اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد... في «زهرة الصمت»

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد
TT

اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

رؤوف مسعد
رؤوف مسعد

هل قصد رؤوف مسعد في روايته هذه «زهرة الصمت» الصادرة حديثاً عن دار العين، البحث عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتدادها في الزمان والمكان؟ هل أراد من خلال اللعب على حافة التاريخ والأسطورة، أن يربط بين الماضي والحاضر، كأنهما ظلال لأشياء انقضت، أشياء تأتي، أو كأن الأسطورة والتاريخ هنا حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي في النهاية حرية الوطن والإنسان معاً؟
يبدو لي أن رؤوف مسعد قصد كل هذا، بل زاد عليه فكرة البناء بالأسطورة، وجعلها في حالة من الموازاة والتقاطع مع الواقع، في أبعاده الماضوية والراهنة واستشرافه للغد أيضاً. فنحن أمام نص مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات، لا يركن إلى البنى الروائية التقليدية، إنما يترك الوقائع والأحداث والشخوص تتشكل بتلقائية في إطار رؤية، هي بمثابة غلالة شفيفة للحظات مدها وجذرها.
ينفتح النص بإهدائية العام والخاص، على روح شهداء الوطن حسبما يقول: «إلى الشهداء من جيش مصر الحديث في حروبه المتعددة، وإلى شهداء الشرطة والجيش بمواجهة الإرهاب الحالي، وإلى شهداء التمييز الديني في مصر... والدول العربية».
تتسع دائرة الإهداء لتشمل «الأسلاف في رحلة بقائهم، الذين حملوا هوياتهم فوق رقابهم وصمدوا... إلى كابحي الجامحين في الكون، وإلى عاشقي المحروسة ومدّاحيها... إلخ».
تطل من ثنايا هذه الاستهلال فكرة تمدُّد الأسطورة كنواة أساسية لفعل القص، ويوظفها الكاتب باقتدار لتصنع حالة متجددة من الموازاة، مع الأزمنة اللاحقة عليها، حتى تصل إلى الراهن المصري المعيش.
في سياق الموازاة هذه تبرز أسطورة إيزيس وأوزوريس، مشكّلة النواة ومركز الثقل في الرواية، ومحور إيقاعها في الوقت نفسه... وكما هو معروف في الميثولوجيا الفرعونية؛ فإن «ست» الشرير قتل أخاه أوزوريس، وقام بتمزيق جسده، ووزّعه في الجبال والوديان والبحر، حتى لا يعود إلى الحياة مرة أخرى، لكن إيزيس زوجته استطاعت أن تجمع أجزاء جسده، وعاشرته، وأنجبت حورس الذي انتقم من عمه وأخذ بثأر أبيه، وأصبح رمزاً للخير والعدل، بينما صار أبوه إله البعث والحساب عند المصريين القدماء. وتذْكر الأدبيات الفرعونية أن عملية تجميع جسد أوزوريس شهدت أول عملية تحنيط للموتى، وفقد حورس عينه اليسرى في معركته مع «ست»، وتولى عرش مصر.
تنبث أسطورة «الرّبّة إيزيس» كرمز للبعث والخلود في كل أجواء الرواية، وتتوحد بها كاهنة المعبد، وربيبتها الشابة، وتستمدان منها القوة في رحلتيهما للهرب من بطش الجنود الرومان، بل تذوبان فيها إلى حد الفناء، فهي القوة التي ستبعث الروح من جديد في الجسد.
ينعكس كل هذا على هوية البناء في الرواية، فنحن أمام بنية سردية، أشبه باللوحة النزقة المغامرة بأقصى طاقات التجريد والتجسيد، ترفض أن يسيّجها إطارٌ أو برواز، بل تكسر خط الأفق، ونمطية الأعلى والأسفل، ممتلكة حيويتها السردية الخاصة. قادرة على تجميع نفسها، من شتى الشظايا، في كتل، وفواصل ونقط وهوامش ودوائر وخطوط وفراغات لا مترامية الأبعاد.
يرفد هذا التوازي مع الأسطورة فكرة أخرى تكمن في قوة الظلال. تستبطن الرواية هذه الفكرة مشرّبة بمسحة من التأمل ذي طابع فلسفي، وتلعب على حدسها في لحظات خاصة بطبيعة الصراع، لافتة إلا أنه لن يتم إدراك الشيء أو معرفته الحقة بعيداً عن ظلاله، فالشيء صنوُ ظله، بل لا وجود له دونه، ولا يعنى ذلك أن الظل ينحسر في صورة الشيء المنعكسة على الأرض فحسب، بل تمتد صورته إلى الأبعد والأشمل، كأنه علاقة بأثر عتيق لم يبقَ منه سوى ظله شاهداً عليه.
فهكذا على مدار الرواية، تظل العلاقة بين الأسطورة وظلالها، محركاً أساسياً لمجريات الصراع، تصعد وتهبط، وتتناثر في الأزمنة والأمكنة، كأنها أنشودة للخلاص بالأسطورة من سطوة تاريخ دموي، تقلّب فيه الغزاة على مصر، من الهكسوس والفرس والرومان، وكلهم سعوا إلى التنكيل بها، وقتل الروح القومية في وجدانها وذاكرتها.
يخص المؤلف في روايته الظلال بفصل مهم يبدأ من صفحة (178) بعنوان «باب الظلال»، استهله بعنوان فرعي سمّاه «حين تختفي الظلال متنكرة». تطالعنا في هذا الفصل حالة من الجدل الشيق بين بعض الشخوص أبطال الرواية الرئيسيين: «النقادي»، المغرم بجمع البرديات القديمة وريث حضارة نقادة الأولي والثانية، والتي تعد أحد المراكز الفرعونية المهمة اقتصادياً في العصر الفرعوني بمحافظة قنا، والضابط «لويس»، ابن «سارة» المسلمة التي تنصّرت وهجرت قبيلتها وتزوجت من أبيه الضابط القبطي.
يتعلم لويس أسرار الظلال على يد الخال «النقادي»... تشفّ هذه الأسرار في الكثير من اللطشات الحوارية بينهما، مسكونة بروح الأسطورة، وعين مفتوحة على السراب وفراغ الصحراء الشاسع، والذي يبدو كانعكاس حي لما يحدث على أرض الواقع في تلك اللحظة من تقلبات واضطرابات سياسية، خصوصاً مع قدوم الغزو العربي، أو الفتح الإسلامي المربك لمصر. فعلى هذا النحو تدور هذه اللطشة الحوارية:
«قال له حينما يشتد الضياء تختفي الظلال... أشار له أنك إذا وقفت تحت ضوء الشمس العمودية في أقوى ساعات الضوء في الظهيرة، فإنك سوف تقف على ظلك، ويكون ظلك صغيراً جداً... وقد لا تراه بعينيك... وحينما تشتد الظلمة أيضاً سوف يختفي ظلك ولا تراه بعينيك.
سأله لويس: وأين يذهب الظل؟
ضحك وقال بجدية: الظل مثل روحك، معك لكن لا تراها، ولا تحس بها، إلا إذا ضاقت بك وضقت بها.
وحين رأى لويس السراب بهر به... تساءل: من أين يأتي هذا الخداع؟ قال له الخال من الظلال... ولم يرد!».
يضع الكاتب في ختام هذه اللطشة علامة تعجب، إمعاناً في الدهشة وإثارة الأسئلة في الداخل والخارج، ما يمكن أن نفهم منه ضمنياً أن لعبة الظلال لا تدور على نفسها فحسب، وإنما تشكّل رسائل وهويات، حول علاقة الكائن بذاته، وعلاقة المجتمع بأنظمته الحاكمة، فثمة حكومات ظل، وثمة معارضة أيضاً، وهناك ظلال ساكنة، لكنها حين تتحرك تصبح كالموج الهادر.
على ضوء هذا، تشكل الرواية مجموعة من الرسائل المهمة، محاولةً من خلالها أن تصحح بشكل أساسي اللغط حول انتشار المسيحية في مصر، خصوصاً في ظل الاضطهاد الروماني للأقباط المصريين، وما أعقبه من تمييز ضدهم لا يزال ينشب مخالبه في جسد مصر حتى الآن. من أبرز هذه الرسائل ما تكشف عنه الرواية، ويمكن وصفه بالعلاقة الحميمة بين الأقباط والحضارة الفرعونية، فهي الألصق بجلدتهم، بل كثيراً ما يرون أنفسهم امتداداً عضوياً لها، على عكس النفور والتملص والهروب من الانضواء تحت العباءة الإسلامية بعد فتح العرب لمصر.
فهكذا، في تدرج الظلال، تشكل الأسطورة الإيزورية، مشهد الختام في الرواية، وهو مشهد مفعم بالتراجيديا، وروح الشعر، تنسجه أسطورة الماضي العريق بدفقها الفرعوني، على جدران لحظة مصيرية من تاريخ مصر، حيث اشتعال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وواقعة ماسبيرو الشهيرة، وما تعرض له المتظاهرون من محاولات دهس بمركبة للجيش أمام مبنى التلفزيون.
تبلغ الرواية هنا ذروتها الدرامية، فالنص يصبح ضمير ذاته، هو الماضي والحاضر معاً، هو المتكلم والغائب، هو المفرد والجمع. بينما يلمح جندي الحراسة على باب المبنى في الليل زهرة تشق أرض الشارع المنداح أمامه، تتفتح، وتظل مضيئة لمدة عشر دقائق، نصفها قبل منتصف الليل، ونصفها بعده، ثم تختفي، حتى حين داستها عربة تبديل الحراسة الطائشة، تنهض وتتفتح من جديد كأنها في نوبة حراسة أخرى مقدسة، تسلم خلالها الليل للنهار، ليولدا كل يوم من رحم أسطورة الشهيد، الذي رحل عن الحياة بالجسد فقط، بينما روحه لا تزال كامنة في مسامها. تماماً مثل أسطورة إيزيس. نعم «زهرة الصمت» رواية متاهة، لكنها متاهة مغوية ومضيئة، متاهة مصرية بشطحها ونزقها، ولغتها بفصحاها وعاميتها ونبرتها الكلاسيكية أحياناً... إنها رواية مصرية حتى النخاع.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».


مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.