7 آلاف قتيل فلسطيني و800 ألف مستوطن يغلقون الطريق إلى حل الدولتين

نتنياهو يريد حرباً دبلوماسية وأمنية تنهي حلم الحركة الوطنية الفلسطينية

TT

7 آلاف قتيل فلسطيني و800 ألف مستوطن يغلقون الطريق إلى حل الدولتين

مع أن اليمين الإسرائيلي الحاكم، نجح في إطلاق رصاصة القتل على ما تبقى من بنود تحتاج إلى تطبيق في «اتفاقيات أوسلو»، وتمكن من وضع عراقيل جمة في طريق تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، في مقدمتها مضاعفة عدد المستوطنين أربع مرات (من 100 ألف مستوطن سنة 1992، أي قبل أوسلو، إلى 400 ألف اليوم)، فقد احتفل بالذكرى المئوية الخامسة والعشرين لهذه الاتفاقيات، شاكياً من أنها ما زالت تلحق أضراراً بمصالح إسرائيل، ويطالب بإلغائها. وبالمقابل، لا يسمع في أوساط المجتمع الإسرائيلي صوت القيادات السياسية التي ما زالت تؤمن بمبادئ تلك الاتفاقيات. وهي تشكو تبعات سياسة اليمين على عملية السلام ومستقبل الأجيال القادمة، وتولول بأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تحول اليهود إلى أقلية في دولتهم. لكن هذا التيار، لا ينجح في وضع قضية السلام على أجندة المجتمع، ويبدو عاجزاً كسولاً، وحتى نائماً في هذا المجال، لدرجة أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لم يعد يشعر بوجود معارضة.
لقد تجاهل نتنياهو، في جلسة حكومته، أمس (الأربعاء)، اليوبيل الفضي لاتفاقيات أوسلو، واختار الترحيب بقرار الإدارة الأميركية إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، علماً بأن إسرائيل، اعترفت بموجب تلك الاتفاقيات، بمنظمة التحرير لأول مرة. فكأنه يغلق هذه الدائرة ويحتفي بالضربة الأميركية المعنوية للمنظمة وما تمثله.
لكن مجلس المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حليف نتنياهو في الحكم، لم يتجاهل المناسبة، وأصدر بياناً خاصاً ذكّر فيه الجمهور بأن اتفاقيات أوسلو مرت بأكثرية ضئيلة في حينها (61 مؤيداً مقابل 51 معارضاً في البرلمان الإسرائيلي)، و«قسمت الشعب اليهودي ومزقته إرباً». واعتبرها «أسوأ اتفاقيات وقّعتها إسرائيل عبر تاريخها». و«ثبت فيها أن العرب لم يقصدوا حقاً أن يطبقوا هذه الاتفاقيات ويجنحوا إلى السلام، بل رأوا فيها خطوة في مسيرة طويلة لتدمير إسرائيل. فقد اقترح عليهم إيهود باراك أن يقيموا دولة على 91 في المائة من الأرض فرفضوا. واقترح عليهم إيهود أولمرت كل المناطق تقريباً ورفضوا، وضاعفوا عمليات الإرهاب. وأقاموا سلطة تدير شؤونهم كلها تقريباً، فكانت سلطة فاشلة بكل المقاييس، تمول عائلات الإرهاب». وقال بيان المجلس «عندما انسحبنا من قطاع غزة اختاروا سلطة (حماس)، التي لا تكترث لأحوالهم المعيشية. وبدلاً من ذلك تهتم بشراء الأسلحة وبناء الأنفاق العسكرية». وأضاف مجلس المستوطنات، إن «اتفاقيات أوسلو لم تعد قائمة اليوم». واستخلص بأن المستوطنات «هي الحل». وأنها «المفتاح لتحقيق الهدوء وتطور المنطقة». فالعرب برأي المجلس «يستطيعون العيش في المكان من دون دولة. لم تعد هناك مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وعلى إسرائيل أن تدخل كل المناطق. وينبغي أن نجد آليات وأنظمة تتيح إدارة شؤونهم اليومية».
وقال مئير ادور، رئيس «لجنة مصابي الإرهاب - المغور»، إن «اتفاقيات أوسلو مجرد وهم، وهي لم تعد قائمة. مناطق السلطة الفلسطينية هي مجرد مسخ مدجج بنحو 20 ألف مقاتل فلسطيني حملناهم البنادق والمجنزرات. وقد حان الوقت لتصحيح الأضرار التي نجمت عن هذه الاتفاقيات. يجب أن نزوّد المبعوثين الأميركيين جارد كوشنير وجيسي غرينبلات، بالمعلومات عن حدود قدرتنا على التحمل كي لا يتم تكرار التجربة. محظور توسيع الإدارة الذاتية للسلطة ومحظور تحويلها إلى دولة. بل يجب سحب مسؤولية الأمن من السلطة في المنطقة (أ). وينبغي أن لا ينسى أحد أنه منذ حرب 1967 وحتى أوسلو، قتل 415 إسرائيلياً، ومنذ أوسلو قتل 1700 إسرائيلي. فمع سلام كهذا، لا نحتاج إلى أعداء».
ونشرت منظمة «قيادة يهودية» اليمينية، دراسة جاء فيها، إن اتفاقيات أوسلو تسببت بخسائر كبيرة لإسرائيل، على النحو التالي: 88 مليار شيقل (الدولار يساوي 3.6 شيقل) تحويلات للسلطة الفلسطينية، 37 ملياراً زيادة ميزانية الشاباك (جهاز المخابرات العامة)، 300 مليار زيادة موازنة الجيش، 112 ملياراً زيادة مصاريف وزارة الأمن الداخلي وسرقة السيارات، 220 ملياراً مصاريف وضع حراس في الأماكن العامة والمطاعم والبنوك، وغيرها من المواقع التي تم استهدافها بالعمليات المسلحة، 4.7 مليار بناء الجدار العازل، 12 ملياراً تعويضات دفعت لذوي العائلات الثكلى، 150 ملياراً خسائر إسرائيل من السياحة في فترات العمليات، 9.5 مليار تكلفة إخلاء قطاع غزة من المستوطنات والمستوطنين. المجموع 933 مليار شيقل. عملياً، فإن 11.4 في المائة من موازنة الدولة يذهب خسائر بسبب اتفاقيات أوسلو.
وكتب المحرر العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، إن اتفاقيات أوسلو انهارت في المقام الأول؛ لأنها لم تنجح في أن توفر للإسرائيليين مستوى الأمن الشخصي الذي وعدتهم به حكومة رابين - بيرس أثناء التوقيع عليها. سلسلة أحداث قاتلة، مثل المذبحة التي نفذها باروخ غولدشتان ضد المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي، وموجة العمليات الانتحارية لـ«حماس» في الحافلات، واغتيال إسحق رابين، كل ذلك أغرق حلم أوسلو بالدم والنار والدخان. كلما زادت العمليات قل تأييد الاتفاقيات، وكذلك تأييد الجمهور الإسرائيلي لإخلاء مناطق أخرى، التي من دونها لم يكن بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي. في عام 2000، عندما بذل كلينتون وإيهود باراك جهوداً أخيرة لإعادة العملية إلى مسارها في مؤتمر كامب ديفيد، وبعد ذلك في مفاوضات طابا، حدث انفجار أكبر: الانتفاضة الثانية. الأمل دفن عميقاً أكثر تحت الأنقاض. نحو 1500 إسرائيلي وأكثر من 7 آلاف فلسطيني قتلوا في السنوات التي مرت منذ مراسيم التوقيع على العشب الأخضر في البيت أبيض. هكذا تلاشت الثقة بين الطرفين ودمرت تقريباً كل احتمالية للعودة والدفع بالمفاوضات. وانتقد هرئيل اليسار الإسرائيلي الذي ينشر مقالات الرثاء، لكنه يقلل من الأهمية الكبيرة للعنصر الأمني في الاتفاق. رابين اختار مسار أوسلو بدرجة غير قليلة من الشك الشخصي، بسبب ترابط أسباب عدة. لقد أدرك، ربما متأخراً، الضرر الأخلاقي الذي يسببه استمرار الاحتلال للجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي. «الجيش الإسرائيلي يجب أن يتوقف عن كونه جيش احتلال والعودة ليكون جيش الدفاع»، قال لمراسلين بعد سنة تقريباً من توقيع الاتفاق الأول. لكن العمليات الانتحارية تفاقمت، «ومن هنا فصاعداً، لا يوجد زعيم إسرائيلي يثق بحلم أوسلو بدرجة تمكن من التقدم نحو اتفاق دائم. بنيامين نتنياهو انسحب من مناطق في الضفة تحت ضغط أميركا، في اتفاق الخليل وفي اتفاق واي (الأمر الذي يحاول أن يتم نسيانه الآن)؛ انسحب اريئيل شارون بشكل أحادي الجانب من قطاع غزة ومن شمال السامرة. لكن مسيرة أوسلو نفسها تجمدت. حدث هذا بالأساس لأن معادلة بسيطة وواضحة، حسب عدد كبير من الإسرائيليين، كانت قد ترسخت: في كل مرة تنسحب فيها إسرائيل من منطقة صغيرة ستتحول إلى خشبة قفز مستقبلية لعمليات إرهابية ضدها».
ويتطرق هرئيل إلى الدور الإسرائيلي في إفشال أوسلو فيقول «لقد كان لفشل أوسلو بالطبع مساهمة إسرائيلية بارزة. فأيضاً عندما سارت الأمور بشكل جيد، لم تسارع إسرائيل إلى التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين، وطوال الوقت واصلت إسرائيل استيطان الضفة والأحياء المقدسية شرق الخط الأخضر وشماله. أكثر من الـ800 ألف إسرائيلي الذين يعيشون الآن خلف الخط الأخضر يصعّبون التوصل إلى اتفاق دائم، حتى لو كانت أغلبيتهم الحاسمة موجودة في الأحياء المقدسية وفي الكتل الاستيطانية. قبل نحو شهرين تحدثت مجلة (نيويوركر) عن القلق الذي أظهره زعماء إدارة أوباما عندما نظروا في 2015 إلى الخريطة التي تجسد إلى أي درجة نجحت المستوطنات والبؤر الاستيطانية في القضاء على خيط تواصل جغرافي للدولة الفلسطينية العتيدة. كان هذا استيقاظاً متأخراً جداً. ضباط الإدارة المدنية شخّصوا التوجه الكامن خلف مد (أصابع) المستوطنات في الضفة شرقاً قبل سنوات كثيرة من ذلك. وكما سبق وحلل الوف بن، يمكن الافتراض أن الحلم الحقيقي لنتنياهو هو شن حرب استنزاف دبلوماسية وأمنية هدفها نهاية آمال الحركة الوطنية الفلسطينية».
ولكن أحد المهندسين الأساسيين لاتفاقيات أوسلو، أوري سفير، الذي شغل منصب مدير عام ووزارة الخارجية وكان مفاوضاً رئيساً، يرى حتى اليوم أن «اتفاقيات أوسلو كانت حدثاً تاريخياً، ويقول إن اليمين يحاربها لأنها أحدثت تحولاً سياسياً وآيديولوجياً يتناقض مع عقيدته التي تخلد الحروب. فاليمين يؤمن بضرورة الحفاظ على أرض إسرائيل كلها، بما فيها الضفة الشرقية للأردن، للسيادة الإسرائيلية، ونحن جئنا بحل يؤدي لقيام دولة فلسطينية. هو لم يحسب حساباً للعرب ونحن تقاسمنا البلاد مع العرب. هو لم يخجل من كونه محتلاً شعباً آخر ونحن قررنا وقف هذه الحالة المخجلة. نحن انطلقنا من منطلق أننا أقوياء بما يكفي لنصنع السلام وهم كانوا وما زالوا أضعف من أن يصنعوا السلام. أوسلو كان انتصاراً لنا وهزيمة لهم، فلم يتقبلوا هذا الحسم».



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.