«متحف نابو»... عربي الهوى شرقي الوجهة في شمال لبنان

المبنى منحوتة صممها الفنانان العراقيان ضياء العزّاوي ومحمود العبيدي

المتحف من الداخل
المتحف من الداخل
TT

«متحف نابو»... عربي الهوى شرقي الوجهة في شمال لبنان

المتحف من الداخل
المتحف من الداخل

في بلدة «الهري» الشمالية المغمورة، وعلى شاطئ عرف بمنتجعاته الصيفية ومطاعمه نبت متحف «نابو» للفن قديمه وحديثه، ليشكل مفاجأة، إن في موقعه الجغرافي وتصميمه الحديث، أو في الوقت الذي افتتح فيه، حيث يشعر الجميع أن لبنان على شفير هاوية. «التحدي» بالنسبة للشركاء الثلاثة أصحاب الأرض والمشروع جواد عدرة، بدر الحاج وفداء جديد، يبدو أنه العنوان المضاد للمرحلة العكرة.
«صادف أن هذه الأرض ملك لنا نحن الثلاثة، والحلم مشترك» يقول جواد عدرة. كانت الفكرة الأولى أن يقام المتحف بالقرب من جامعة البلمند على مرتفع جبلي مطلّ، لكن الأسهل على ما تبين لنا، استغلال ما هو جاهز وبين يدينا. صديق رابع هو الفنان التشكيلي العراقي المعروف ضياء العزاوي صمم فكرة المبنى من الخارج. العزاوي لا يخفي فرحته بالإنجاز الكبير يقول عن مساهمته في هذا المشروع أنها جاءت بحكم الصداقة، ويشرح: «هذا البناء سيكون الأهم لمتحف في كل المنطقة، لأنه متناسب ومنسجم مع بيئته ومتصالح مع ما حوله. أقيم برؤية فنية لا هندسية بحتة، ليس له نوافذ، وسيتفاعل مع العوامل المحيطة به».
مكعب ضخم مستطيل الشكل من الفولاذ الصلب، لافت في لونه الذي ترك على طبيعته الأولى وموقعه المحاذي للبحر والشجر العتيق الذي ترك حوله. يدخله النور من بابين زجاجيين كبيرين كل منهما بارتفاع طابقين أحدهما يدخل منه الرواد من جهة الطريق والآخر يقابله تماماً يمكن الخروج منه إلى جهة البحر. كل واجهة من هذا المبنى لها هويتها وتصميمها. فثمة حفر في الصلب ليس بقليل، ويلفت العزاوي إلى الحروف العربية لا سيما حرف الميم الذي تبدأ به كلمة متحف وحفر في الجهة الرئيسية ليتحول المبنى نفسه إلى منحوتة وعمل فني يستحق التأمل. وعندما نسأله إن كان لا يخشى من الصدأ الذي ستتسبب به الملوحة والرطوبة يجيب «وعندها سيصبح المبنى أجمل. وهذا تماماً ما ننتظره».
فنان عراقي آخر كان شريكاً في المغامرة هو محمود العبيدي صديق للعزاوي، استفاد من تجربته الهندسية وقام بالعمل الداخلي، حيث جعل مع مهندسين آخرين، المتحف أربعة طوابق. طابق سفلي خصص لمكتبة ثمينة تحوي مطبوعات قديمة جمعت بعناية ومخطوطات نادرة، وطابق أول دمجت فيه معروضات للوحات كبار الفنانين التشكيليين الحديثين، مع قطع أثرية قديمة جداً، حيث إن المجموعة المعروضة تتضمن أثريات من ألفي سنة قبل الميلاد إلى يومنا هذا وهذا جزء من فلسفة المتحف وهويته التي ترى في الامتداد الزمني والنتاجات الفنية كلاً واحداً مترابطاً. ولا تستغرب أن يلفت نظرك أحد المهتمين بالمعرض إلى أن وجهاً لامرأة في لوحة لجبران خليل جبران معروضة على الحائط، ذات شبه كبير بوجه منحوت موضوع بقربها في إحدى الفترينات لامرأة يعود إلى ما قبل الميلاد. هذه المقاربة جعلت الطابقين الرئيسيين اللذين يتشكل منهما المتحف وكأنهما صالة واحدة. فالطابق العلوي هو عبارة عن شرفة من زجاج تكشف منها الطابق الأول، فيما ترك السقف زجاجياً هو الآخر ومفتوحاً على الفضاء.
المجموعة المعروضة ليست كبيرة نسبة إلى المعارض الضخمة التي ترعاها دول، وتعنى بها حكومات، لكنها ذات أهمية استثنائية. إذ تضم تلك القطع التي استطاع الحصول عليها أحد أصحاب المتحف جواد عدرة، وتعرف باسم مجموعة «موشي ديان». وهي قطع يقال بأنه تم التنقيب عنها ليس فقط في فلسطين بل في الجولان وجنوب لبنان، وأهداها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إلى أصدقاء له، وعرضها ورثتهم للبيع وتم شراؤها واستعادتها وهي معروضة في هذا المتحف. وهذا جزء من التحدي الذي يأخذه على عاتقه المتحف، في موقف رافض للتفريط بالآثار والأعمال الفنية ومحاولة لم شملها مع بعضها البعض، وقراءتها باستمرار. و«المتحف ليس لبنانياً وإنما عربي وهذا أمر مشجع»، بحسب ما يشرح العزاوي، حيث يحاول أن يعطي فكرة عن الفن الذي وجد في المنطقة منذ أقدم العصور إلى اليوم، دون تفريق بين رسم ونحت وآنية مزخرفة أو إبريق روماني نادر على شكل عناقيد عنب من الزجاج يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد أو منحوتة ضخمة للسوري علي مصطفى عرضت في الحديقة لرجل من المعدن المشبّك وكأنه يسبح في الفراغ.
من المرحلة الحديثة تكتشف أعمالاً لرواد الفن التشكيلي العربي شفيق عبود، إيفيت أشقر، أمين الباشا، رفيق شرف، آدم حنين، فاتح المدرس، محمود حمّاد، لؤي كيالي، إلياس زيات، جميل ملاعب، هيلين الخال، عمر أنسي، مصطفى فروخ، أحمد المعلا، وآخرين. ومن بين اللبنانيين تبدو حصة مهمة لصليبا الدويهي، الذي بات نادراً ما نرى له لوحات من المرحلة الكلاسيكية إلى جانب الفترة التجريدية في مكان واحد. وللعراقيين حصة الأسد حيث نجد أعمالا لضياء العزاوي، إسماعيل فتاح وشاكر حسن آل سعيد، وثمة عمل كبير لمحمود العبيدي سينضم قريباً جداً إلى المتحف إلى جانب آخر للعزاوي، وصفهما الأخير بأنهما عملان سياسيان من وحي ما حدث بعد الاجتياح الأميركي للعراق.
ومن بين الآثار التي يمكن اكتشافها الكثير جداً من فوانيس الزيت الفخارية التي تعود إلى مراحل متعددة من قبل الميلاد، مروراً بالهيلينية والرومانية، ويمكن المقارنة بينها. وكذلك نقوش سومرية وآشورية. وعرضت المجموعات وهي في غالبيتها من حضارات بلاد الشام وما بين النهرين ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، من السومرية والأكادية والآشورية والحثية والبارثية والفرعونية والفينيقية واليونانية والرومانية والإسلامية. وقد تم تصميم مختلف واجهات العرض بهدف مقاربة القطع الأثرية من حيث التقنيات التي استخدمت إبّان تصنيعها.
وهناك الكثير من المنحوتات الكبيرة اللافتة تعود إلى ما بين القرن الخامس والسابع قبل الميلاد.
ويقول جواد عدرة «إن الافتتاح الكبير لا يعني أن المشروع قد أنجز. فلا يزال العمل الكبير في انتظارنا». ويتحدث عن برامج عدة ستكون مصاحبة للمتحف منها التواصل مع المدارس، وترتيب نشاطات مع الطلاب. أما كيف سيكمل هذا المتحف مساره ويؤمن مداخيل تغذي بقاءه، فيقول عدرة «الأرض التي نمتلكها كبيرة وتمتد على الشاطئ، ولم يحتل المتحف سوى جزء منها، وعلى الباقي سنعمل على تشييد مشروع سياحي أخضر من دون الإسمنت الذي يغزو الشاطئ والمنتجعات الأخرى. وضمن المشروع مكان لإقامة فنانين زائرين يودون العمل هنا من وحي المكان. ويبدو أن التفكير في استمرارية المتحف هي إحدى المشاغل للمؤسسين فالطابق الرابع المطل على البحر والجبل معاً، يمكن أن يتحول إلى مطعم جذاب هو أيضا».
«متحف نابو» الذي يحمل اسم إله الكتابة والحكمة في بلاد ما بين النهرين، افتتح يوم السبت الماضي، بحضور عدد كبير من المهتمين الذين لم يدهشوا بالإنجاز نفسه الذي تم من دون ضجيج وإعلام، ولم يسمع به الغالبية إلا قبل الافتتاح بقليل، وإنما بالجرأة وروح المغامرة التي اتسم بها في الوقت الذي يقال فيه بأن اللبنانيين يفكرون بالمغادرة. هكذا يبعث الفن الأمل والمتاحف توحي، على ما يبدو بالاستقرار.



تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.