لبنان: الرافعة النقدية والمصرفية تحدّ من سرعة تدهور الاقتصاد

عجز ميزان المدفوعات يزيد رغم إضافة السندات الدولارية

TT

لبنان: الرافعة النقدية والمصرفية تحدّ من سرعة تدهور الاقتصاد

زادت حدة العجز في ميزان المدفوعات اللبناني ليصل مجموع العجز التراكمي إلى 757 مليون دولار حتى نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، وذلك رغم البدء اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، باحتساب اكتتابات مصرف لبنان في سندات الدين الدولية المصدّرة لصالح الحكومة اللبنانية، والتي تكفلت بزيادة إيجابية قياسية في الصافي الشهري للأصول الأجنبية لدى البنك المركزي بقيمة ناهزت 2.158 مليار دولار، وبالتالي بتحقيق فائض بمقدار 1.203 مليار دولار خلال شهر مايو (أيار) الماضي.
ويؤشر تنامي العجز إلى حدة وتداعيات تباطؤ النمو الاقتصادي للسنة الثامنة على التوالي ومحدودية الرساميل والاستثمارات الوافدة، باستثناء ما يعود منها لتحويلات اللبنانيين العاملين والمغتربين في الخارج، والتي تزيد على 7.5 مليار دولار سنوياً، أي ما يوازي نحو 14% من الناتج المحلي، كما يبين الانحدار القاسي للعائدات السياحية، والتي كانت تمثل نحو 15% من الناتج. بينما يتحمل الاقتصاد، في السنوات عينها، أعباء تدفق نحو 1.5 مليون نازح سوري.
ويعاني لبنان أزمة مديونية تزيد نسبتها على 150% إلى الناتج المحلي، وهي أزمة متدحرجة بنمو سنوي بين 5 و7%، مقابل نمو ضعيف للاقتصاد بين 1.5 و2% توالياً منذ عام 2011. ونسبة المديونية اللبنانية من بين الأعلى عالمياً، فهي تبلغ نحو 180% في اليونان، والتي تسبق لبنان مباشرة في الترتيب العالمي للمؤشر السلبي، مسبوقةً باليابان فقط، المطمئنة إلى قاعدة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية من بين الأفضل عالمياً.
وتسود مخاوف اقتصادية جدية من تدهور إضافي بفعل انكماش التسليفات، وارتفاع التضخم، وتنامي عجز الموازنة العامة، فيما تشكل عمليات ومبادرات السياسة النقدية، مصحوبة بفعالية وحصانة القطاعين المصرفي والمالي، رافعةً مالية ونقدية واقتصادية باتجاه استمرارية الثقة بالاقتصاد اللبناني والليرة.
وعموماً فإن أغلب القطاعات تحاكي الصعوبات يوماً بيوم في انتظار فرج «حكومي» يزداد تعثراً. فإلى جانب ضمور الاستثمارات الوافدة تتراجع التوظيفات الوطنية الجديدة في أغلب القطاعات، ويتفاقم العزوف الصريح عن توسعة أعمال قائمة بعدما اتجهت الإنتاجية ومعها المردود إلى الحد الأدنى بالمعيار الاستثماري؛ وربما تجتازه هبوطاً مع الارتفاعات المتوقعة لمعدلات الفوائد الدائنة والمدينة.
كذلك فإن القطاع العقاري أو كامل قطاع البناء والمقاولات ومستلزماته، زاد ترنحاً، وترجمته حالات الإفلاس والتعثر التي شملت أسماء كبيرة لأفراد ومؤسسات، وثمة إشارات إلى تمدد واسع النطاق يطال أسماء جديدة ما زالت تتستر بقدرات ضعيفة على سداد أقساط ديون مستحقة، عبر اتفاقات مع المصارف الدائنة تتوخى إعادة الجدولة أو استعمال جزء من أرصدة وسمعة إيجابية سابقة أو «حرق» أسعار تحفيزاً لطلب لا يستجيب إلا بقدر ضئيل، مترقباً تخفيضات أكبر قادمة حكماً مع تقدم الأزمة، وبعدما تعذر التمويل المدعوم ويتعثر التمويل التجاري بحذر المصارف وبتكلفته العالية.
وتتوسع مخاوف الاقتصاديين إلى التحذير من خفض التصنيف السيادي، بعدما سبق لوكالات تصنيف دولية أن ربطت أي تحسينٍ بقدرة التدابير الإصلاحيّة الماليّة على عكس مسار الدين العامّ في البلاد أو بتسجيل تقدّمٍ ملموسٍ في الميزان التجاري. ونبهت الوكالات إلى أن أي تخفيضٍ قد يطال التصنيف يمكن أن يأتي نتيجة تفاقم حدّة الضغوط على الاحتياطات بالعملة الأجنبيّة، وما قد يتضمّن من انكماشٍ في تدفُّق الودائع، الأمر الذي -ولو أنّه مستبعَدٌ- تبقى لحصوله تداعيات سلبيّة على ميزان المدفوعات وعلى قدرة المصارف على تمويل احتياجات الدولة. مع الإشارة إيجاباً إلى حصول لبنان على نتيجة «مرتفع» في معيار القدرة على مواجهة مخاطر الأحداث نظراً إلى الأثر المحدود للصعوبات والتحدّيات السياسيّة والجيوسياسيّة المُختلفة التي يواجهها على النموّ الاقتصادي، والقطاع المصرفي، واستقرار سعر صرف الليرة. فودائع الزبائن لدى المصارف تدعمها تدفّقات الرساميل من قِبَل المغتربين اللبنانيين، وكذلك لعبت الهندسات الماليّة التي أجراها مصرف لبنان دوراً في تمتين هذه الودائع.
كما تتصاعد الهواجس من إمكانية تضييع الفرصة الإنقاذية التي توفرت للبنان في مؤتمر «سيدر1»، حيث تعهدت دول عربية وأجنبية وصناديق ومؤسسات إقليمية ودولية بتقديم مساعدات وقروض ميسرة بقيمة إجمالية تصل إلى 11.6 مليار دولار. وتمّ اعتبار العديد من مشاريع برنامج الاستثمارات العامّة الذي قدمته الحكومة اللبنانية ملائِمة وجوهريّة لتحسين البنى التحتيّة المتردّية. واستخلصت مجموعة البنك الدولي أنّ غالبيّة المشاريع المخطَّط لها من شأنها أن تُخفِّض الهيكليّة التكليفيّة للقطاعات المعنيّة، وتُشجِّع الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة، وتُعزِّز النموّ المستدام، وتخلق عدداً متوسّطاً إلى كبير من فرص العمل الجديدة.
ووفق التوصيف الدولي، فإنّ لبنان يقع في المرتبة 130 من أصل 137 دولة حول العالم في معيار جودة البنى التحتيّة في ظلّ تراكم الدين العامّ وغياب قانون موازنة خلال فترة طويلة، ما أعاق إنفاق الحكومة بشكلٍ كافٍ على البنى التحتيّة. كذلك صُنِّف لبنان في المركز 134 في العالم لجهة جودة التغذية بالكهرباء، وفي المركز 120 لجهة جودة الطرقات، وفي المركز 104 في جودة الاشتراكات بخدمات الهاتف الخليوي.
ويعتبر البنك الدولي أنّ هذه التصنيفات المتدنيّة تعرقل بشكلٍ كبيرٍ إمكانات البلاد لناحية النموّ الاقتصادي والظروف المعيشيّة. في هذا الإطار، توصّل التقييم إلى أنّ 100% من الاستثمارات في المشاريع المقترَحة في خانات المياه ومياه الصرف الصحّي، والنفايات الصلبة، والاتّصالات، والثقافة، والصناعة، و92% من المشاريع في قطاع النقل، و83% من المشاريع في قطاع الكهرباء تُعَدّ أولويّاتٍ استراتيجيّة في القطاعات المعنيّة.
وبالاستناد إلى تقديرات مصرف لبنان، فإن كل ارتفاع في مستوى الاستثمار بمليار دولار (أي ما يُعادل نحو 2% من الناتج المحلّي الإجمالي)، تُقابله زيادة بنسبة 1% في نسبة النموّ الاقتصادي في البلاد. وحسب التوقُّعات، سيبلغ متوسّط النموّ الاقتصادي 3% خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2018 و2021 (مقابل معدَّل 1.6% خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2013 و2016)، وهو مُعدَّل قابل للتعديل في حال جرى التحقق من تأثيرات جذريّة لبرنامج الإنفاق الاستثماري خلال هذه الفترة. وهذا ما سيوجب إعادة النظر صعوداً بترقبات النمو. كما أنَّ إقرار قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاصّ سيُسهم في تحسين فعاليّة المشاريع والشفافيّة والمُساءلة بالإجمال، عبر تشجيع القطاع الخاصّ على الانخراط في المشاريع المُقترحة.



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.