شباب لبناني ينثر أحلامه جداريات ملوّنة في حي لندني

رئيسة «أحلى فوضى» لـ«الشرق الأوسط»: مشروعنا يستهدف تحويل طرابلس من منطقة حرب إلى منطقة فن

غالب هويلة يخطّ جملة للشّاعر الرّاحل محمود درويش («الشرق الأوسط»)
غالب هويلة يخطّ جملة للشّاعر الرّاحل محمود درويش («الشرق الأوسط»)
TT

شباب لبناني ينثر أحلامه جداريات ملوّنة في حي لندني

غالب هويلة يخطّ جملة للشّاعر الرّاحل محمود درويش («الشرق الأوسط»)
غالب هويلة يخطّ جملة للشّاعر الرّاحل محمود درويش («الشرق الأوسط»)

يجمّلون ما هدّمته ماكينة الحرب، وما شوّهته سنوات الزّمن، وبريشة ملونة يرسمون جداريات أبنية أكل الدّهر عليها ناسياً بعد رحيله آثار بؤسه. أنامل شباب موهوب، تترك بفرح مسحة جمال ونظرة تريح عيون المارة في شوارع مرّت موهبتهم بها.
انتشر في لبنان قبل سنوات، فن «الغرافيتي» (الرّسم في الشّارع)، لتتزيّن بعض مباني العاصمة بيروت برسوم عملاقة على جدرانها. وفي شارع الحمراء، ترتفع جدارية لأسطورة لبنان الشحرورة صباح، مبتسمةً للمارة. العمل من تنفيذ الفنان يزن حلواني، وكان من ضمن مشروع تنظّمه جمعية «أحلى فوضى». اسم حلواني بات اليوم من الأسماء المعروفة عالمياً في هذا المجال من الفن.
- الغرافيتي بين لبنان وبريطانيا
منذ الخامس من سبتمبر (أيلول) حتى الـ15 منه، ستمثّل «أحلى فوضى» لبنان تحت رعاية وزارة الثقافة اللبنانية، في المهرجان الدّولي للفنون الذي تنظمه جمعية rise gallery في مدينة كرويدون البريطانية. وقد جرى اختيار 8 فنانين لبنانيين مقيمين في بيروت للمشاركة من بين 100 فنان عالمي آخر، لرسم لوحات جدارية في كرويدون، بمهرجان فنّي لنشر رسالة الفنّ والثقافة.
«أحلى فوضى» منظمة غير ربحية مقرها لبنان، يديرها متطوعون يعملون من أجل تنمية المجتمع. مهمتهم حسب تعريفهم، جلب الفرحة إلى المجتمعات المحلية وتحسين بيئتها بطريقة ثقافية وفنية، مع الحفاظ على روح «خضراء» شاملة، كما تُقدم المنظّمة المساعدة الإنسانية للمجتمعات المنكوبة والفقيرة في لبنان بمختلف مذاهبها وطوائفها.
وللاطّلاع على ما يحدث بين منطقتين مختلفتين ثقافةً ولغةً، كان لـ«الشرق الأوسط»، حديث مع رئيسة الجمعية إيمان عسّاف التي أخبرتنا أولاً، كيف وُلد اسم المنظّمة، قائلة: «حيثما تسير في لبنان تسمع المواطنين يتأفّفون ويردّدون يومياً (شو هالفوضى)». وتضيف: «من قلب الشّارع المتأفف وواقعه الفوضوي، انبثق اسمها». وتوضح: «قد يعتقد كثيرون أنّنا فعلاً نشكّل حالة من الفوضى، بيد أنّها خلّاقة ومبدعة». من ثمّ أشارت إلى الأعلى إلى حيث ترتفع حاملة، عليها يقف شابّ: «إنه غالب هويلة»، وبابتسامة استطردت: «شاب لبناني من مدينة صور، شارك في معارض عدّة بلندن، وجمع بينه وبين تشيبا رسام الغرافيتي البريطاني المعروف عالمياً، عمل جدارية في مدينة بريستول، تعاونا معاً في رسمها».
يعمل هويلة على رسم جدارية بأحرف خُطّت بطلاء ذهبي، وكان لا يزال يُحدّد إطار الكلمات بالخط الأسود، في مبنى يقبع بغرب مدينة كرويدون، حين قرأ لـ«الشرق الأوسط»، ما يرسمه: «إنها جملة للشاعر الفلسطيني الرّاحل محمود درويش، (سنكون يوماً ما نريد... لا الرّحلة ابتدأت ولا الدّرب انتهى». ويضيف، «سأترجمها إلى الإنجليزية ليتمكن كل من مرّ من هنا فهم معناها».
لم تنته الجدارية بعد، لكنّه أخبرنا بأنّه سيملأ كل الفراغات المحيطة بها بكتابات باللون الأسود، لا معنى ولا أهمّية لها. والسّبب يوضح: «أريد لجملة درويش أن تتألق وحدها فقط، من بين كل السّواد، وأن تجذب النّاظر ليقرأها ويتمعّن بكلماتها المليئة بالأمل». يقول هويلة ونبرات صوته تتراقص فرحاً، وهو يعبّر بكلّ فخر عن سعادته بما يقدّمه لكل مارّ بهذا الشّارع البريطاني.
ليس من السّهل رسم لوحات جدارية كبيرة، فتصميم أي رسم على ورقة صغيرة يكون بسيطاً، بيد أنّ الوضع يختلف عندما تعلو بك الرّافعة إلى أماكن شاهقة، لتبدأ بتنفيذ العمل الحقيقي بكل جدّية. «ستواجه تحدّيات كثيرة» يقول هويلة، ويوضح: «مع ارتجاج الرّافعة المستمر يبدأ ألم الرأس والشّعور باللاتوازن يرافقك لحد الغثيان. رفع يدك لفترات طويلة وأنت ممسك بريشة ترسم بكل دقّة، يُشعرك كأنّ الدّماء تجمّدت فيها». ويختم كلامه بابتسامة: «أنسى كل المشكلات وما يرافقها من آلام عندما أُنهي الجدارية وأرى أنّني فعلاً قد قدّمت فنّاً جميلاً يسعد النّاظر إليه».
- رسامو الغرافيتي في لبنان إلى العالمية
تعد العاصمة البريطانية واحدة من أهم مدن العالم شهرةً بالفنون، خصوصاً فن الغرافيتي، وعلى الرّغم من الانتشار الكبير للمتاحف وصالات العرض في هذه المدينة، يبقى فن الشّارع من أهم الفنون الذي يجعلها تتمركز في كثير من الأحيان كأحد أفضل المدن لفناني الشوارع. وهل أفضل من عاصمة الضّباب لترك لمسة شباب لبناني على جدران ترتفع وسطها؟
تتابع عسّاف حديثها: «ستكون لندن المحطّة الأولى لفنّاني الغرافيتي اللبنانيين، سيُثبتون هنا وجودهم لتنطلق أسماء الكفوئين منهم إلى العالمية. إنّهم حقاً مبدعون».
تقول عسّاف: «كان للفنانين البريطانيين والأجانب المتعاملين مع rise gallery، زيارة سابقة للبنان، تحديداً منطقة عاليه، وقد ساهم رئيس بلديتها مجدي مراد بمساعدة المنظّمة، وباستقبال الفنانين الذين جاءوا لمشاركة فنانينا الشّباب برسم جسور وجدران أبنية في عروس المصايف اللبنانية عاليه». تؤمن إيمان بأنّ هذه المنظّمة الدّاعمة للشباب والعاشقة لتجميل أماكن في لبنان، تكتشف كفاءات الشّباب، وتؤكّد أنّ كفاءاتهم وحدها توصلهم إلى العالمية.
بعد الحمراء وعاليه، تتحدّث المنظّمة اليوم عن مدينة طرابلس، عن الأماكن المشوّهة بها وهي التي ارتبط اسمها بالحرب. «نحاول اليوم البدء بمشروع لتحويلها من منطقة حرب إلى منطقة فن»، تتابع عسّاف التي ترى أنّ حلمها لا حدود له، فقد بدأ صغيراً وها هو يكبُر في كل يوم. «أنا هنا اليوم تحت رعاية وزارة الثقافة اللبنانية، كما كان الأمر في مدينة عاليه. هذا المشروع الذي كان لإعادة إحياء عروس المصايف التي نامت طويلاً. واليوم لا بدّ لها أن تصحو وتنتعش من جديد. ففي عاليه سيمبوزيوم يضمّ أكثر من 200 قطعة فنّية من حول العالم، ومدرسة عارف الرّيس للرسم التي فتحت جميع أبوابها في المنطقة. بعد وفاته ترك الرّيس بصمته الخاصة في منطقة جبل لبنان، لذا بدأنا العمل في عروس المصايف، ورئيس بلديتها وجدي مراد قدّم لنا كلّ الدّعم وسهّل الأمور أمامنا. وبالفعل نجحنا، فقد استقطب المهرجان نحو 33 ألف شخص، وربما يكون بداية لإعادة الحياة من جديد إلى المنطقة، وفي العام الحالي نظّم أهلها مهرجانهم الخاص».
تعود عسّاف لتختم حديثها عن طرابلس مؤكّدة أنّ الخطوة التالية هي هذه المدينة، موضحةً: «أعتذر من جميع الذين يعتقدون أنّ طرابلس تحتوي لوناً واحداً، ولا بدّ لهم من زيارة الميناء للتمتع بكل ما يحويه من جمال وسحر، ومن طرابلس القديمة التي تحفل بتنوّع لا يختلف عن ذلك الذي تعيشه مدينة الحمراء أو عاليه، أو أي منطقة من لبنان، لا بدّ أن يقتنع المواطن بأنّ التنوّع في هذا البلد الصغير هو الجّمال الحقيقي، والترويج له يكون من خلال الألوان».
جدير ذكره، أنّ خمسة فنانين فقط استطاعوا الحصول على تأشيرة لدخول الأراضي البريطانية، وهم إيلات كنيزة وجاد خوري وإلياس زعرور ورومي مطر وغالب هويلة، وقد سنحت لهم الفرصة ليتركوا بصماتهم في مدينة الضّباب، فيما رُفضت طلبات كل من علي رافعي وديانا حلبي وكريم تامرجي وميراي مرهج.



7 هوايات يومية تعزّز الصلابة النفسية وتخفف التوتر بعيداً عن العلاج المكلف

الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
TT

7 هوايات يومية تعزّز الصلابة النفسية وتخفف التوتر بعيداً عن العلاج المكلف

الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)

في ظل ارتفاع تكاليف العلاج النفسي وصعوبة الوصول إليه لدى كثيرين، تشير تجارب شخصية وأبحاث حديثة إلى أن بعض الهوايات اليومية البسيطة يمكن أن تشكّل أدوات فعّالة لبناء الصلابة النفسية، وبتكلفة أقل بكثير من جلسة علاج واحدة.

ويؤكد الخبراء أن الصلابة النفسية لا تُبنى بالحلول السريعة، بل عبر ممارسات مستمرة تُنمّي الوعي الذاتي والانضباط والمرونة العاطفية. ولا تقتصر هذه الأنشطة على تخفيف التوتر، بل تسهم أيضاً في إعادة تشكيل طريقة استجابة الدماغ للضغوط، وتعزز القدرة على التكيف مع الأزمات، وفق مجلة VegOut الأميركية.

فيما يلي 7 هوايات مدعومة بتجارب واقعية وأبحاث علمية، يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في الصحة النفسية:

الكتابة اليومية

تساعد الكتابة المنتظمة على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر، بدلاً من ترك الأفكار السلبية تدور بلا توقف. وتشير الأبحاث إلى أن الكتابة التعبيرية قد تقلل أعراض القلق والاكتئاب، وتحسّن المناعة، وتسهم في التعافي من الصدمات بشكل أسرع. ويمكن البدء بخمس دقائق يومياً فقط، مع الكتابة بحرية ومن دون قيود أو أحكام.

الجري أو المشي

سواء كان جرياً على المسارات الطبيعية أو مشياً يومياً، فإن الحركة المنتظمة تخفّض مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، وتحسّن المزاج، وتنشّط الإبداع. كما يساعد الإيقاع المتكرر للحركة الدماغ على معالجة المشاعر.

البستنة

يعلّم الاعتناء بالنباتات الصبر وتقبّل الإيقاع الطبيعي للحياة؛ فالحدائق لا تنمو وفق جداول البشر، ما يعزز القدرة على الانتظار والتكيف مع الفشل والبدء من جديد. وقد أظهرت دراسات أن البستنة تقلل أعراض القلق والاكتئاب بفاعلية، بفضل مزيج النشاط البدني والتواصل مع الطبيعة والشعور بالإنجاز.

التصوير الفوتوغرافي

يدرّب التصوير الدماغ على ملاحظة التفاصيل الجميلة في الحياة اليومية، ما يعزز الحضور الذهني ويخفف التفكير القلقي. كما يرسّخ عادة البحث عن الإيجابيات حتى في الظروف العادية أو الصعبة، وهي مهارة تنعكس مباشرة على طريقة التعامل مع تحديات الحياة.

الطهي

يعلّم الطهي المرونة والتكيف مع الأخطاء؛ فاحتراق أحد المكونات أو نقص آخر يدفع إلى الارتجال وابتكار حلول بديلة. كما يمنح إعداد الطعام شعوراً بالسيطرة والإنجاز، ويعزز الترابط الاجتماعي عند مشاركته مع الآخرين.

التأمل وتمارين التنفس

التأمل ليس مجرد إفراغ للعقل، بل تدريب له على ملاحظة الأفكار دون الانجراف وراءها. وتسهم هذه الممارسة في تعزيز التنظيم العاطفي وتقوية القدرة على الحفاظ على الهدوء وسط الفوضى. ويُنصح بالبدء بدقيقتين يومياً فقط.

العمل التطوعي

يُخرج التطوع الفرد من دائرة القلق الذاتي ويضع مشكلاته في سياق أوسع. وتشير دراسات إلى أن العمل التطوعي يقلل الاكتئاب، ويزيد الرضا عن الحياة، ويحسّن الصحة الجسدية.

وإجمالاً، لا يعني ذلك أن العلاج النفسي غير مهم، لكنه ليس الطريق الوحيد لبناء الصلابة النفسية؛ فالهوايات اليومية البسيطة تمنح الفرد أدوات فعّالة لتعزيز المرونة العاطفية، مثل الصبر من البستنة، والمثابرة من الجري، والوعي الذاتي من الكتابة، والتنظيم الذهني من التأمل.


بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
TT

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

تُطرح مجموعة خاصة من الساعات الأثرية الطويلة، المعروفة باسم «ساعات الأجداد»، للبيع في مزاد علني، بعدما جُمعت على مدى 35 عاماً بدافع شغف الاقتناء والترميم.

وتنتمي هذه الساعات إلى بلدات ديفايز، ورويال، ووتون باسيت، وكالن في مقاطعة ويلتشير البريطانية، وهي مملوكة للزوجين بول وجان سوكوني، اللذين قررا أن الوقت حان لانتقال هذه القطع التاريخية إلى «أيدٍ أمينة»، عند عرضها في مزاد تنظمه دار «RWB Auctions» في 4 مارس (آذار)؛ وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال بول سوكوني: «لقد تجاوزت السبعين من عمري، وما زلت أعمل مستشاراً في قطاع الأغذية. شعرنا أنا وزوجتي بأن الوقت قد حان للتخلي عن بعض الساعات، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتاج إلى ترميم. علينا التفكير في المستقبل، وليس من العملي الاحتفاظ بكل ما نملك».

وتضم مجموعة الزوجين ساعات متنوعة، إضافة إلى أجزاء ميكانيكية مرتبطة بها. وما بدأ بعملية شراء شخصية بسيطة تحوَّل مع مرور السنوات إلى شغف عمر، قادهما إلى البحث عن ساعات صنعها حرفيون محليون والعمل على ترميمها.

ويضيف بول، المقيم قرب ديفايز: «كانت لدى زوجتي رؤية رومانسية؛ أن تجلس بجوار مدفأة الحطب، تقرأ روايات توماس هاردي، في حين يملأ المكان صوت دقات ساعة عتيقة تبعث على الطمأنينة. لذلك اشتريت لها، قبل 35 عاماً، ساعة من هذا الطراز».

وتابع: «من هنا بدأت الحكاية. أصبحنا نبحث عن ساعات تحمل طابعاً محلياً وتاريخاً خاصاً؛ فلكل ساعة شخصيتها وهويتها».

ويبلغ عدد الساعات في مجموعتهما اليوم أكثر من 60 ساعة، وقد باع الزوجان عدداً منها لمشترين من مختلف أنحاء العالم، سعياً من هؤلاء إلى استعادة صلتهم بتاريخهم أو بجذورهم العائلية.

ومن المتوقع أن تحقق القطع المعروضة أكثر من ألف جنيه إسترليني عند عرضها للبيع هذا الأسبوع، وفق تقديرات دار المزاد.

وقال مساعد المزادات وخبير التقييم ويل والتر: «هذه قطع محلية لافتة للاهتمام، ومن المرجح أن تجذب هواة جمع من المنطقة، أو أشخاصاً يقيمون في الخارج لكن تربطهم صلة بهذه البلدات».

ويُنتظر أن يستقطب المزاد اهتمام المهتمين بالساعات الأثرية وتاريخ الحِرف المحلية في منطقة ويلتشير.


«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
TT

«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

على طول الساحل الغربي للمملكة، يمتد تاريخ لا يمكن رؤيته من اليابسة. تحت طبقات المياه في البحر الأحمر، ترقد موانٍ قديمة، ومسارات تجارة اندثرت، وسفن توقفت رحلاتها قبل أن تصل إلى وجهتها الأخيرة. ولقرون طويلة، ظل هذا التاريخ صامتاً، ومحفوظاً في الأعماق، وبعيداً عن السرد التاريخي التقليدي.

اليوم، يحاول معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، الذي افتتحه متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، إعادة هذا التاريخ إلى المجال العام، ليس بوصفه اكتشافاً أثرياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحضارية للساحل السعودي. المعرض، الذي جاء ثمرة تعاون بين متحف البحر الأحمر وهيئة التراث وعدد من الشركاء البحثيين، يقدّم قراءة موسّعة لدور البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في التاريخ، حيث التقت عبره طرق الحج، والتجارة، والهجرة، وربطت موانيه الجزيرة العربية بآسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

مديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان ترى أن الحاجة إلى هذا المعرض نشأت من طبيعة الساحل السعودي نفسه، الذي وصفته بأنه ساحل غني شهد عبور الحجاج، والرحالة، وازدهار موانٍ رئيسة، مثل الشعيبة، وجدة، إلى جانب مرافق ساحلية في فرسان، والسيرين، والحفز، شكّلت عبر القرون شبكات تجارة واسعة نقلت السلع، والمعرفة، والثقافات بين القارات.

وتوضح زيدان لـ«الشرق الأوسط» أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث ظل غير مكتشف، أو غير متاح للمجتمع، رغم أعمال المسح الأثري التي شهدتها مواقع عدة على الساحل السعودي، إضافة إلى مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، ومن أبرزها حطام سفينة أملج التي كشفت مكتشفاتها عن روابط تجارية وثقافية امتدت من شرق آسيا إلى مواني البحر الأحمر.

أوانٍ خزفية اكتشفت في باب البنط على ساحل البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

يضم المعرض نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح تواريخها بين ما يقارب 1600 عام، بينها قطع خزفية، وفناجين بورسلين صينية تعود إلى فترات ازدهار التجارة البحرية، في شواهد تعكس حجم التبادل التجاري بين الصين والجزيرة العربية.

وتشير زيدان إلى أن طبيعة البحر الأحمر الجغرافية -كونه بحراً ضحلاً تحيط به الشعاب المرجانية والتيارات المتغيرة- دفعت البحارة تاريخياً إلى تطوير سفن تقليدية مختلفة في تصميمها عن غيرها من سفن العالم، كما اعتمدوا على الخرائط، وأدوات الملاحة، مثل الأسطرلاب، للاستدلال على الطرق البحرية.

وفي سياق الكشف عن حجم التراث غير المكتشف، أوضحت زيدان أن الدراسات الحالية تشير إلى وجود 40 سفينة غارقة على الساحل السعودي، وهو رقم لا يزال قيد الدراسة، ومرشح للارتفاع مع استمرار أعمال الاستكشاف والتوثيق، ما يعكس اتساع المخزون الثقافي الكامن تحت مياه البحر الأحمر.

من جانبه، أكد ماجد العنزي، مدير عام التراث الثقافي المغمور بالمياه المكلف في هيئة التراث، أن مشاركة الهيئة في المعرض تأتي ضمن جهود وطنية متواصلة في المسح والتنقيب عن مواقع التراث البحري، وحمايتها، مشيراً إلى أن الهيئة عرضت خلال المعرض عدداً من المكتشفات الناتجة عن أعمال ميدانية حديثة.

فناجين خزف صيني (الشرق الأوسط)

وأوضح العنزي، خلال الجلسة الحوارية المصاحبة للمعرض، أن فهم التراث المغمور لا يقتصر على دراسة الحطام، أو القطع المكتشفة، بل يتطلب قراءة أوسع للتغيرات البيئية والتاريخية، خصوصاً تحولات مستوى سطح البحر عبر آلاف السنين، إذ إن الحدود الساحلية التي نراها اليوم تختلف عمّا كانت عليه في العصور الحجرية، والبرونزية، ما يعني أن مواقع استيطان بشرية قديمة أصبحت اليوم تحت الماء.

وأشار إلى أن هذه الدراسات تساعد الباحثين على تحديد أماكن عيش الإنسان القديم، ومسارات الحركة البشرية والتجارية عبر الزمن، ما يمنح علم الآثار البحري دوراً متقدماً في إعادة فهم تاريخ المنطقة. ولم تغب مسألة الحماية عن النقاشات المصاحبة للمعرض؛ إذ شدد كل من زيدان والعنزي على أن التراث المغمور يمثل منظومة أثرية وبيئية متكاملة يجب الحفاظ عليها في موقعها الطبيعي، مع دعوة خاصة للغواصين والهواة بعدم العبث بحطام السفن، لأنها سجلات تاريخية قائمة بذاتها.

كما ناقشت الجلسة أهمية إشراك المجتمع في حماية هذا الإرث، عبر برامج التطوع التي تتيح للمهتمين والمتخصصين، خصوصاً الغواصين، المشاركة في أعمال التوثيق، والحفاظ على مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه. في النهاية، يكشف «كنوز غارقة» أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بتاريخ لم يُقرأ كاملاً بعد.

فكل بعثة استكشاف، وكل قطعة تُكتشف، لا تضيفان معلومة جديدة فحسب، بل تعيدان رسم صورة المنطقة باعتبارها نقطة التقاء حضارات، لا مجرد ساحلٍ على خريطة. فالتاريخ هنا لم يختفِ... بل انتظر تحت الماء حتى يحين وقت ظهوره.