الدور التاريخي للفلسفة التنويرية

أسست للدولة الحديثة التي تحترم مواطنيها بغض النظر عن الطائفة أو المذهب

جان جاك روسو  -  ديدرو
جان جاك روسو - ديدرو
TT

الدور التاريخي للفلسفة التنويرية

جان جاك روسو  -  ديدرو
جان جاك روسو - ديدرو

لو سألني أحدهم: بم يتمايز الغرب عن سواه؟ لأجبته: بازدهار الفلسفة وكثرة الفلاسفة الكبار الذين تتالوا وراء بعضهم البعض على مر العصور. فنحن إذا ما استعرضنا اللحظات الأساسية لهذه الفلسفة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى برتراند رسل وبول ريكور وهابرماس وسواهم من الفلاسفة المعاصرين وجدنا خيطا متواصلا لا ينقطع على مدار 2500 سنة.. قلت «لا ينقطع» وأنا مخطئ في الواقع. وذلك لأنه انقطع طيلة فترة العصور الوسطى المسيحية: أي من القرن الخامس بعد الميلاد إلى القرن الخامس عشر: ألف سنة! في هذه القرون العشرة هيمن اللاهوت الديني على العقول هيمنة مطلقة كما هو حاصل حاليا في العالم العربي وطرد الفلسفة متهما إياها بالهرطقة والزندقة والوثنية والكفر. ولكنه بدءا من القرن الثالث عشر وبتأثير من العرب راح يعدل موقفه قليلا ويصالح بين العقيدة المسيحية والفلسفة الأرسطوطاليسية. ونتجت عن ذلك فلسفة القرون الوسطى.
ثم بعد القرن السابع عشر ظهرت فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. وكان أهم روادها فولتير، وديدرو، وجان جاك روسو، الخ. وكلهم اشتبكوا في معارك حامية مع الأصولية المسيحية التي كانت مسيطرة على العقول آنذاك. وقد تحررت الفلسفة عندئذ من هيمنة اللاهوت المسيحي عليها وأصبحت مستقلة بذاتها. ومعروف أن الفلسفة كانت خادمة لعلم اللاهوت المسيحي طيلة العصور الوسطى، ولم تستطع التحرر من قيوده وأصفاده إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
هذا وقد هيمن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط على فلسفة التنوير وقدم للفكر الغربي أهم كتاب فلسفي في العصور الحديثة: نقد العقل الخالص. ويمكن القول بأن كانط هو أستاذ الغرب بعد ديكارت من الناحية العقلانية والمنهجية. فهذا الفيلسوف تحدث عن كل شيء تقريباً: عن العلم، والدين، والأخلاق، والسياسة. والبعض يقول بأنه أرهص بالعصور الحديثة واستبق عليها. والدليل على ذلك أن أفكاره النبوئية الاستشرافية طبقت عمليا بعد موته بقرن أو أكثر. فكتابه عن «مشروع السلام الدائم» ظهر عام 1795 وعصبة الأمم تشكلت عام 1920. وهذا أكبر دليل على أن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. في البدء كانت الكلمة، ولكن ليس أي كلمة!
بل ويرى الكثيرون أن كل التقدم الحاصل في العالم سياسياً وقانونياً وأخلاقياً يعود إلى هذا الفيلسوف العملاق. ومعلوم أن الرئيس الأميركي وودرو ويلسون كان من تلامذته الخلص. وقد أسس «عصبة الأمم» التي أصبحت «الأمم المتحدة» لاحقاً بناء على قراءة أفكاره. فكتاب كانط الداعي إلى «السلام الدائم بين الأمم» هو الذي أسس العقلانية السياسية والدبلوماسية الدولية القائمة على مبادئ الحق والقانون لا على شريعة الغاب والذئاب.
ولكن للأسف فإن أميركا خرجت أكثر من مرة على هذه المبادئ المثالية التي كانت تتبعها في عهد الرئيس الكبير ويلسون. أما الفيلسوف الكبير الآخر الذي ظهر بعد كانط مباشرة فهو هيغل. فقد قدم للغرب المنهج الجدلي في التفكير. ولخص هيغل في شخصه كل معارف عصره إلى درجة أن المؤرخين شبهوه بأرسطو، بل وقالوا عنه بأنه أرسطو العصور الحديثة. ويمكن القول بأن العقل الغربي بلغ ذروة اكتماله ونضجه على يد كانط وهيغل وبقية مفكري الفلسفة المثالية الألمانية. وهي أعظم فلسفة ظهرت في العصور الحديثة. وذلك لأنها استطاعت التوفيق بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين. ثم بالأخص لأنها بلورت تفسيراً عقلانياً، جديداً، مستنيراً، للدين المسيحي، وفرقت بين جوهره وقشوره. لأول مرة عادت المسيحية إلى صفائها الأولي وأصبحت إنجيلية حقيقية وفية لمبادئ السيد المسيح. لأول مرة فهم الناس أن هناك تفسيرا آخر ممكنا للدين المسيحي غير ذلك التفسير الطائفي المتعصب للأصوليين والإخوان المسيحيين. لأول مرة فهموا أن هناك تفسيرا روحانيا وأخلاقيا بل وتحريريا رائعا للدين. الدين ليس إرهابا ولا إرعابا ولا قيودا وأصفادا. لا إكراه في الدين! لأول مرة استطاعوا التفريق بين الدين ورجال الدين الذين قد يخونونه ويفعلون عكسه إرضاء لمآربهم وشهواتهم وانحرافا عن مبادئه ومثله العليا. وهذا شيء تكرر كثيرا على مدار التاريخ في كلتا الجهتين الإسلامية كما المسيحية. ولولا ذلك لما انفجر مارتن لوثر بالإصلاح الديني الشهير في أوروبا.. وهنا لا بد من أن نشيد بالدور الكبير الذي لعبه جان جاك روسو، أستاذ كانط ومعلمه، عندما فكك الاعتقاد القديم وحرر المسيحية من الدوغمائيات المتحجرة. بل واشتبك مع مطران باريس في معركة فكرية من أعلى طراز. وخاطر بنفسه إذ فعل ذلك ووضعها على حد السكين. ولهذا السبب أصبح مطاردا ملاحقا من مكان إلى آخر، ومن الوديان إلى الجبال. انظروا كتابه الرائع «رسائل من الجبل»، حيث هز سويسرا وفرنسا وأوروبا كلها هزا! ولذلك رثاه هولدرلين في قصيدة عصماء. والأنكى من ذلك هو أنه كتبه وهو محاصر من كل الجهات. وكأن عبقريته لا تشتعل إلا في لحظات التحدي الأقصى والخطر الأعظم. ذلك أن معركة الحقيقة تتطلب تضحيات بل وتضحيات جساما. والحال أنه ما كان يخشى الموت وإنما كان يخشى شيئا واحدا فقط: أن يقتلوه قبل أن ينهي تأليف كتبه الأساسية ويضرب ضربته الفلسفية الكبرى. هذا ما كان يخشاه جان جاك روسو أكثر من الموت. بعد أن ينهي مهمته ليفعلوا به ما يشاءون. كم مثقفاً عربياً يتجرأ الآن على الاشتباك مع الشيوخ الظلاميين وتفنيد خرافاتهم وتفسيرهم القديم المهترئ للدين؟ وهو تفسير إخونجي انغلاقي متعصب عفى عليه الزمن. أنه محصور كليا داخل السياجات الدوغمائية المغلقة أو الأقفاص الطائفية والفتاوى اللاهوتية المتحنطة. ولكن بسبب الجهل المتفشي في أوساط العوام فانه لا يزال ساري المفعول، ولو إلى حين.. انظروا كيف يصولون ويجولون على الفضائيات! شيء مخيف. بل وشيء مخجل أيضا. كثير من برامج التعليم العربية ينبغي أن ترمى في سلة المهملات لأنها خرجت كل هؤلاء الجحافل من الظلاميين المتوحشين الهمجيين.
نعرف الكتب الصفراء التي أنتجتهم والمدارس الأصولية التي فرختهم. كل هذا نعرفه جيدا بل والعالم كله أصبح يعرفه. ذلك أن هذه المعركة أصبحت عالمية ولم تعد محلية أو خصوصية. ولذلك أقول: مادة التربية الدينية أهم الآن وأخطر من مادة الفيزياء الذرية. إنها أكثر تفجيرا وانفجارا. من يسيطر عليها يسيطر على العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج. من يسيطر عليها يمكن أن يوجهنا جميعا إما في اتجاه الاستنارة والتقدم وإما في اتجاه الظلامية والتأخر.! ينبغي حذف كل الكتب الإخونجية والفتاوى التكفيرية والأفكار التضليلية التي تحتقر الأديان الأخرى وتزدريها من برامج التعليم العربية. وبالتالي فالفلسفة التنويرية هي التي كشفت للناس عن جوهر الدين الحقيقي. وهي التي نظفت الدين من أفكار الكراهية والحقد والتعصب الأعمى. وهي التي قضت على الحزازات المذهبية والحروب الطائفية في كل أنحاء أوروبا. وهي التي جعلت التعايش ممكنا بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين بعد أن كان جحيما لا يطاق. وهي التي أسست الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تحترم كرامة جميع مواطنيها ولا تفرق بينهم على أساس طائفي أو مذهبي. ولذلك انطلقت أوروبا انطلاقة صاروخية بعد عصر التنوير وصنعت أعظم حضارة على وجه الأرض. وهذا ما سيحصل في العالم العربي لاحقا عندما ينتصر التنوير العربي على العصر الداعشي الإخونجي الظلامي الحالي. عندئذ سوف ينكشف جوهر الإسلام المطموس حاليا من قبل حركات التطرف والظلام. وعندئذ سيتم الفرز الكبير بين الجوهر والقشور وسيتبين لجميع الناس ذلك الفرق الكبير بين إسلام الأنوار - وإسلام الإخوان.
أخيرا ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن التغيير الفكري يسبق التغيير السياسي وليس العكس. فالثورة الفرنسية لم تندلع قبل ظهور فولتير وديدرو وجان جاك روسو والموسوعيين وإنما بعدهم جميعا. لا ينبغي وضع العربة قبل الحصان وإنما خلفه. بعد أن تمكن هؤلاء المفكرون الأفذاذ من تفكيك الأصولية الدوغمائية وفكر الإخوان المسيحيين أصبح الطريق مفتوحا، معبدا، أمام الثورة التغييرية السياسية. لا ريب في أن تركيز الصديق فاضل السلطاني على مسألة الحامل السلطوي أو الرافع السياسي الذي يجسد الأفكار فعليا ويغير الواقع عمليا شيء ضروري جدا وهام. ولكن في البدء كانت الكلمة، كان الفكر النير الوهاج. ما الذي آخذه على المثقفين العرب حاليا ما عدا كوكبة صغيرة مشعة؟ شيئا واحدا: إهمال المسألة الدينية وتركها لقمة سائغة للتكفيريين يصولون فيها ويجولون. لو ظهر عندنا مفكرون حقيقيون من أمثال سبينوزا وفولتير وديدرو وكل فلاسفة الأنوار لما استطاع الظلاميون السطو على «الربيع العربي» وتجييره لصالحهم. كنا دخلنا في عصر الحداثة العربية الإسلامية فورا. وكنا تخلصنا كليا من هذا الفكر الظلامي التكفيري الذي يرتكز على مشروعيات قديمة راسخة رسوخ الجبال. لم يتجرأ أحد على تفكيك هذه المشروعيات «الإرهابية» التي لا تزال تهيمن على الفضاء التعليمي والثقافي العربي من أقصاه إلى أقصاه. إنه لعار علينا نحن المثقفين العرب أننا لا نزال نحني الرأس أمامه صاغرين، طائعين. فولتير لم يحن رأسه أمامه وإنما اشتبك معه في معركة ضارية لا تبقي ولا تذر. بعدئذ ظهرت الطبقة البورجوازية وحملت لواء هذا الفكر التنويري الجديد وضربت بسيفه وأسقطت المشروعيات التكفيرية القديمة بالفعل لا بالقول فقط. وأحلت محلها المشروعيات التنويرية ذات النزعة الإنسانية. وهنا نلمس لمس اليد ذلك التقاطع الرائع بين التغيير الفكري والتغيير السياسي. ولكن في البدء كانت الكلمة.. هذا الشيء لم يحصل حتى الآن في الساحة العربية. وإنما الذي حصل هو العكس تماما: تواطؤ أغلبية المثقفين مع الجماعات الإخونجية والانبطاح أمامها. لهذا السبب أقول لا يوجد ربيع عربي ولا من يحزنون. ولهذا السبب فلن تقوم للعرب قائمة إذا استمر الوضع بهذا الشكل ولن يحظوا بأي احترام على مسرح التاريخ بين الأمم.



«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.


أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

TT

أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)
بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)

إذا كان تناولُها، خلال أيام السنة، ممكناً، فمن المستحسن تفاديها في شهر الصيام. ما تلك الأطعمة والمشروبات التي تثير الجوع والعطش؟ وهل هناك بدائل تمنح شعوراً بالارتواء والشبع؟

وفق حوار أجرته «الشرق الأوسط» مع خبيرة التغذية جويل نهرا، ثمّة خطّان أحمران في هذا المجال هما الملح والسكّر. يتسبّب الأول بالعطش، أما الثاني فيحفّز الشعور بالجوع. وتنضمّ إلى السكّر النشويّات، لذلك فإنّ التخفيف منها على الإفطار والسحور وما بين تلك الوجبتَين، يساعد في الوقاية من العطش والجوع خلال ساعات الصيام.

الملح مسؤول عن العطش والسكّر يتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالجوع

في طليعةِ ما تحذّر منه نهرا، الحلويات والنشويّات البيضاء مثل الخبز، والباستا، والمعجّنات، والأرز الأبيض؛ لأنها ترفع منسوب السكّر بالدم ثم تخفضه بسرعة، ما يتسبب بشعور الجوع. تقول خبيرة التغذية: «عندما يكون السحور عبارة عن نشويّات بيضاء فقط وخالياً من البروتين، سيُصيبنا الجوع حُكماً بعد ساعات قصيرة».

* الكرواسان والكيك وسائر الحلويات

لعلّ الحلويات هي أكثر ما ترغبه العين والمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أنها أكثر ما يتسبب بالجوع، بعد مرور وقتٍ قصير على تناولها. ربما يوحي الكرواسان مثلاً بالشبَع والامتلاء، لكن كل ما يحتوي من طحين أبيض ودهون غير صحية وسكّر يتسبب بردّ فعل عكسي.

السكّر الذي في الكيك والكنافة والبقلاوة وسائر الحلويات الشرقية والغربية، ينشّط مسارات المكافأة والشهية في الدماغ بطريقة مختلفة عن مصادر الطاقة الأخرى. ووفق دراسة أجرتها جامعة ييل، فإن جميع مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام تسترخي بعد الأكل. لكن عند تناول الحلويات، تبقى هذه المناطق نشطة وغير مكتفية.

الحلويات تنشّط مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام (بكسلز)

أما الدهون غير الصحية، كتلك الموجودة في المخبوزات، فتُظهر الأبحاث أن الجسم لا يتعرّف عليها فوراً كمصدر مفيد للطاقة. ما يحصل بعد تناولها هو أن الجسم يخزّن سُعراتها الحرارية بدل تشغيلها، ومن ثم لا تُرسل إشارة إلى الدماغ بأنّ الشعور بالجوع قد انتهى.

نصيحة

تنصح خبيرة التغذية هنا بالتخفيف من تناول الحلويات يومياً قدر المستطاع، والاستعاضة عنها بالفاكهة الغنية بالألياف مثل التفاح بقشره والجوافة، والتمر، والمكسّرات النيئة، والشوكولاته الداكنة.

الحلويات تتسبب بالجوع أما التمر والمكسرات النيئة فيمنحان شعوراً بالشبع (بكسلز)

* الخبز والأرز والباستا وسائر النشويّات البيضاء

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من طبق المعجّنات كالفطائر والرقائق والبيتزا. وهل يمكن تصوّر الطبق الرئيسي دون الأرز الأبيض المرافق له؟

لكنّ الخبر غير السار هو أنّ تلك النشويّات البيضاء كافةً ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة قياسية، ما يؤدي إلى الجوع من جديد. فعندما تفرط في تحميل جسمك بالكربوهيدرات البسيطة، يبدأ البنكرياس العمل بأقصى طاقته لإنتاج الإنسولين، ما يخفض مستويات السكر بالدم ويؤدّي إلى الشعور بجوع شديد.

النشويّات والمعجّنات ترفع منسوب السكّر بالدم وتخفضه بسرعة ما يؤدّي إلى الجوع (بكسلز)

نصيحة

استبدل بالخبز الأبيض ذلك المصنوع من طحين القمح الكامل. أما الأرز الأبيض فيمكن استبدال الأرز البسمتي أو الأسمر به. وهذا ينطبق على الباستا التي يمكن اختيار السمراء منها؛ أي المصنوعة من القمح الكامل. فالحبوب الكاملة تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية القادرة على منح شعورٍ بالشبع.

الأرز الأسمر هو البديل الصحي عن الأرز الأبيض (بكسلز)

* البطاطا المقليّة والتشيبس

تنتمي البطاطا المقليّة المثيرة للشهيّة إلى فئة النشويّات المشبعة بالدهون غير الصحية. وليس صدفةً أن تشعر برغبة في تناول الحلويات بعد إفراغك كيس التشيبس. فرقائق البطاطا وسائر الوجبات الخفيفة المالحة ليست سوى كربوهيدرات بسيطة سريعة الهضم، تتسبب بارتفاع مستويات الإنسولين ثم انخفاضها.

نصيحة

يمكن اعتماد البطاطا المشويّة في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والملح والبهار والأعشاب المعطّرة.

كلّما تَضاعفت الدهون غير الصحية والسكّر وبدائله في الطعام والشراب، زاد احتمال أن تتسبب بالجوع بعد وقت قصير على تناولها. وينضمّ إلى قائمة الأطعمة والمشروبات المؤدية إلى الجوع العناصر التالية:

- الوجبات السريعة (فاست فود)

- حبوب الفطور بالمُحلِّيات الصناعية (كورن فليكس)

- بياض البيض

- الزبادي قليل الدسم

- عصير الفاكهة المشبع بالسكّر

- المشروبات الغازية العادية وتلك الخالية من السكّر

على عكس ما هو شائع فإنّ المشروبات الغازية تتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالعطش

* الملح ومُلحقاته

كثيرة هي الأطعمة والمشروبات التي تتسبّب بالعطش، على رأسها كل ما هو مالح. فمن المعروف أن أحد الآثار الجانبية للصوديوم احتباس السوائل والتسبب بالجفاف والعطش. وتُحذّر خبيرة التغذية جويل نهرا، في هذا السياق، من المأكولات المملّحة، ولا سيّما رقائق البطاطا (التشيبس)، والمكسّرات المالحة، وسواها من وجبات خفيفة غنية بالملح. «خلال الصيام، ولا سيّما على وجبة السحور، من المستحسن الاستغناء عن الملح قدر المستطاع، بما أنّ المبالغة في تناوله سوف تتسبّب للصائم بالعطش طيلة ساعات النهار»، كما تقول نهرا. وتُضاف إلى لائحة الأطعمة المالحة: صلصة الصويا، والمخلّل أو الكبيس، والزيتون.

كل الأطعمة الغنية بالملح تتسبب بالعطش (بكسلز)

* الدهون والأطعمة المقليّة والمصنّعة

مِن بين الأطعمة المسببة للعطش كذلك، المأكولات المقليّة وتلك الغنية بالدهون غير الصحية مثل الوجبات السريعة واللحوم المصنّعة. وتوضح نهرا أن «هذا النوع من الأكل يبطئ عملية الهضم فينشغل الجسم بمعالجة الكمية الكبيرة من الدهون، وهذا يضاعف الشعور بالجفاف».

تُضاف إليها المشروبات المصنّعة كالعصائر المحلّاة ومشروبات الطاقة وتلك الغازيّة؛ «لأنها ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة فتخسر الخلايا المياه بسبب ذلك»، وفق نهرا.

تفادي الوجبات السريعة خلال الصيام لأنها تؤدي إلى العطش (بكسلز)

* القهوة

الفنجان الأحبّ إلى قلب الجميع فنجان القهوة الذي يفتتح به كثيرون الإفطار ويختمون السحور، هو في صدارة مسبّبات العطش. فالكافيين مادة مجفّفة بطبيعتها، ما يعني أنّ المشروبات الغنية بالكافيين، حتى وإن كانت ممزوجة بالماء، تسبب العطش. وتنضمّ إليها المشروبات الغازية الغنية هي الأخرى بالكافيين.

الكافيين مادة مسببة للجفاف والعطش (بكسلز)

نصائح لتفادي العطش في رمضان

تنصح نهرا بشُرب كمية كافية من المياه (بمعدّل 2 لتر) وتوزيعها على الساعات الممتدة ما بين الإفطار والسحور. كما تدعو الصائمين إلى التركيز على الخضراوات وإضافتها إلى كل وجبة لأنها غنية بالسوائل. أما القهوة فمن المفضّل اقتصارها على فنجان واحد بعد الإفطار وليس قبل السحور أو خلاله.


«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».