اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

وقعوه وهم يعرفون أنه قد يجلب دولة أو كارثة

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»
TT

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

لقد أراد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، باعتباره الوحيد الذي كان يمكن أن يوقع على اتفاق أوسلو، في ذلك الوقت، وفي مثل تلك الظروف، أن يكون الاتفاق بكل ما له وما عليه، معبرا مؤقتا للدولة الفلسطينية المستقلة. لكن بعد 25 عاما على توقيع الاتفاق الشهير، يتضح أن الجميع علق هناك، في معبر بلا مخرج.
منذ البداية، لم يصف أي مسؤول فلسطيني حتى عرفات نفسه، الاتفاق بأنه جيد، لكنهم كانوا يقولون إنه ممر إجباري وضروري، قرب الفلسطينيين من حلم الاستقلال بعدما كانوا مشردين في الدول الأخرى، فرضته ظروف معقدة، وخلافات مع دول عربية وحرب الخليج التي غيرت المنطقة، وربما حسابات خاطئة.
عرفات والرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وآخرون، كانوا يعرفون جيدا أنه قد يكون اتفاقا جيدا وقد يكون كارثيا. وحين أراد عباس، وهو مهندس الاتفاق، شرح تفاصليه أمام المجلس المركزي عام 1993 قال إن الاتفاق سيكون معبرنا إلى الدولة أو الكارثة.
وعباس نفسه، هو الذي قال لاحقا، إن كل بند في الاتفاق يحتاج إلى اتفاق، لكن يجب أن نكون أقوياء كي يكون الاتفاق لنا وليس علينا.
واتفاق أوسلو هو «اتفاق إعلان المبادئ - حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وكان يفترض أن يكون مؤقتا ينتهي بإقامة دولة فلسطينية بعد 5 سنوات من توقيعه، أي في عام 1998 لكن الاتفاق جرّ خلفه اتفاقات كثيرة منه أسوأ وأكثر تعقيدا، ولم تقرب أي منها الفلسطينيين إلى دولتهم قيد أنملة.
نص الاتفاق الشهير على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى إنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم 242 والقرار رقم 338.
وتم الاتفاق على أن تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، يليها مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، وبما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، على أن تغطي هذه المفاوضات القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك. وفي بنود لاحقة، جاء أنه سيراجع الطرفان، بشكل مشترك، القوانين والأوامر العسكرية السارية المفعول في المجالات المتبقية.
وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، والمُنازعات. وتطرق الاتفاق إلى التعاون الإسرائيلي - الفلسطيني في المجالات الاقتصادية كذلك.
يتضح من النص، لماذا قال عرفات لكوادر من حركة فتح بعد توقيع الاتفاق، أن لا ينزلوا عن الجبل، ولأن النتائج تعرف بخواتيمها، فإن أي دولة فلسطينية بعد 25 عاما، لم تقم بل إن سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية تحولت إلى كانتونات مقسمة ومستباحة، يملأها المستوطنون الذي تضاعفوا مرات، ويغزوها الجنود ليل نهار.
وباختصار شديد، لقد اختزل الإسرائيليون الاتفاق بالتنسيق الأمني على الأرض. واليوم لا يمكن الحكم بشكل مطلق على الاتفاق، لأن لا أحد يعرف كيف كان سيكون الوضع اليوم لو لم يوقع؟
ويقول موقعو الاتفاق، أنه كان اتفاقا مرحليا مهما للغاية، لأنه وضع الفلسطينيين على الطريق إلى الدولة. لكنهم يقرون أنه كان مليئا بالأخطاء، وفي نهاية الأمر، يرون أن إسرائيل هي التي أخلت به ودمرته.
وأقر أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأن المفاوضين وقعوا في خطأ كبير ورئيسي، تمثل في التوقيع على اتفاق لا يتضمن اعترافا إسرائيليا بدولة فلسطين.
ويرى عريقات أنه كان يجب التمسك بهذا الطلب، على الرغم من أنه قوبل برفض إسرائيلي كبير أثناء المفاوضات.
ويصر عريقات على أن توقيع الاتفاق «المرحلي» لم يكن خطأ، متهما إسرائيل بالتهرب من تنفيذ الاتفاق، والاستمرار في فرض حقائق على الأرض دمرت الاتفاق بالكامل.
ويؤمن عريقات اليوم بعد 25 عاما على توقيع الاتفاق، أنه يمكن تصحيح الخطأ الرئيسي، بتعليق الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل إلى حين اعترافها بالدولة الفلسطينية.
لكنه يرى أن ذلك يجب أن يتم في ظل تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، أي بمعنى آخر، تشييع أوسلو.
ليس عريقات فقط، بل كل الذين شاركوا في اتفاق أوسلو، يعتقدون أن الوقت حان لتشييعه.
وقد اعترفت حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، وهي مفاوضة رئيسية كذلك، أنّ أكثر ما أزعجها آنذاك، هو الاتفاق نفسه. وقالت إسرائيل أنهته بالكامل اليوم.
كما أقر القيادي الفلسطيني ياسر عبد ربه، وهو شريك لعرفات في الاتفاق، وكان مقربا منه، بالتسرع في توقيع الاتفاق، مؤكدا كذلك أن عصر أوسلو انتهى. ويدعو عبد ربه إلى الاعتراف بانهيار «اتفاق أوسلو» وفشل الخطة السياسية بشكل ذريع.
لكن يعرف المسؤولون الفلسطينيون أن المسألة ليست مجرد انتقادات أو أمنيات وأن أوسلو في حقيقة الأمر، هو الاتفاق المعمول به إلى الآن اتفاق تقوم بموجبه السلطة، وبموجبه هناك رئيس ورئاسة، ومجلس تشريعي، وأجهزة أمنية، وقادة أجهزة، وحكومة، ورئيس حكومة، ودعم مالي، وشرعية. ولذلك لا يبدو أن أي بديل لأوسلو سهل وممكن.
ويفسر هذا، كيف يفهم الفلسطينيون جيدا، أن الاتفاق مات، لكنهم لم يشيعوه حتى الآن. وقبل أسابيع قليلة فقط، قال عباس لضيوف إسرائيليين إن «أوسلو مات». واختار أن يقول ذلك أثناء دردشة خاصة، وليس في إعلان أو بيان رسمي، متجنبا تعقيدات كثيرة.
لكن مصادر قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه يخطط فعلا لتشييع أوسلو إلى مثواه الأخير.
وأضافت: «يكفي 25 عاما».
وأكدت المصادر، أن عباس قد يعلن ذلك في خطابه المرتقب في الجمعية العامة الشهر الحالي، أو على أبعد تقدير، في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الشهر المقبل.
والاجتماع المنتظر هو الثاني خلال شهرين، ويريد عباس منه طوي صفحة أوسلو وإقامة الدولة الفلسطينية، حتى لو كانت دولة تحت الاحتلال.
ولمح عريقات إلى ذلك بقوله، إن الوضع الراهن يجب أن ينتهي بالفعل. وأضاف: «إسرائيل تريد من أوسلو أن تبقى السلطة من دون سلطة، وتريد احتلالا من دون تكلفة، وتسعى لإخراج غزة من الفضاء الفلسطيني. لكن نحن نقول إن السلطة ولدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الدولة وليس أي شيء آخر، لن تكون السلطة حارس أمن لأحد إما تأتي بالدولة وإما لن تكون».
ويؤمن عريقات أن السلطة ستنهار في ظل الوضع القائم حاليا، لكنه يقول إن البديل اليوم هو في تكريّس الدولة: «الحل هو تجسيد دولة فلسطين على الأرض» ويعني هذا بالضرورة، التخلص من اتفاق أوسلو أولا، ثم إعلان دولة فلسطينية حكومتها تنفيذية المنظمة وبرلمانها هو المجلس الوطني.
وهذه البدائل جاءت في توصيات سابقة لكبير المفاوضين الفلسطينيين، وهي توصيات ليست حديثة بل عمرها سنوات طويلة، لكنها أخذت وقتا طويلا حتى تشق طريقها للتنفيذ.
وهذا التباطؤ في تشيع أوسلو لا يلقي قبولا شعبيا، كما أنه مأخذ كبير على السلطة بالنسبة للمعارضة التي تصف الاتفاق بالخياني.
وأمس فقط، دعا القيادي في حماس محمود زهار، إلى محاسبة الذين وقعوا أوسلو، وهي دعوة لاقت سخرية كبيرة في رام الله، باعتبار «أن حماس انغمست واستفادت وعملت تحت مظلة هذا الاتفاق، بقبولها المشاركة في الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة سقفها كان اتفاق أوسلو».
وحماس مثل فصائل أخرى كثيرة، تدعو إلى إلغاء أوسلو فورا، وهي دعوة قديمة لم تلق أذانا صاغية.
ويرى مراقبون، أنه لا يمكن إلغاء أوسلو مرة واحدة، ومع ذلك يقولون، إنه يجب التصرف باعتباره ليس موجودا. وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، إن الفلسطينيين قد لا يستطيعون إلغاء أوسلو مرة واحدة، لكن يجب وضع تصور يتعامل مع الأمر كعملية لها بداية ونهاية وليست مفتوحة للأبد. ويرى المصري، أنه لا بد من التصرف، على الأقل، على أساس أن أوسلو غير موجود، بعدما قتلته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي يجب أن تتحمل المسؤولية عن جريمتها، وذلك على طريق إلغائه رسمياً.
هذا الإلغاء هو ما يخطط له عباس الآن.
لكن مسؤولين شاركوا في أوسلو يعتقدون أنه لا يمكن التخلص من أوسلو أبدا. بل يمكن التخلص من نقاط فيه أو تعديل اتفاقات تابعة له، أو إنتاج اتفاق جديد مبني عليه.
ويبقى أوسلو الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون.



اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
TT

اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)

أعلن اليمن، الثلاثاء، مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش» الإرهابي، المكنى «أبو حذيفة الأنصاري»، خلال عملية نفذتها قوات خاصة مشتركة تابعة لتحالف دعم الشرعية وقوة مكافحة الإرهاب اليمنية «القوة 22» في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، في ضربة استخباراتية تستهدف أحد أبرز وجوه التنظيم.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن (الاستخبارات)، في بيان، إن العملية نُفذت فجر الثلاثاء، في إطار التعاون وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الجهاز وقيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، موضحاً أن القوات تمكنت من القضاء على المطلوب في أثناء اختبائه في أحد المنازل السكنية بمدينة سيئون.

وأفاد البيان بأن القيادي كان داخل المنزل برفقة 8 مدنيين، بينهم رجل وامرأتان وخمسة أطفال، مشيراً إلى أن القوات تمكنت من إخراج النساء والأطفال ونقلهم إلى مكان آمن من دون تعرضهم للإصابة أو الأذى.

التنظيمات الإرهابية في اليمن سبق لها السيطرة على مناطق واسعة قبل التصدي لها (إعلام محلي)

وتكشف هذه التفاصيل عن حساسية العملية التي جرت في منطقة سكنية مكتظة، إذ أكد الجهاز الأمني اليمني أن القوات تمكنت من تنفيذ المهمة وتحييد المطلوب من دون وقوع أضرار جانبية بالممتلكات أو المدنيين في الحي.

ووفق البيان، أسفرت العملية كذلك عن إلقاء القبض على شخص كان موجوداً مع «أبو حذيفة الأنصاري» داخل المنزل، بعد مقاومته للقوات وإصابته خلال التعامل معه، قبل تقديم العلاج الطبي له ونقله إلى مكان آمن.

المضبوطات في الموقع

خلال عملية مسح الموقع وجمع الأدلة، عثرت القوات اليمنية على عدد من المضبوطات، بينها حزام ناسف جرى إبطاله وتفجيره لتحييد خطره على المدنيين، إضافة إلى جهازي كمبيوتر محمول، وخمسة جوالات، وجهازين لوحيين.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن إن المضبوطات جرى تحريزها، فيما استكملت الجهات المختصة إجراءات الاستدلال والتوثيق، قبل أن تغادر القوات الخاصة المشتركة منطقة العمليات بعد نجاح تنفيذ المهمة.

تنظيم «داعش» في اليمن خسر أغلب قدراته العسكرية على الأرض (إعلام محلي)

وتشير المضبوطات الإلكترونية، في حال أظهرت عمليات الفحص محتويات ذات صلة بنشاط التنظيم، إلى احتمال أن توفر العملية معلومات إضافية عن شبكات الاتصال والاتصالات الرقمية للقيادي القتيل، خصوصاً أن استهداف القيادات الإرهابية يعتمد بدرجة كبيرة على ما يمكن استخلاصه من الأجهزة التي تضبط في مواقع العمليات.

ولم يكشف البيان عن تفاصيل إضافية بشأن هوية «أبو حذيفة الأنصاري» أو موقعه داخل الهيكل التنظيمي لـ«داعش»، مكتفياً بوصفه متحدث التنظيم، كما لم يوضح طبيعة المعلومات التي قادت القوات إلى المنزل أو الفترة التي قضاها القيادي مختبئاً في سيئون.

تعاون استخباراتي

تبرز العملية، بحسب الجهاز المركزي لأمن الدولة، بوصفها نتيجة مباشرة للتعاون الاستخباري بين الأجهزة اليمنية والقوات المشتركة للتحالف، إذ أشار البيان إلى تبادل المعلومات بشأن المطلوبين، والاستفادة من منظومات المراقبة والاستطلاع الاستخباري، إلى جانب التخطيط والتدريب العملياتي لتنفيذ المهمة.

ويأتي استهداف متحدث «داعش» في وقت تراجعت فيه قدرة التنظيم على الاحتفاظ بمناطق نفوذ واسعة في اليمن، بعد سنوات من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت عناصره وقياداته وشبكاته.

وكان التنظيم قد ظهر في اليمن بصورة علنية في أواخر عام 2014، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الحرب، وتمكن من بناء وجود في مناطق عدة، خصوصاً في البيضاء وأجزاء من حضرموت وشبوة، قبل أن يتعرض لضربات متتالية أدت إلى تراجع قدراته الميدانية.

ومع خسارته القدرة على فرض وجود جغرافي واسع، اتجه التنظيم إلى العمل عبر خلايا محدودة، والاعتماد على الاختباء في المناطق النائية أو داخل البيئات السكنية، وتنفيذ هجمات متفرقة باستخدام العبوات والمتفجرات.

ويمثل مقتل متحدث التنظيم ضربة تتجاوز الجانب الميداني، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المنظومة الإعلامية في الحفاظ على التواصل بين القيادة والخلايا والأنصار، خصوصاً بالنسبة إلى تنظيم فقد معظم قدرته على السيطرة المكانية.

ويؤكد الجهاز المركزي لأمن الدولة أن الحكومة اليمنية ستواصل ملاحقة المطلوبين من عناصر التنظيمات الإرهابية وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة، مشدداً على استمرار التنسيق مع التحالف والشركاء الدوليين في جهود مكافحة الإرهاب.

وقال الجهاز إن اليمن «لن يكون ملاذاً لهم»، في رسالة تعكس سعي السلطات إلى منع التنظيمات الإرهابية من استغلال المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية فراغات أمنية أو صراعات محلية لإعادة بناء شبكاتها.


«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
TT

«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)

بدأت الجماعة الحوثية استنفارها الأمني وإعداد خطة استخباراتية لمواجهة احتفالات اليمنيين بذكرى «ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962»، قبل موعدها بنحو شهر، سعياً إلى منع تحول هذه المناسبة فرصةً للتخلص من سلطتها والتعبير عن رفض ممارساتها ونفوذها، وذلك بالتزامن مع التصعيد والمواجهات العسكرية مع الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة بدأت حملات الاعتقالات وتشديد الرقابة، التي تستهدف التجمعات والأنشطة واللقاءات الاجتماعية، ووضع قيود عليها، وتشديد الرقابة على أي أنشطة اجتماعية خارج نطاق إدارتها، إلى جانب فرض حالة تشبه منع التجول في الأوقات المتأخرة من الليل في كل الشوارع والأحياء والحارات.

ووفق المصادر، فقد اعتقلت شرطة الجماعة، خلال الأيام القليلة الماضية، مئات الشبان المتجمعين في سهرات ليلية بمختلف مناطق العاصمة المختطفة صنعاء، واقتادتهم إلى الأقسام ومقار الاحتجاز، حيث جرى التحقيق معهم بسرعة وإطلاق سراح غالبيتهم بعد إلزامهم التوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع.

وشملت هذه الإجراءات المشردين الذين طاردتهم عناصر الجماعة لإبعادهم عن مراكز الازدحام والأسواق، وكذلك شملت المتسولين الذين مُنعوا من الخروج خلال ساعات الليل.

اليمنيون يعدّون الاحتفال بذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» إحدى وسائل مواجهة الحوثيين (غيتي)

وقال سكان في السنينة، وهو حي مزدحم غرب صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة نشرت عدداً كبيراً من الدوريات والعناصر الراجلة للعمل خلال ساعات الليل وملاحقة واعتقال الشباب والأطفال الذين يتجمعون في الأحياء والحارات لقضاء أوقاتهم في مضغ نبتة القات أو اللعب، وإجبارهم على العودة المبكرة إلى المنازل.

وأضافوا أن الباعة المتجولين مُنعوا من العمل أو الوجود في المناطق المزدحمة منذ المغيب، ودُفعوا إلى الانتقال لداخل الحارات.

وتستعد الجماعة لإغراق المجال العام بشعارات وفعاليات احتفالية بذكرى «21 سبتمبر 2014» وهو يوم سيطرتها على صنعاء، ضمن ما يرى فيه اليمنيون مساعيَ حثيثة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وطمس الهوية الوطنية المرتبطة بـ«ثورة 26 سبتمبر 1962» التي أطاحت أسلاف الجماعة ونظامهم الإمامي.

إجراءات مبكرة

وفق المصادر، فقد لجأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة للحوثيين إلى إعداد خطة تتضمن إجراءات مشددة لمنع حدوث احتفالات شعبية في أي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعة، وحظر أي دعوة لأي تجمعات في الميادين والساحات العامة، والرقابة الصارمة على وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل مع أي دعوة أو إعلان عن الاحتفالات الجماعية.

الحوثيون يعتزمون تكثيف تجمعات أنصارهم للتغطية على احتفالات اليمنيين بـ«ثورة سبتمبر 1962» (رويترز)

وكشفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن الخطة تتضمن إجراءات استباقية للحد من مظاهر الاحتفالات الشعبية بذكرى الثورة، كالرقابة على بيع الأعلام والزينات، وإلزام التجار والباعة عدم البيع إلا بأعداد محدودة، والإبلاغ عن أي طلبات لكميات كبيرة والكشف عن هوية أصحابها.

وتعتزم الجماعة تكثيف احتفالاتها بذكرى انقلابها على الدولة والتوافق السياسي، وزيادة فعاليات التجمعات المؤيدة للتصعيد العسكري والبحري، وتبني خطاب يربط جميع الاحتفالات والتجمعات بذكرى «الثورة والانقلاب معاً»، إلى جانب مؤازرة العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية ومناطق سيطرتها.

ويعدّ اليمنيون الاحتفالات الحوثية بذكرى الثورة مجرد ادعاء؛ لأنهم يرون في فكر الجماعة وممارساتها نقيضاً كاملاً لمبادئ «ثورة 26 سبتمبر» والنظام الجمهوري الذي نشأ منها. فالثورة قامت في عام 1962 لإطاحة نظام الحكم الإمامي الذي يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم امتداداً فكرياً وسلالياً يسعى إلى إعادته بصيغة جديدة.

«ثورة 26 سبتمبر 1962» تمثل إلهاماً لليمنيين يضاعف مخاوف الحوثيين (إكس - أرشيفية)

وتتضمن الخطة نشر الشائعات عن احتمالية استهداف واختراق التجمعات الشعبية ووقوع أعمال عنف مما يهدد بسقوط ضحايا، ضمن مزاعم الجماعة بوجود نيات لاستهدافها من أعداء خارجيين.

خوف من الذاكرة

تعتمد الخطة الأمنية على توجيه الدعوات المباشرة، وبرسائل ورقية توزع في كل الأحياء، للسكان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية التي تنظمها الجماعة بهذه المناسبة وربطها باحتفالاتها بذكرى سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، مع التحذير من الاستجابة لدعوات تصدر من أفراد أو جهات لا تتبع الجماعة للاحتفال بذكرى الثورة منفردة.

كما تتضمن الخطة تكثيف حملات الاعتقالات، ليس فقط ضد من يدعون إلى الاحتفال، بل وتوسيع الحملات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات بغرض ترهيب السكان، وتوسيع محاكمة المعتقلين الحاليين، وزيادة المساحات الإعلامية المخصصة لتغطية هذه الإجراءات.

وشدّد معدو الخطة الحوثية على ضرورة تعزيز الرقابة المفروضة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب السياسية، لا سيما قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر الشعبي»، ومنع أي فعاليات أو لقاءات حزبية إلا بموافقة من الجهات الأمنية وتحت إشرافها.

الاستنفار الأمني الحوثي يزداد كل عام مع اقتراب ذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» (أ.ف.ب)

ومن المقرر، طبقاً للخطة، أن تُصدر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي بيانات وخطابات تستهدف الدعوات الشعبية إلى الاحتفال، وتُشرعن إجراءات القمع والاعتقالات بالتحذير مما تسميها «مخططات مدفوعة من الخارج» تهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار» و«شق الجبهة الداخلية».

وتنوي سلطات الجماعة فرض رقابة صارمة على قطاع التعليم والدوائر الحكومية، ومنع المدارس والجامعات من تنظيم أي فعاليات أو إذاعات مدرسية تحتفي بالثورة دون إشراف مباشر منها.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا الاستنفار الحوثي غير المسبوق يعكس «فوبيا» حقيقية لدى قيادة الجماعة من أي تحرك شعبي عفوي خارج عن سيطرتها.

ولم يعد «سبتمبر» مجرد ذكرى تاريخية بالنسبة إلى اليمنيين، بل تحول إلى أداة مقاومة مدنية وأسلوب احتجاج سلمي للتعبير عن الضيق من تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، والقبضة الأمنية الخانقة في مناطق سيطرة الجماعة.


حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)

تتجه حضرموت إلى دخول الاستحقاقات السياسية المقبلة برؤية تتجاوز المطالب الخدمية والتنموية، وتضع شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة في قلب مشاركتها في أي تسوية يمنية، إذ أقر المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الفيدرالية خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، مؤكداً أن المحافظة طرف أصيل في المعادلة الوطنية، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُحدَّد من دون مشاركة أبنائها.

ويأتي ذلك بينما تُستكمَل الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، في مسعى لإنتاج رؤية سياسية موحدة لمستقبل الجنوب ضمن مسار الحل الشامل في اليمن. وتمنح المواقف الحضرمية الجديدة المحافظة ورقة تفاوضية مبكرة، خصوصاً مع إصرارها على أن تكون مشاركتها في الحوار بوصفها طرفاً حضرمياً مستقلاً، لا مجرد امتداد لمكونات جنوبية أخرى.

وفي ختام أعماله بمدينة المكلا، اعتمد المؤتمر المشروع السياسي للمجلس، إلى جانب «الرؤية الحضرمية للحوار الجنوبي الشامل»، مرجعيتين لمواقفه وخياراته السياسية. كما شدَّد على رفض أي ترتيبات سياسية أو دستورية أو إدارية أو اقتصادية تخص حضرموت من دون مشاركة حضرمية فاعلة في صياغتها واتخاذ القرار بشأنها.

تأييد حضرمي لإجراءات مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين (إعلام محلي)

ولم يطرح المؤتمر «الفيدرالية» بوصفها صيغة نهائية مفروضة، بل بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش ضمن أي تسوية وطنية شاملة، مع ربطها بمنح حضرموت صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة.

ويرفض المجلس، وفق مخرجات المؤتمر، إعادة إنتاج أنماط المركزية السياسية والاقتصادية والإدارية، التي يرى أنها أسهمت في اختلال توزيع السلطة والثروة وأعاقت التنمية والاستقرار.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتثبيت قضية حضرموت على مسار موازٍ للنقاش الأوسع حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية، خصوصاً أن المؤتمر وصف المحافظة بأنها «قضية سياسية أصيلة ومشروع سياسي مستقل».

وطالب المشاركون بتمثيل عادل لحضرموت في المناصب السيادية والعليا ومؤسسات الدولة المركزية، مع مراجعة أوضاع التعيينات بما يحقق العدالة والتوازن. كما فوضوا قيادة المجلس بتشكيل الوفود الحضرمية المشاركة في الحوار الجنوبي وأي مفاوضات مستقبلية، على أساس التوافق وتنوع المكونات والكفاءة والخبرة.

وزكّى المؤتمر سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وفوضه باختيار هيئة الرئاسة وإعلانها خلال أسبوعين، إلى جانب توسيع دائرة الحوار والتشاور بما يضمن تمثيل مختلف القوى والأطياف السياسية والمجتمعية.

النفط في قلب المعادلة

لا تنفصل المطالب السياسية الحضرمية عن الملف الاقتصادي، إذ وضع المؤتمر ثروات حضرموت الطبيعية في صلب رؤيته لمستقبل المحافظة، معلناً أن مواردها حق أصيل لأبنائها وأساس لتنميتها واستقرارها.

وطالب المؤتمر بإدارة واستثمار النفط والغاز والمعادن وفق مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة والحوكمة، رافضاً استئناف تصدير النفط من حضرموت قبل ضمان حقوق المحافظة واستحقاقاتها، وفي مقدمتها حصتها البالغة 20 في المائة.

ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع الحضرمي في تأسيس المجلس التنسيقي (إعلام حكومي)

كما دعا إلى وضع آلية تنفيذية محددة زمنياً لتنفيذ ما ورد في بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، وفوض قيادة المجلس بمتابعة الملف مع الجهات المعنية.

ويكشف الجمع بين المطالب السياسية والاقتصادية عن رغبة حضرمية في تحويل قضية الموارد من ملف مالي محلي إلى أحد مرتكزات التفاوض على شكل العلاقة بين المحافظة والدولة، بما يربط إدارة الثروة بمستقبل توزيع السلطة.

الأمن... والعلاقة الإقليمية

في الجانب الأمني، وضع المؤتمر حماية حضرموت وسكانها وثرواتها ومنافذها ومؤسساتها في مقدمة الأولويات، داعياً إلى بناء وتأهيل وتدريب وتسليح مؤسسات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية تعمل وفق القانون.

كما أعلن رفض الإرهاب والتطرف والفوضى، وكل ما يهدد السلم الأهلي أو يستهدف المواطنين ومؤسسات الدولة والمصالح العامة.

وفي المقابل، حملت المخرجات رسالة واضحة بشأن علاقة حضرموت بالسعودية، إذ ثمّن المؤتمر العلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين الجانبين، ودعا إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن، والتنمية، والاستثمار، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية.

جانب من الحضور النسائي في أعمال المؤتمر الحضرمي (إعلام حكومي)

وأدان المشاركون هجمات الحوثيين والميليشيات الموالية لإيران على السعودية، معلنين تضامنهم معها، ورفض أي مساس بأمنها وسيادتها واستقرارها، وعادّين أن أمن المملكة جزء من أمن حضرموت واليمن واستقرارهما.

كما أيَّد المؤتمر القرارات والإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الحوثيين، مؤكداً دعمه كل ما من شأنه حماية الدولة والمواطنين، وصون الأمن والاستقرار.