اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد... في «زهرة الصمت»

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد
TT

اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد

هل قصد رؤوف مسعد في روايته هذه «زهرة الصمت» الصادرة حديثاً عن دار العين، البحث عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتدادها في الزمان والمكان؟ هل أراد من خلال اللعب على حافة التاريخ والأسطورة، أن يربط بين الماضي والحاضر، كأنهما ظلال لأشياء انقضت، أشياء تأتي، أو كأن الأسطورة والتاريخ هنا حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي في النهاية حرية الوطن والإنسان معاً؟
يبدو لي أن رؤوف مسعد قصد كل هذا، بل زاد عليه فكرة البناء بالأسطورة، وجعلها في حالة من الموازاة والتقاطع مع الواقع، في أبعاده الماضوية والراهنة واستشرافه للغد أيضاً. فنحن أمام نص مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات، لا يركن إلى البنى الروائية التقليدية، إنما يترك الوقائع والأحداث والشخوص تتشكل بتلقائية في إطار رؤية، هي بمثابة غلالة شفيفة للحظات مدها وجذرها.
ينفتح النص بإهدائية العام والخاص، على روح شهداء الوطن حسبما يقول: «إلى الشهداء من جيش مصر الحديث في حروبه المتعددة، وإلى شهداء الشرطة والجيش بمواجهة الإرهاب الحالي، وإلى شهداء التمييز الديني في مصر... والدول العربية».
تتسع دائرة الإهداء لتشمل «الأسلاف في رحلة بقائهم، الذين حملوا هوياتهم فوق رقابهم وصمدوا... إلى كابحي الجامحين في الكون، وإلى عاشقي المحروسة ومدّاحيها... إلخ».
تطل من ثنايا هذه الاستهلال فكرة تمدُّد الأسطورة كنواة أساسية لفعل القص، ويوظفها الكاتب باقتدار لتصنع حالة متجددة من الموازاة، مع الأزمنة اللاحقة عليها، حتى تصل إلى الراهن المصري المعيش.
في سياق الموازاة هذه تبرز أسطورة إيزيس وأوزوريس، مشكّلة النواة ومركز الثقل في الرواية، ومحور إيقاعها في الوقت نفسه... وكما هو معروف في الميثولوجيا الفرعونية؛ فإن «ست» الشرير قتل أخاه أوزوريس، وقام بتمزيق جسده، ووزّعه في الجبال والوديان والبحر، حتى لا يعود إلى الحياة مرة أخرى، لكن إيزيس زوجته استطاعت أن تجمع أجزاء جسده، وعاشرته، وأنجبت حورس الذي انتقم من عمه وأخذ بثأر أبيه، وأصبح رمزاً للخير والعدل، بينما صار أبوه إله البعث والحساب عند المصريين القدماء. وتذْكر الأدبيات الفرعونية أن عملية تجميع جسد أوزوريس شهدت أول عملية تحنيط للموتى، وفقد حورس عينه اليسرى في معركته مع «ست»، وتولى عرش مصر.
تنبث أسطورة «الرّبّة إيزيس» كرمز للبعث والخلود في كل أجواء الرواية، وتتوحد بها كاهنة المعبد، وربيبتها الشابة، وتستمدان منها القوة في رحلتيهما للهرب من بطش الجنود الرومان، بل تذوبان فيها إلى حد الفناء، فهي القوة التي ستبعث الروح من جديد في الجسد.
ينعكس كل هذا على هوية البناء في الرواية، فنحن أمام بنية سردية، أشبه باللوحة النزقة المغامرة بأقصى طاقات التجريد والتجسيد، ترفض أن يسيّجها إطارٌ أو برواز، بل تكسر خط الأفق، ونمطية الأعلى والأسفل، ممتلكة حيويتها السردية الخاصة. قادرة على تجميع نفسها، من شتى الشظايا، في كتل، وفواصل ونقط وهوامش ودوائر وخطوط وفراغات لا مترامية الأبعاد.
يرفد هذا التوازي مع الأسطورة فكرة أخرى تكمن في قوة الظلال. تستبطن الرواية هذه الفكرة مشرّبة بمسحة من التأمل ذي طابع فلسفي، وتلعب على حدسها في لحظات خاصة بطبيعة الصراع، لافتة إلا أنه لن يتم إدراك الشيء أو معرفته الحقة بعيداً عن ظلاله، فالشيء صنوُ ظله، بل لا وجود له دونه، ولا يعنى ذلك أن الظل ينحسر في صورة الشيء المنعكسة على الأرض فحسب، بل تمتد صورته إلى الأبعد والأشمل، كأنه علاقة بأثر عتيق لم يبقَ منه سوى ظله شاهداً عليه.
فهكذا على مدار الرواية، تظل العلاقة بين الأسطورة وظلالها، محركاً أساسياً لمجريات الصراع، تصعد وتهبط، وتتناثر في الأزمنة والأمكنة، كأنها أنشودة للخلاص بالأسطورة من سطوة تاريخ دموي، تقلّب فيه الغزاة على مصر، من الهكسوس والفرس والرومان، وكلهم سعوا إلى التنكيل بها، وقتل الروح القومية في وجدانها وذاكرتها.
يخص المؤلف في روايته الظلال بفصل مهم يبدأ من صفحة (178) بعنوان «باب الظلال»، استهله بعنوان فرعي سمّاه «حين تختفي الظلال متنكرة». تطالعنا في هذا الفصل حالة من الجدل الشيق بين بعض الشخوص أبطال الرواية الرئيسيين: «النقادي»، المغرم بجمع البرديات القديمة وريث حضارة نقادة الأولي والثانية، والتي تعد أحد المراكز الفرعونية المهمة اقتصادياً في العصر الفرعوني بمحافظة قنا، والضابط «لويس»، ابن «سارة» المسلمة التي تنصّرت وهجرت قبيلتها وتزوجت من أبيه الضابط القبطي.
يتعلم لويس أسرار الظلال على يد الخال «النقادي»... تشفّ هذه الأسرار في الكثير من اللطشات الحوارية بينهما، مسكونة بروح الأسطورة، وعين مفتوحة على السراب وفراغ الصحراء الشاسع، والذي يبدو كانعكاس حي لما يحدث على أرض الواقع في تلك اللحظة من تقلبات واضطرابات سياسية، خصوصاً مع قدوم الغزو العربي، أو الفتح الإسلامي المربك لمصر. فعلى هذا النحو تدور هذه اللطشة الحوارية:
«قال له حينما يشتد الضياء تختفي الظلال... أشار له أنك إذا وقفت تحت ضوء الشمس العمودية في أقوى ساعات الضوء في الظهيرة، فإنك سوف تقف على ظلك، ويكون ظلك صغيراً جداً... وقد لا تراه بعينيك... وحينما تشتد الظلمة أيضاً سوف يختفي ظلك ولا تراه بعينيك.
سأله لويس: وأين يذهب الظل؟
ضحك وقال بجدية: الظل مثل روحك، معك لكن لا تراها، ولا تحس بها، إلا إذا ضاقت بك وضقت بها.
وحين رأى لويس السراب بهر به... تساءل: من أين يأتي هذا الخداع؟ قال له الخال من الظلال... ولم يرد!».
يضع الكاتب في ختام هذه اللطشة علامة تعجب، إمعاناً في الدهشة وإثارة الأسئلة في الداخل والخارج، ما يمكن أن نفهم منه ضمنياً أن لعبة الظلال لا تدور على نفسها فحسب، وإنما تشكّل رسائل وهويات، حول علاقة الكائن بذاته، وعلاقة المجتمع بأنظمته الحاكمة، فثمة حكومات ظل، وثمة معارضة أيضاً، وهناك ظلال ساكنة، لكنها حين تتحرك تصبح كالموج الهادر.
على ضوء هذا، تشكل الرواية مجموعة من الرسائل المهمة، محاولةً من خلالها أن تصحح بشكل أساسي اللغط حول انتشار المسيحية في مصر، خصوصاً في ظل الاضطهاد الروماني للأقباط المصريين، وما أعقبه من تمييز ضدهم لا يزال ينشب مخالبه في جسد مصر حتى الآن. من أبرز هذه الرسائل ما تكشف عنه الرواية، ويمكن وصفه بالعلاقة الحميمة بين الأقباط والحضارة الفرعونية، فهي الألصق بجلدتهم، بل كثيراً ما يرون أنفسهم امتداداً عضوياً لها، على عكس النفور والتملص والهروب من الانضواء تحت العباءة الإسلامية بعد فتح العرب لمصر.
فهكذا، في تدرج الظلال، تشكل الأسطورة الإيزورية، مشهد الختام في الرواية، وهو مشهد مفعم بالتراجيديا، وروح الشعر، تنسجه أسطورة الماضي العريق بدفقها الفرعوني، على جدران لحظة مصيرية من تاريخ مصر، حيث اشتعال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وواقعة ماسبيرو الشهيرة، وما تعرض له المتظاهرون من محاولات دهس بمركبة للجيش أمام مبنى التلفزيون.
تبلغ الرواية هنا ذروتها الدرامية، فالنص يصبح ضمير ذاته، هو الماضي والحاضر معاً، هو المتكلم والغائب، هو المفرد والجمع. بينما يلمح جندي الحراسة على باب المبنى في الليل زهرة تشق أرض الشارع المنداح أمامه، تتفتح، وتظل مضيئة لمدة عشر دقائق، نصفها قبل منتصف الليل، ونصفها بعده، ثم تختفي، حتى حين داستها عربة تبديل الحراسة الطائشة، تنهض وتتفتح من جديد كأنها في نوبة حراسة أخرى مقدسة، تسلم خلالها الليل للنهار، ليولدا كل يوم من رحم أسطورة الشهيد، الذي رحل عن الحياة بالجسد فقط، بينما روحه لا تزال كامنة في مسامها. تماماً مثل أسطورة إيزيس. نعم «زهرة الصمت» رواية متاهة، لكنها متاهة مغوية ومضيئة، متاهة مصرية بشطحها ونزقها، ولغتها بفصحاها وعاميتها ونبرتها الكلاسيكية أحياناً... إنها رواية مصرية حتى النخاع.


مقالات ذات صلة

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار
ثقافة وفنون إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
TT

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

بمزيج من الروحانية والبهجة الشعبية، احتفل مصريون بحلول ذكرى المولد النبوي الشريف، عبر الفعاليات الدينية، والمواكب الجماهيرية، وإحياء المظاهر الفلكلورية المرتبطة بالمناسبة منذ عشرات السنين.

وفي حين شملت الاحتفالات الرسمية تنظيم الأمسيات الدينية والندوات في المساجد الكبرى، التي تتناول السيرة النبوية ومآثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة؛ تنوعت الاحتفالات الشعبية بين حلقات الذكر والابتهالات، وخروج المسيرات والمواكب التي تتغنى بالأناشيد الروحانية على نقرات الطبول والدفوف، إلى جانب إعداد الأطباق التقليدية وتوزيع الحلوى في الشوارع.

ويشهد محيط مسجد الحسين بالقاهرة، أبرز احتفالات المولد النبوي الشريف، حيث تجتذب المنطقة آلاف المواطنين، حيث تقام السرادقات التي تستقبل الزوار القادمين من المحافظات، للمشاركة في إحياء الذكرى بالمدائح النبوية والابتهالات الدينية، ما يجعل المنطقة بؤرة شديدة الزحام.

مصرية تطالع «حصان السكر» ضمن احتفالات المولد النبوي (أرشيفية- رويترز)

وتمتد مظاهر الاحتفال إلى مختلف المحافظات، التي ترسم لوحة مفعمة بالبهجة والعادات المتوارثة، تعبيراً عن الفرح بالمناسبة العطرة، وحفاظاً على التراث الثقافي المحبب للشخصية المصرية.

وتعكس احتفالات المولد النبوي في مصر خصوصية كل محافظة، ومن أبرزها ما شهدته محافظة الأقصر (جنوب مصر)، ففي قرية «منشأة العماري»، تستمر الاحتفالات لمدة 10 أيام، وتضم مجالس ذكر وسباقات خيول وعزف فرق المزمار والربابة وحلقات تحطيب. ويشارك في هذه الاحتفالات عشرات الآلاف من أبناء الأقصر والمحافظات المجاورة، فضلاً عن العديد من السائحين.

كما شهدت منطقة الكرنك بالأقصر أجواءً احتفالية، حيث نظّم أبناء المنطقة ما يُعرف بـ«دورة المولد»، وهي مسيرة شعبية تجوب عدداً من الشوارع، وسط مشاركة واسعة من الأهالي والأسر والأطفال.

وفي مدينة نقادة بمحافظة قنا (جنوب مصر)، خرجت مواكب بالجمال ومسيرات بالسيارات احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، وتضمنت الفعاليات تجمعات دينية وشعبية، حيث ردّد الأهالي الأناشيد والمدائح النبوية وسط أجواء من المحبة والفرحة، مع توزيع الحلوى على المارة. وفي مدينة دشنا بالمحافظة، نُظمت مواكب كبيرة بالمدائح النبوية، لتتحول الشوارع إلى ساحات احتفالية عارمة تجمع بين الطابع الديني والبهجة الشعبية.

أما في المنيا، فقد نُظمت مسيرات حاشدة انطلقت من أمام المساجد الكبرى وطافت الشوارع، ورُفعت خلالها الأعلام والرايات الخضراء التي تحمل آيات قرآنية وعبارات احتفالية، في حين ردّد المشاركون المدائح النبوية عبر مكبرات الصوت، في مشهد جماهيري معتاد.

مواطنون بمحافظة الأقصر جنوب مصر في احتفال ديني بالمولد النبوي (حساب بوابة الأقصر على «فيسبوك»)

وفي الإسكندرية شمالاً، ظهر حرص الأهالي على عادة شعبية متوارثة في يوم المولد النبوي، حيث يُعدّ «الشربات بالموز» ويُوزّع في الشوارع على المارة وراكبي السيارات، التي تتوقف بدورها ليشارك الجميع في احتساء المشروب، ما يُضفي على الاحتفال طابعاً من الفرح الجماعي.

وهي العادة التي انتقلت إلى مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة (دلتا مصر)، حيث تسابق الأهالي في توزيع الشربات بالموز، إلى جانب الساندويتشات، على المواطنين.

وفي شوارع دمياط، أضفت عروض رقص التنورة أجواء فنية مميزة على الاحتفالات، حيث امتزج الفن الشعبي بالمدائح الدينية.

وأوضح الباحث في التراث الشعبي محمد الدسوقي أن «المصريين يميلون بطبيعتهم إلى الشكل الاحتفالي في المناسبات الدينية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ذكرى المولد النبوي مناسبة تتحول دائماً إلى تظاهرة فنية مبهجة، وسط حالة فلكلورية مميزة، مع انتشار شوادر بيع حلوى المولد الشهيرة. وهذه المظاهر ليست استثناءً، بل جزء من ثقافة شعبية متجذرة، إذ يحرص كثيرون على إحياء الموالد، لكون الشعب المصري معجوناً بالفلكلور والجمال والمحبة».

احتفالات المولد النبوي في مصر تحمل خصوصية لكل محافظة (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

ويشير إلى أن أكثر هذه المظاهر تجلياً يكون عبر الطعام، إذ ترتبط كل مناسبة بأطباق وحلوى مخصوصة، بوصفه نوعاً من الاحتفال الفلكلوري. وعلى سبيل المثال، ليست «عروسة المولد» الشهيرة مجرد حلوى، بل هي امتداد لرمز الخير المرتبط بفيض النيل، لذا تفنن المصريون في تشكيلها وزركشتها بالذهب والألوان منذ العصر الفاطمي، لافتاً إلى أن استمرار شوادر بيع الحلوى، وكذلك «عروسة المولد والحصان»، دليل على الميل إلى هذه الطريقة في الاحتفال.

ويبيّن أن احتفالات المولد ورموزها ألهمت كثيراً من الفنانين التشكيليين المصريين، بما يؤكد تجذّرها في الثقافة الشعبية واستمرار حضورها.


كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
TT

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

في ليلة باهتة من ليالي أغسطس (آب) عام 1799، ساد الصمت شواطئ مدينة الإسكندرية المصرية. ولم يكن أحد من جنود الحملة الفرنسية، أو من أهالي المدينة المنهكين من المعارك والضرائب، يعلم أن سفينتين حربيتين فرنسيتين تقفان على مسافة قريبة من الشاطئ في انتظار أهم رجل في أوروبا.

في تلك اللحظات، كان الجنرال الشاب نابليون بونابرت يستعد لتنفيذ خطة هروب سرية للغاية، واضعاً حداً لمغامرته الشرقية التي بدأت بآمال إمبراطورية عريضة قبل عام واحد فقط.

نابليون بونابرت يخاطب العلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

خطوة بونابرت بالفرار نحو باريس لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت انسحاباً دراماتيكياً وتاريخياً غيّر مسار الشرق الأوسط، وتخلياً غير متوقع عن جيش كامل تركه بونابرت يواجه مصيره المحتوم وسط رمال مصر الساخنة وتحت ضربات العثمانيين والإنجليز.

لوحة تجسد الاستيلاء على الإسكندرية وظهور نابليون بونابرت أمام أبراجها (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

أحلام الشرق تتكسر على صخرة الواقع

دخل نابليون بونابرت مصر عام 1798 وفي مخيلته أمجاد الإسكندر الأكبر، باحثاً عن قطع طريق التجارة البريطاني نحو الهند وتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق.

لكن الواقع كان أشد قسوة من طموحات الجنرال الشاب، فبعد أسابيع قليلة من وصوله، دمّر الأدميرال البريطاني نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، ليصبح جيش بونابرت محاصراً ومعزولاً عن خطوط إمداده في أوروبا.

«معركة أبي قير البحرية» بين الأسطولين البريطاني والفرنسي يوم 1 أغسطس 1798 بريشة لوني طوماس (ويكيبيديا)

وتوالت الضربات على الحملة، من ثورة القاهرة الأولى العنيفة، إلى فشل حصار مدينة عكا في الشام الذي حطّم كبرياء نابليون العسكري، وانتشار مرض الطاعون الفتاك بين جنوده.

أدرك بونابرت مبكراً أن الشجرة الفرنسية لن تضرب جذورها في طمي النيل، وأن البقاء في مصر يعني الموت البطيء، بينما كانت الأخبار الواردة من باريس تتحدث عن اضطرابات سياسية وهزائم عسكرية فرنسية في أوروبا، وهي فرصة ذهبية كان يحتاجها ليقفز إلى السلطة في بلاده.

صورة بونابرت ومساعدوه في مصر خلال معركة الأهرام رسمت عام 1863 (ويكيبيديا)

مؤامرة في جوف الليل والفرار نحو باريس

لم يصارح نابليون جنوده حتى قادته الكبار بنيته في الرحيل، خوفاً من حدوث تمرد عسكري أو انهيار الروح المعنوية لما تبقى من الجيش. وتحت ستار من السرية المطلقة، وبحجة القيام بجولة تفتيشية في الدلتا، توجه بونابرت إلى شاطئ المعمورة في الإسكندرية برفقة حفنة صغيرة من رجاله المخلصين والعلماء المقربين.

لوحة «معركة الأهرامات» (1808) للبارون لويس-فرانسوا لوزان، وتظهر مواجهة جيش نابليون مع خيالة المماليك قرب القاهرة عام 1798 (ويكيبيديا)

وفي فجر الثاني والعشرين من أغسطس، استقل الجنرال الفرنسي السفينة الحربية «ميركور» متسللاً عبر الحصار البحري البريطاني الصارم بفضل ضباب فجر ذلك اليوم الحذر.

ترك نابليون وراءه رسالة وداع مكتوبة موجهة لجيشه، مبرراً رحيله المفاجئ بأن «مصلحة الوطن العليا» تستدعي وجوده الفوري في فرنسا، لتسجل هذه الليلة واحدة من أكثر عمليات الهروب السياسي إثارة للجدل في التاريخ العسكري الحديث.

الجنرال جان بابتيست كليبر (ويكيبيديا)

الهدية المسمومة والتركة الثقيلة للجنرال كليبر لم تكن الصدمة في باريس بل في القاهرة، حيث استيقظ الجنرال جان باتيست كليبر، أحد أكفأ قادة الحملة وأكثرهم شعبية بين الجنود، ليجد نفسه قد عُيّن خطياً وبأمر من نابليون قائداً عاماً للحملة الفرنسية في مصر.

لم يكن كليبر يعلم بالخطة، وشعر بإهانة بالغة وغضب عارم من تصرف بونابرت الذي اعتبره «نذالة عسكرية» وهروباً من المسؤولية.

كانت التركة التي تركها نابليون لكليبر أشبه بهدية مسمومة، جيش تناقصت أعداده إلى النصف، خزانة خاوية من المال، جنود ينهشهم الطاعون والإحباط، وعداء مستعر مع الأهالي والعثمانيين والإنجليز.

لم يجد كليبر بداً من كتابة تقارير لاذعة للحكومة الفرنسية، يفضح فيها الوضع المزري الذي تركه بونابرت، ويبدي رغبته في إنهاء المغامرة بأي ثمن يحفظ كرامة ما تبقى من رجاله.

اللوحة الزيتية التاريخية الشهيرة التي رسمها الفنان الفرنسي فرانسوا بوشو والتي تُخلد اللحظة الدراماتيكية لـ انقلاب «18 برومير» عام 1799، عندما دخل نابليون بونابرت قاعة المجلس للإطاحة بالحكومة وتولي زمام السلطة في فرنسا (ويكيبيديا)

نهاية مأساوية لطموح فرنسي قصير الأمد

أثبتت الأيام أن فرار نابليون السري كان طوق النجاة الشخصي له، ولكنه كان حكم الإعدام على الحملة الفرنسية في مصر، فبينما كان بونابرت ينجح في باريس بتنفيذ انقلاب «18 برومير» ويصبح القنصل الأول ومستبد فرنسا المطلق، كان الجنرال كليبر يحاول يائساً لملمة جراح الجيش الفرنسي في القاهرة.

اللوحة التشكيلية التاريخية للفنان الفرنسي أنطوان جان غرو، والتي يُجسد فيها اللحظات الدراماتيكية لاغتيال الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر في حديقة قصره بالقاهرة عام 1800 على يد الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

وعلى الرغم من حنكة كليبر العسكرية وانتصاره في معركة عين شمس، فإن طعنات خنجر الشاب السوري سليمان الحلبي أنهت حياته في حديقة مقره بالقاهرة عام 1800.

الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

تولى بعده القائد «مينو» الذي لم يصمد طويلاً، لتستسلم الحملة الفرنسية رسمياً وتغادر مصر عام 1801.

رحل نابليون وبقيت قصة هروبه من الإسكندرية فصلاً مثيراً يتأرجح بين عبقرية الانتهازية السياسية والتضحية بمصائر الجنود من أجل المجد الشخصي.


الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

شكّل دور الإعلام في إعادة تقديم صورة السعودية والعالم العربي أمام الجمهور الدولي، إلى جانب تأثير الذكاء الاصطناعي والتحولات في عادات استهلاك الأخبار، محوراً رئيسياً في جلسة حوارية استضافها مجلس الشيوخ الفرنسي، بمشاركة الزميل فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز».

وتناول عباس خلال الجلسة، التي أدارتها السيناتورة الفرنسية ناتالي غوليه، التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام، خصوصاً مع التوسع في المحتوى متعدد اللغات، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الوصول إلى جماهير جديدة.

تغيير المفاهيم

وكان دور الإعلام في تغيير المفاهيم السائدة عن السعودية والعالم العربي محوراً رئيسياً؛ حيث تناول عباس أدوار الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات المتزامنة مع إطلاق صحيفة «عرب نيوز» بالفرنسية (Arab News en français) والذكرى الخمسين لتأسيس الصحيفة. ويهدف هذا التوسع اللغوي إلى إيصال التغطيات الإعلامية إلى جمهور دولي أوسع، يصل إلى نحو 80 في المائة من سكان العالم.

وأشار عباس إلى أن الوصول إلى الجمهور العالمي لا يعني بالضرورة تفاعله مع المحتوى، مستشهداً بالمثل القائل: «يمكنك قيادة الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب»، في إشارة إلى التغير الكبير في طرق استهلاك الأخبار ودور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل اهتمام الجمهور.

منظور الرصاص والقنابل

وفي هذا السياق، تناول النقاش دور الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات في تطوير العمل الإعلامي والوصول إلى جماهير جديدة.

الزميل فيصل عباس متحدثاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

ولم يخْلُ النقاش من التطرق إلى تمكين المرأة والتغيرات الاجتماعية الواسعة؛ إذ أكد عباس على ضرورة ألا يُختزل العالم العربي في مشاهد النزاع فقط، قائلاً: «لا ينبغي رؤية العالم العربي من منظور الرصاص والقنابل فحسب»، مسلطاً الضوء على الفرص الواعدة في المنطقة والتطورات الجارية في السعودية.

مواكبة التحولات

كما أشار عباس إلى أهمية التطورات التي تشهدها السعودية والمنطقة في تغيير الصورة النمطية السائدة، مؤكداً أن التحولات الجارية تستحق أن تحظى باهتمام إعلامي يتجاوز تغطية الأزمات والصراعات.

وتناول النقاش كذلك التوجه السعودي نحو تعزيز الحضور الدولي والانفتاح على الأسواق والجمهور العالمي، ودور الإعلام في مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشهدها المملكة.

«نادي صحافة فرنسي - سعودي»

كما تطرقت الجلسة إلى عدد من الملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالعلاقات السعودية - الفرنسية والتطورات الإقليمية، إلى جانب الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تعكس اتساع نطاق التعاون بين البلدين.

واختتمت الجلسة باقتراح إنشاء «نادي صحافة فرنسي - سعودي» لتعزيز التواصل والتبادل بين الصحافيين والإعلاميين في البلدين.