قصر أيت بنحدو في جنوب المغرب... رحلة في قلب التاريخ

قصر أيت بنحدو في جنوب المغرب... رحلة في قلب التاريخ
TT

قصر أيت بنحدو في جنوب المغرب... رحلة في قلب التاريخ

قصر أيت بنحدو في جنوب المغرب... رحلة في قلب التاريخ

بأسواره وأبراجه الطينية ونوافذه الصغيرة وأزقته الضيقة والملتوية، لا يزال قصر أيت بنحدو الذي بني قبل عشرة قرون، شامخا في قرية تحمل الإسم نفسه، وتبعد ثلاثين كيلومترا عن وسط مدينة ورزازات في جنوب شرق المغرب، حيث تتشبث دوره وقصباته بشكل عجيب بمنحدر هضبة كبيرة تطل على نهر أونلا.
يستقبل القصر القادم إليه من الضفة الأخرى لنهر أونلا بقنطرة إسمنتية بنيت حديثاً. وبمجرد المرور عبر القنطرة، يجد الزائر نفسه بين أسوار القصر، وما هي إلا خطوات حتى تواجهه لوحة من حديد كتب عليها: "قصر أيت بنحدو يرحّب بكم"، وأخرى تحمل تصميما للقصر. يليهما زقاق طويل على جنباته اصطفت محلات تجارية لبيع التحف والأواني والحلي القديمة، وبين جنباته عدد من السياح المغاربة والأجانب.
قصر أيت بنحدو الذي صنفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو" تراثا عالميا منذ 1987، صرح معماري، يضم عدداً من الدور والقصبات، ويحتل مساحة 1300 متر مربع، تخترقه العديد من الأزقة الضيقة طولا وعرضا، متشابكة في شكل هندسي فريد.

محطة في طريق القوافل
يقول الباحث في تاريخ الجنوب المغربي عبد الكريم التزرني، إن قصر أيت بن حدو يعتبر نموذجا للمعمار الطيني في الجنوب المغربي، ويوضح لـ"الشرق الأوسط" أنه شُيّد بشكله الحالي خلال القرن الثامن عشر. لكنه يستدرك أن بعض الآثاريين يؤكدون أنه بني للمرة الأولى في عهد دولة المرابطين في القرن الحادي عشر الميلادي، إذ يُعتقد أن شخصا يدعى أمغار بنحدو كان يقطن هناك إبان فترة حكم المرابطين في القرن نفسه، موضحا أن القصر شكل خلال تلك الفرة محطة للقوافل التجارية بين مراكش والسودان.
ويضيف الباحث في التاريخ أن بناء القصر فوق هضبة مطلة على الوادي لم يحصل بشكل اعتباطي، بل هو اختيار استراتيجي، يتضمن أسبابا أمنية تتمثل في كون المنطقة محصنة بشكل طبيعي، ناهيك بأن الدخول والخروج من القصر كانا يجريان عبر بوابتين بهدف مراقبة التحركات حول محيط القصر. ويشمل اختيار الموقع أسبابا اقتصادية تتمثل في استغلال مياه النهر في الزراعة.
ويضم القصر مرافق عدة لا تزال قائمة، ففي وسطه مسجد تتماهى أسواره مع أسوار المنازل، ويضم بئرا ومرافق للوضوء ومدرسة قرآنية. كما تتوسط القصر "الساحة الجماعية" التي كان يجتمع فيها سكان القصر خلال المناسبات العائلية والدينية، وفي أعلى الهضبة يقع "المخزن الجماعي" الذي كان يستعمل لحفظ الحبوب.
رغم أن تصنيف "اليونيسكو" لقصر أيت بنحدو كتراث عالمي يستلزم الحرص على حمايته من الاندثار ومظاهر التشويه، تبدو عملية الترميم بطيئة، إذ لا تزال آثار الزمن بادية على الكثير من الأسوار والمنازل. ومما زاد صعوبة الترميم هجرة السكان المحليين لدورهم، فهم كانوا يرممون منازلهم بأيديهم كلما دعت الضرورة. وبينما تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن حوالى 98 أسرة كانت تقطن القصر إلى حدود عام 1940، لم تجد "الشرق الأوسط" خلال زيارتها إلا خمس أسر، حولت إحداها بيتها إلى مقهى يقدم الشاي والقهوة على فراش تقليدي.

سياحة وسينما
محمد في أوائل الأربعينات، التقته "الشرق الأوسط" أمام محله لبيع الهدايا والتحف وبعض الأواني القديمة، وبعدما ودع سائحاً فرنسياً اشترى تذكاراً صغيراً، التفت وقال: "مرحبا تفضل سيدي".
يقول محمد: "لست من سكان المكان، بل أقطن في قرية تبعد من هنا نحو 8 كيلومترات، وأملك هذا المحل الذي لا تتجاوز مساحته عشرة أمتار"، مشيرا إلى أن زبائنه من المغاربة ومن جنسيات مختلفة "لكن الأوروبيين يزورون القصر بكثرة".
من جهته، قال المرشد السياحي رشيد إنه يتعامل مع زوار من جنسيات مختلفة، لافتاً إلى أن القصر يعيش بعض الإهمال، وإلى أن الكثير من الأموال يضيع على الأهالي والسلطات معاً، "فالزوار يدخلون مجاناً، بل ان أفلاماً سينمائية عدة صوّرت هنا مجاناً أو بعائد مالي زهيد على السكان".
وقد اكتسب القصر شهرة تاريخية بفضل السينما، إذ ظهرت فضاءاته في الكثير من الأفلام التاريخية مثل "المومياء The Mummy" و"Gladiator" للمخرج البريطاني ريدلي سكوت و"الاسكندر" Alexander" للمخرج الأميركي أوليفر ستون وغيرها.
بالإطلالة ذاتها والشموخ نفسه يودع قصر أيت بنحدو زائريه كما استقبلهم، بعدما اختصر لهم الكثير من معمار المغرب وثقافته، إذ يكفي الجلوس على مصطبة مسقوفة في زقاق ضيق لمعرفة كيف كان المغاربة الأولون يجتمعون لمناقشة أمور القبيلة، كما قال أحد الزوار.


مقالات ذات صلة

«إتاحة الشواطئ»... توجيهات رئاسية تعيد رسم سواحل مصر

يوميات الشرق قرى سياحية بالساحل الشمالي الغربي لمصر (إعلان لإحدى القرى على «فيسبوك»)

«إتاحة الشواطئ»... توجيهات رئاسية تعيد رسم سواحل مصر

أعادت توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ، الحديث عن إعادة رسم سواحل مصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا جانب من نشاط الغوص بمحمية نبق (وزارة البيئة)

مصر لتعزيز الاستثمارات السياحية في المحميات الطبيعية

تسعى مصر لتطوير وتنمية المحميات الطبيعية وتعزيز فرصها كروافد للاستثمار السياحي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق ضوابط دخول القرى السياحية الفاخرة أثارت جدلاً واسعاً في مصر (فيسبوك)

ضوابط دخول قرى فاخرة بـ«الساحل الشرير» تعكّر مزاج أثرياء مصريين

فجّرت مقاطع فيديو وتصريحات ملّاك بقرى الساحل الشمالي المصري، والتي تضمنت اعتراضات ضد ضوابط دخول تلك القرى، جدلاً «سوشيالياً» واسعاً.

أحمد عدلي (القاهرة)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
TT

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب (جهاز صوتي يُستخدَم على السفن للتحذير عند ضعف الرؤية) لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن مسؤول محلّي.

ووقعت الحادثة مؤخراً، بعدما أطلق شخص بوق الضباب من على سفينة كانت تبحر في أحد المضائق البحرية شمال غربي سفالبارد، على مسافة نحو ألف كيلومتر (620 ميلاً) من القطب الشمالي.

وأكد حاكم الإقليم، الخميس، أنَّ الشخص، الذي لم تُكشف هويته، غُرّم 50 ألف كرونة نرويجية (نحو 3890 جنيهاً إسترلينياً) على خلفية الواقعة.

وتنصُّ اللوائح المحلية في المنطقة على أنه «يُحظَر إزعاج الدب القطبي أو استدراجه أو ملاحقته من دون داعٍ». وأُعلن الدب القطبي من الأنواع المحمية في سفالبارد عام 1972.

وكان آخر تقدير علمي لأعداد الدببة القطبية في الأرخبيل، أُجري عام 2015، قد أحصى نحو 250 دباً قطبياً.

وقال حاكم سفالبارد، لارس فوس، في بيان، إنَّ ركاب السفينة، خلال مرورها بالقرب من الحيوان، «يُقال إنهم شاهدوا دباً قطبياً نائماً على اليابسة».

وأضاف أنّ «شخصاً على السفينة استخدم بوق السفن، ممَّا أدى إلى إيقاظ الدب الذي انتقل إلى مكان آخر».

ووافق الشخص المعني على دفع الغرامة. وليست هذه المرة الأولى التي تُفرَض فيها غرامة على أشخاص بسبب إزعاج الحيوانات في منطقة سفالبارد.

فعام 2024، غُرِّم سائح 11500 كرونة نرويجية (نحو 900 جنيه إسترليني) بعدما اقترب أكثر مما ينبغي من حيوان الفظ.

وينصُّ قانون البيئة في سفالبارد على ضرورة أن تُجرى جميع حركات التنقل في الأرخبيل بطريقة لا تؤدّي إلى إزعاج غير ضروري للحياة البرّية المحلّية، التي تشمل الدببة القطبية، والفقمات، والحيتان، وحيوانات الرنة، والثعالب القطبية.


هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
TT

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)
ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم، إلى جانب منشأة للمعالجة، بالقرب من ميناء لاس بالماس في جزر الكناري.

ورغم أنّ هذه الكائنات معروفة بصعوبة تربيتها، توقَّعت الشركة أن تتمكن، بحلول عام 2025، من إنتاج 3 آلاف طن من لحم الأخطبوط سنوياً في جزيرة غران كناريا.

وأعقب ذلك سنوات من الجدل؛ إذ ندَّد ناشطون وعلماء بخطط تربية حيوان يحظى بإشادة واسعة لما يتمتّع به من «ذكاء»، بعدما اقترب من مكانة النجوم قبل 5 أعوام، بفضل الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة «الأوسكار»، «أستاذي الأخطبوط».

وذكرت «الغارديان» أنه مع حلول نهاية يوليو (تموز) 2026، تراجعت «نويفا بيسكانوفا» عن خطط إنشاء المزرعة. فما أسباب ذلك؟ وما التداعيات المُحتملة على مستقبل صناعة تربية الأخطبوط؟

أبلغت «نويفا بيسكانوفا» هيئة ميناء جزر الكناري بأنها تنسحب من المشروع لأسباب «تجارية وتنظيمية». وفي المقابل، سارع الناشطون، الذين لطالما عارضوا مشروع المزرعة، إلى إعلان القرار انتصاراً لهم. وأكد حزب «باكما» الإسباني المعني بحقوق الحيوان في بيان: «أثمرت جهود الضغط الاجتماعي والعلمي والسياسي في مواجهة هذه الفظاعة الأخلاقية والبيئية».

وقال عالم الأحياء البحرية المشرف على أنشطة الاستزراع المائي في «نويفا بيسكانوفا»، روبرتو روميرو بيريز، في تصريح سابق: «الحقيقة أننا نجد أن الموقف أشد عداءً قليلاً ممّا توقعنا».

من جهتها، عبَّرت الصحافية في صحيفة «كانارياس7»، سيلفيا فرنانديز دياز، التي تابعت القضية منذ بدايتها، عن اعتقادها بأن الاحتجاجات ضدّ المشروع في الجزيرة لم تكن حركة جماهيرية؛ إذ نادراً ما تجاوز عدد المشاركين فيها بضع عشرات. وقالت: «في اعتقادي، الحقيقة أن مشروع المزرعة لم يُنجز لأنه غير مجدٍ، وليس بسبب الرفض الشعبي».

وفي سياق متصل، كشفت مصادر في هيئة ميناء لاس بالماس أنّ أحداً من «نويفا بيسكانوفا» لم يتواصل معها، وأنه لم تُنفذ أي أعمال لإنشاء المزرعة.

وفي السياق عينه، أكد عالم الأحياء البحرية في جامعة توهوكو باليابان، إيان جليدال، الذي أمضى 50 عاماً في دراسة الأخطبوط، أنه حاول على مدى عامين الحصول على ردّ من «نويفا بيسكانوفا» بشأن مشروع جزر الكناري، من دون جدوى.

وأشار إلى أنه «حدث الشيء نفسه هنا في اليابان، مع شركة الصيد (نيسوي). ومع أنّ الشركة ادعت أنها نجحت في حلّ المشكلة، وأنها ستنتج كميات هائلة من الأخطبوط، فإنّ ذلك لم يحدث قط.

وأوضح جليدال أنّ تربية الأخطبوط ظلَّت حتى الآن مهمّة شبه مستحيلة؛ لأنّ يرقات الأخطبوط الشائع تقضي ما لا يقلّ عن 20 يوماً طافية في الماء قبل أن تستقر في قاع البحر، ممّا يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أمراً صعباً. وحتى بعد ذلك، تكون صغار الأخطبوط شديدة الحساسية، ممّا يعرّضها للموت عند حدوث أي خلل.

وأضاف أنّ هناك مشكلة كبيرة أخرى تتمثّل في غذاء الأخطبوط: «أحد أنواع الغذاء معجون مصنوع من الأسماك. إلا أنه حتى لو أكل الأخطبوط هذا الغذاء، فلن يستمر في تناوله، لأنه شديد الانتقائية في طعامه؛ فهو لا يحب أن يأكل الشيء نفسه يوماً بعد يوم».

وقال: «حتى لو تمكنت من حلّ مشكلة الغذاء، فإن الاحتمال الأكبر أن تنفق على العلف أكثر من القيمة التي يمكن أن يحققها الأخطبوط في السوق».

من ناحية أخرى، ثمة اعتراضات أخلاقية على تربية الأخطبوط، تتركز حول أنّ هذه الكائنات تعيش منفردة ولا تميل إلى الاختلاط، فضلاً عن دراسات خلصت إلى وجود «أدلّة قوية» على امتلاكها القدرة على الإحساس والوعي.

وفي هذا الصدد، قال مؤلِّف كتاب «الحياة في مزرعة الأخطبوط»، ريتشارد شوايد، إن كثيراً من علماء الأحياء البحريّة يرون أن للأخطبوط ليس 9 أدمغة فحسب، وإنما عقل كذلك، مضيفاً: «هذا أمر نربطه عادةً بالكائنات الأعلى مرتبة من الثدييات، مثل الكلاب والقطط والرئيسيات والبشر».

وفكرة أنّ الأخطبوط يُشبهنا بطريقة ما، أو على الأقل يُشبه بعض حيواناتنا الأليفة، لاقت رواجاً بفضل فيلم «أستاذي الأخطبوط» لكريغ فوستر، الذي بدا فيه أن فوستر نفسه يُقيم علاقة متبادلة مع أنثى أخطبوط.

وعن ذلك، قال شوايد: «يُعدّ الأخطبوط نموذجاً مثالياً أمام البشر لإضفاء الصفات البشرية عليه، فهو ذكي جداً، وسريع الاستجابة، ومع ذلك مختلف إلى درجة يصعب معها فهمه».

وبغضّ النظر عن حقيقة أسباب توقّف المشروع الإسباني، لم ينجح أحد حتى الآن في استزراع الأخطبوط، باستثناء مشروع صغير في المكسيك استزرع نوعاً مختلفاً عن الأخطبوط الشائع (Octopus vulgaris) الموجود في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

ومع أنّ الأخطبوط يبدو في مأمن من الاستزراع حالياً، فإنّ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تُقدّر أن نحو 370 ألف طن من الأخطبوط تُصطاد سنوياً، معظمها قبالة سواحل المغرب وموريتانيا. وتُعدّ الصين واليابان من أهم أسواق الأخطبوط، بينما تستهلك إسبانيا نحو 40 ألف طن سنوياً، أي نحو كيلوغرام واحد للفرد.

ومع ارتفاع درجة حرارة المياه عالمياً، يجد الأخطبوط طريقه إلى موائد الطعام في مناطق جديدة. فعلى سبيل المثال، شهدت المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين أكبر ازدهار لصيد الأخطبوط منذ عام 1950.

يُذكر أنّ الأخطبوط يتميّز بنموه السريع ودورة حياته القصيرة، علاوة على أنه غني بالعناصر الغذائية ويحظى بطلب كبير، ممّا يشجع على إيجاد طرق لتربيته.

وعن ذلك، قال شوايد: «إنّ معدل تحويل ما يأكله الأخطبوط إلى لحم غني بالبروتين وقليل الدسم أفضل بكثير من أي نوع من الماشية البرّية». واستطرد: «يمكن أن يوفر الأخطبوط لحماً مستزرعاً أكثر استدامة، من الناحية البيئية، من لحم البقر أو الدواجن، وفي عالم يتأثر بارتفاع درجات الحرارة، قد يصبح خياراً مفضلاً للحوم».

وفي غضون ذلك، يُرجّح أن تبقى قوة الحجة الأخلاقية ضد تربية الأخطبوط سلاحاً قوياً في ترسانة معارضيها. وعن ذلك، قالت الناشطة في منظمة «الرحمة في الزراعة العالمية» (كمباشن إن وورلد فارمينغ)، شارلوت ريد: «الأخطبوط حيوان برّي شديد الذكاء، ويعيش بطبيعته في عزلة. هذه حيوانات برّية، ومكانها الطبيعي البرية، وليس تلك السجون تحت الماء».


لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)
TT

لماذا لا تستطيع التوقف عن التمرير على هاتفك؟

«التمرير القهري» (أ.ب)
«التمرير القهري» (أ.ب)

قد يبدأ الأمر بدقائق قليلة من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجد المستخدم نفسه، بعد ساعة أو أكثر، ما زال يمرر الشاشة بحثاً عن منشور جديد أو خبر آخر. هذه العادة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، قد ترتبط بآلية نفسية وبيولوجية أعمق تجعل التوقف عن التمرير أكثر صعوبة مما نتخيل.

وحسب موقع «كيتال نيوز»، يرتبط ذلك، في جانب منه، بطريقة عمل الدماغ البشري، الذي يميل بطبيعته إلى إيلاء اهتمام أكبر للمحتوى الذي يحمل طابعاً سلبياً، خصوصاً عندما يتعلق بالخوف أو الغضب أو الأخبار السيئة. وعندما يظهر هذا النوع من المحتوى أمام المستخدم، قد يجد نفسه أكثر ميلاً إلى التوقف عنده، ثم مواصلة التمرير بحثاً عن المزيد.

وتقوم منصات التواصل الاجتماعي على إبقاء المستخدم في حالة ترقب لما سيظهر أمامه في التمريرة التالية. فقد يصادف خبراً مثيراً، أو صورة لافتة، أو تعليقاً يثير غضبه أو فضوله. ومع كل تمريرة، يتجدد هذا الفضول، فيستمر في البحث عن محتوى أكثر إثارة، من دون أن يدرك أن دقائق قليلة من التصفح تحولت تدريجياً إلى وقت طويل أمام الشاشة.

وتزداد هذه الحلقة السلوكية وضوحاً مع ما يعرف باسم «التمرير المظلم» (Doomscrolling)، حيث يجد الشخص نفسه عالقاً في متابعة سيل متواصل من الأخبار والمحتوى السلبي. وغالباً ما ترتبط هذه العادة بمشاعر كامنة مثل القلق والتوتر والملل وعدم اليقين.

وقد يتحول البحث المستمر عن «ما الذي يحدث؟» إلى وسيلة للهروب مؤقتاً من مشاعر أكثر إزعاجاً. ومع كل محتوى جديد، يحصل الدماغ على جرعة من الترقب والمكافأة، وهي آلية ترتبط بعمل الدوبامين، الناقل العصبي المرتبط بالتحفيز والمكافأة.

وتشير أبحاث إلى أن التعرض لأنواع معينة من المحتوى الإعلامي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في الحالة العاطفية للإنسان. وقالت الدكتورة كافاكلي، الأستاذة المساعدة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة ولاية لويزيانا في شريفبورت (LSUS)، إن كبرى منصات التواصل الاجتماعي درست هذه الظاهرة وتأثيراتها.

وأضافت كافاكلي أن «فيسبوك» أجرى، خلال العقد الماضي، تجارب بحثية لدراسة تأثير تعريض المستخدمين لأنواع مختلفة من المحتوى في حالتهم العاطفية، موضحة أن الأشخاص الذين عُرضت عليهم أخبار سلبية خرجوا بتصورات أكثر سلبية عن العالم من حولهم.

ولا يحتاج الأمر دائماً إلى دراسة علمية حتى يلمس المستخدم هذا التأثير بنفسه، فكثيرون يجدون أنفسهم منجذبين، بصورة متكررة، إلى الأخبار المثيرة للجدل والمحتوى الغاضب، حتى وهم يدركون أن متابعته لا تجعلهم يشعرون بصورة أفضل.

ويصف كاميرون بيرس، الطالب في جامعة LSUS، تجربته مع هذه العادة قائلاً إنه كان يمارس «التمرير المظلم» بصورة أضرت بصحته، لكنه في الوقت نفسه وجد صعوبة في التوقف عنه.

وقال بيرس: «لم أكن أريد رؤية الأشياء الإيجابية، بل كنت أريد رؤية الجدل والخلافات، والأشياء التي أختلف معها». وأضاف أن الإنسان، بطبيعته، يميل أحياناً إلى البحث عن الجانب السلبي والاستمتاع بقراءة الأمور المثيرة للجدل، معتبراً أن ذلك قد يشكل نوعاً من التنفيس.

لكن المشكلة، وفق الخبراء، أن هذا التنفيس قد يتحول إلى دائرة مغلقة. فالشخص يشعر بالقلق أو الملل، فيفتح هاتفه بحثاً عن شيء يشتت انتباهه، ثم ينجذب إلى الأخبار السلبية، فيزداد توتره أو قلقه، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الهاتف بحثاً عن مزيد من المعلومات.

واللافت أن كثيراً ممن يمارسون «التمرير المظلم» لا يدركون بالضرورة أنهم دخلوا في هذه الحلقة السلوكية، ولا ينتبهون إلى الأسباب العاطفية التي تدفعهم إلى الاستمرار فيها.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذه الدائرة هي ببساطة الانتباه إليها: لماذا فتحت الهاتف؟ وما الذي تبحث عنه تحديداً؟ وهل أصبحت الأخبار التي تتابعها تجعلك أكثر معرفة بما يحدث، أم أنها تجعلك أكثر قلقاً؟

ويؤكد الخبراء أن إدراك هذه الحلقة والتعرف على المحفزات العاطفية التي تقف وراءها يمكن أن يساعدا بصورة كبيرة في الحد من هذه العادة. ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في التمرير نفسه، وإنما في السبب الذي يجعلنا نعود إلى الشاشة مرة بعد أخرى، حتى عندما نكون قد قررنا التوقف.