليل في كل الشوارع والأحياء والحارات.

ووفق المصادر، فقد اعتقلت شرطة الجماعة، خلال الأيام القليلة الماضية، مئات الشبان المتجمعين في سهرات ليلية بمختلف مناطق العاصمة المختطفة صنعاء، واقتادتهم إلى الأقسام ومقار الاحتجاز، حيث جرى التحقيق معهم بسرعة وإطلاق سراح غالبيتهم بعد إلزامهم التوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع.

وشملت هذه الإجراءات المشردين الذين طاردتهم عناصر الجماعة لإبعادهم عن مراكز الازدحام والأسواق، وكذلك شملت المتسولين الذين مُنعوا من الخروج خلال ساعات الليل.

اليمنيون يعدّون الاحتفال بذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» إحدى وسائل مواجهة الحوثيين (غيتي)

وقال سكان في السنينة، وهو حي مزدحم غرب صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة نشرت عدداً كبيراً من الدوريات والعناصر الراجلة للعمل خلال ساعات الليل وملاحقة واعتقال الشباب والأطفال الذين يتجمعون في الأحياء والحارات لقضاء أوقاتهم في مضغ نبتة القات أو اللعب، وإجبارهم على العودة المبكرة إلى المنازل.

وأضافوا أن الباعة المتجولين مُنعوا من العمل أو الوجود في المناطق المزدحمة منذ المغيب، ودُفعوا إلى الانتقال لداخل الحارات.

وتستعد الجماعة لإغراق المجال العام بشعارات وفعاليات احتفالية بذكرى «21 سبتمبر 2014» وهو يوم سيطرتها على صنعاء، ضمن ما يرى فيه اليمنيون مساعيَ حثيثة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وطمس الهوية الوطنية المرتبطة بـ«ثورة 26 سبتمبر 1962» التي أطاحت أسلاف الجماعة ونظامهم الإمامي.

إجراءات مبكرة

وفق المصادر، فقد لجأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة للحوثيين إلى إعداد خطة تتضمن إجراءات مشددة لمنع حدوث احتفالات شعبية في أي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعة، وحظر أي دعوة لأي تجمعات في الميادين والساحات العامة، والرقابة الصارمة على وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل مع أي دعوة أو إعلان عن الاحتفالات الجماعية.

الحوثيون يعتزمون تكثيف تجمعات أنصارهم للتغطية على احتفالات اليمنيين بـ«ثورة سبتمبر 1962» (رويترز)

وكشفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن الخطة تتضمن إجراءات استباقية للحد من مظاهر الاحتفالات الشعبية بذكرى الثورة، كالرقابة على بيع الأعلام والزينات، وإلزام التجار والباعة عدم البيع إلا بأعداد محدودة، والإبلاغ عن أي طلبات لكميات كبيرة والكشف عن هوية أصحابها.

وتعتزم الجماعة تكثيف احتفالاتها بذكرى انقلابها على الدولة والتوافق السياسي، وزيادة فعاليات التجمعات المؤيدة للتصعيد العسكري والبحري، وتبني خطاب يربط جميع الاحتفالات والتجمعات بذكرى «الثورة والانقلاب معاً»، إلى جانب مؤازرة العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية ومناطق سيطرتها.

ويعدّ اليمنيون الاحتفالات الحوثية بذكرى الثورة مجرد ادعاء؛ لأنهم يرون في فكر الجماعة وممارساتها نقيضاً كاملاً لمبادئ «ثورة 26 سبتمبر» والنظام الجمهوري الذي نشأ منها. فالثورة قامت في عام 1962 لإطاحة نظام الحكم الإمامي الذي يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم امتداداً فكرياً وسلالياً يسعى إلى إعادته بصيغة جديدة.

«ثورة 26 سبتمبر 1962» تمثل إلهاماً لليمنيين يضاعف مخاوف الحوثيين (إكس - أرشيفية)

وتتضمن الخطة نشر الشائعات عن احتمالية استهداف واختراق التجمعات الشعبية ووقوع أعمال عنف مما يهدد بسقوط ضحايا، ضمن مزاعم الجماعة بوجود نيات لاستهدافها من أعداء خارجيين.

خوف من الذاكرة

تعتمد الخطة الأمنية على توجيه الدعوات المباشرة، وبرسائل ورقية توزع في كل الأحياء، للسكان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية التي تنظمها الجماعة بهذه المناسبة وربطها باحتفالاتها بذكرى سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، مع التحذير من الاستجابة لدعوات تصدر من أفراد أو جهات لا تتبع الجماعة للاحتفال بذكرى الثورة منفردة.

كما تتضمن الخطة تكثيف حملات الاعتقالات، ليس فقط ضد من يدعون إلى الاحتفال، بل وتوسيع الحملات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات بغرض ترهيب السكان، وتوسيع محاكمة المعتقلين الحاليين، وزيادة المساحات الإعلامية المخصصة لتغطية هذه الإجراءات.

وشدّد معدو الخطة الحوثية على ضرورة تعزيز الرقابة المفروضة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب السياسية، لا سيما قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر الشعبي»، ومنع أي فعاليات أو لقاءات حزبية إلا بموافقة من الجهات الأمنية وتحت إشرافها.

الاستنفار الأمني الحوثي يزداد كل عام مع اقتراب ذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» (أ.ف.ب)

ومن المقرر، طبقاً للخطة، أن تُصدر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي بيانات وخطابات تستهدف الدعوات الشعبية إلى الاحتفال، وتُشرعن إجراءات القمع والاعتقالات بالتحذير مما تسميها «مخططات مدفوعة من الخارج» تهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار» و«شق الجبهة الداخلية».

وتنوي سلطات الجماعة فرض رقابة صارمة على قطاع التعليم والدوائر الحكومية، ومنع المدارس والجامعات من تنظيم أي فعاليات أو إذاعات مدرسية تحتفي بالثورة دون إشراف مباشر منها.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا الاستنفار الحوثي غير المسبوق يعكس «فوبيا» حقيقية لدى قيادة الجماعة من أي تحرك شعبي عفوي خارج عن سيطرتها.

ولم يعد «سبتمبر» مجرد ذكرى تاريخية بالنسبة إلى اليمنيين، بل تحول إلى أداة مقاومة مدنية وأسلوب احتجاج سلمي للتعبير عن الضيق من تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، والقبضة الأمنية الخانقة في مناطق سيطرة الجماعة.


حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)

تتجه حضرموت إلى دخول الاستحقاقات السياسية المقبلة برؤية تتجاوز المطالب الخدمية والتنموية، وتضع شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة في قلب مشاركتها في أي تسوية يمنية، إذ أقر المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الفيدرالية خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، مؤكداً أن المحافظة طرف أصيل في المعادلة الوطنية، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُحدَّد من دون مشاركة أبنائها.

ويأتي ذلك بينما تُستكمَل الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، في مسعى لإنتاج رؤية سياسية موحدة لمستقبل الجنوب ضمن مسار الحل الشامل في اليمن. وتمنح المواقف الحضرمية الجديدة المحافظة ورقة تفاوضية مبكرة، خصوصاً مع إصرارها على أن تكون مشاركتها في الحوار بوصفها طرفاً حضرمياً مستقلاً، لا مجرد امتداد لمكونات جنوبية أخرى.

وفي ختام أعماله بمدينة المكلا، اعتمد المؤتمر المشروع السياسي للمجلس، إلى جانب «الرؤية الحضرمية للحوار الجنوبي الشامل»، مرجعيتين لمواقفه وخياراته السياسية. كما شدَّد على رفض أي ترتيبات سياسية أو دستورية أو إدارية أو اقتصادية تخص حضرموت من دون مشاركة حضرمية فاعلة في صياغتها واتخاذ القرار بشأنها.

تأييد حضرمي لإجراءات مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين (إعلام محلي)

ولم يطرح المؤتمر «الفيدرالية» بوصفها صيغة نهائية مفروضة، بل بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش ضمن أي تسوية وطنية شاملة، مع ربطها بمنح حضرموت صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة.

ويرفض المجلس، وفق مخرجات المؤتمر، إعادة إنتاج أنماط المركزية السياسية والاقتصادية والإدارية، التي يرى أنها أسهمت في اختلال توزيع السلطة والثروة وأعاقت التنمية والاستقرار.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتثبيت قضية حضرموت على مسار موازٍ للنقاش الأوسع حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية، خصوصاً أن المؤتمر وصف المحافظة بأنها «قضية سياسية أصيلة ومشروع سياسي مستقل».

وطالب المشاركون بتمثيل عادل لحضرموت في المناصب السيادية والعليا ومؤسسات الدولة المركزية، مع مراجعة أوضاع التعيينات بما يحقق العدالة والتوازن. كما فوضوا قيادة المجلس بتشكيل الوفود الحضرمية المشاركة في الحوار الجنوبي وأي مفاوضات مستقبلية، على أساس التوافق وتنوع المكونات والكفاءة والخبرة.

وزكّى المؤتمر سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وفوضه باختيار هيئة الرئاسة وإعلانها خلال أسبوعين، إلى جانب توسيع دائرة الحوار والتشاور بما يضمن تمثيل مختلف القوى والأطياف السياسية والمجتمعية.

النفط في قلب المعادلة

لا تنفصل المطالب السياسية الحضرمية عن الملف الاقتصادي، إذ وضع المؤتمر ثروات حضرموت الطبيعية في صلب رؤيته لمستقبل المحافظة، معلناً أن مواردها حق أصيل لأبنائها وأساس لتنميتها واستقرارها.

وطالب المؤتمر بإدارة واستثمار النفط والغاز والمعادن وفق مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة والحوكمة، رافضاً استئناف تصدير النفط من حضرموت قبل ضمان حقوق المحافظة واستحقاقاتها، وفي مقدمتها حصتها البالغة 20 في المائة.

ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع الحضرمي في تأسيس المجلس التنسيقي (إعلام حكومي)

كما دعا إلى وضع آلية تنفيذية محددة زمنياً لتنفيذ ما ورد في بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، وفوض قيادة المجلس بمتابعة الملف مع الجهات المعنية.

ويكشف الجمع بين المطالب السياسية والاقتصادية عن رغبة حضرمية في تحويل قضية الموارد من ملف مالي محلي إلى أحد مرتكزات التفاوض على شكل العلاقة بين المحافظة والدولة، بما يربط إدارة الثروة بمستقبل توزيع السلطة.

الأمن... والعلاقة الإقليمية

في الجانب الأمني، وضع المؤتمر حماية حضرموت وسكانها وثرواتها ومنافذها ومؤسساتها في مقدمة الأولويات، داعياً إلى بناء وتأهيل وتدريب وتسليح مؤسسات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية تعمل وفق القانون.

كما أعلن رفض الإرهاب والتطرف والفوضى، وكل ما يهدد السلم الأهلي أو يستهدف المواطنين ومؤسسات الدولة والمصالح العامة.

وفي المقابل، حملت المخرجات رسالة واضحة بشأن علاقة حضرموت بالسعودية، إذ ثمّن المؤتمر العلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين الجانبين، ودعا إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن، والتنمية، والاستثمار، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية.

جانب من الحضور النسائي في أعمال المؤتمر الحضرمي (إعلام حكومي)

وأدان المشاركون هجمات الحوثيين والميليشيات الموالية لإيران على السعودية، معلنين تضامنهم معها، ورفض أي مساس بأمنها وسيادتها واستقرارها، وعادّين أن أمن المملكة جزء من أمن حضرموت واليمن واستقرارهما.

كما أيَّد المؤتمر القرارات والإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الحوثيين، مؤكداً دعمه كل ما من شأنه حماية الدولة والمواطنين، وصون الأمن والاستقرار.


مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended