كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
TT

كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد

ما أكثر الطرق فعالية لتعطيل النمو الاقتصادي؟ وفقاً لآخر التحليلات التي تغطي فترة زمنية تقارب خمسين عاماً من البيانات والتاريخ الاقتصادي، فإن الأمر في مثل سهولة فرض الرسوم الجمركية والتلاعب بالأفضليات بين مختلف الصناعات والشركات. ويساعد الفساد في ذلك أيضاً.
ونضرب مثالاً بالبرازيل. في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، تحرك أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية بوتيرة نمو سريعة. ولكنّ تركيز الدولة على السياسة التجارية التي وفّرت الحماية للمنتجات المحلية، مثل إنتاج الصلب وتصنيع السيارات، أثر كثيراً على النمو الاقتصادي المنشود. وتآمر الفساد مع التضخم مع الصدمات النفطية في سبعينات القرن الماضي في ارتداد مسار النمو الاقتصادي في البلاد، ولم تتمكن البرازيل من التعافي التام وتعويض خسارتها بالكامل من هذه الفترة وحتى الآن.
وكانت لدى كوريا الجنوبية سياسة حمائية مماثلة أيضاً، ولكنها سرعان ما حولت التركيز على الصادرات والتجارة. وليست كوريا الجنوبية خالية من الفساد بشكل كامل، ولكنها تحتل مرتبة أفضل بكثير من البرازيل فيما يتعلق بالفساد الحكومي المتصور.
كما نفذت كوريا الجنوبية أيضا سياسة صناعية أكثر كفاءة وفعالية. فلقد قفزت إلى المراتب النخبوية من الدول ذات الدخل المرتفع من خلال الاستثمار في القطاعات التنافسية العالمية مثل التكنولوجيا الفائقة.
وفي ستينات القرن الماضي، كان اقتصاد كوريا الجنوبية يساوي ثلث اقتصاد البرازيل، حتى بعد تعديل الكتلة السكانية في البلاد. واليوم، يبلغ نصيب الفرد في كوريا الجنوبية من الناتج الاقتصادي ضعف عملاق قارة أميركا الجنوبية.
ولم يكن ارتداد المسار الاقتصادي قدراً محتماً؛ فلقد بدأت البرازيل رحلتها مع اقتصاد قوي وموارد أكثر مما تملك كوريا الجنوبية. كما أنها لم تكن تعيد بناء الذات خروجاً من حربين كبيرتين مدمرتين. ومع ذلك فلقد تراجعت كثيراً.
ويتكرر الأمر نفسه في مختلف أرجاء العالم. فبلدان ذات موارد وتنوع هائل مثل ماليزيا وموريشيوس -الجزيرة الصغيرة الواقعة في المحيط الهندي على مسافة 500 ميل شرق مدغشقر- واصلت الارتفاع حتى بلغت مستويات المنافسين الأفضل حالاً مثل الفلبين وغانا.
ويساعد تحليلٌ لعشر دول تمثيلية عالية النمو وعشر دول أخرى مخيبة للآمال، نُشر في استعراض بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس بالولايات المتحدة الأميركية، في توضيح الأسباب وراء ذلك. فالمؤسسات تفسر لماذا بدّد بعض البلدان المزايا المبكرة التي نجحت في تحقيقها، بدلاً من رصد الاعتبارات الاقتصادية التقليدية مثل المكاسب المحققة في التكنولوجيا أو الكفاءة، أو المكاسب الناجمة عن المعدات والتعليم.
تتحدى المؤسسات القياس بطبيعتها. كان ينبغي على خبراء الاقتصاد (بينغ وانغ) من جامعة واشنطن وبنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس، و(تسز نغا وونغ) من بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع ريتشموند، و(تشونغ كيه. ييب) من الجامعة الصينية في هونغ كونغ، أن يخرجوا باستنتاج منمق بناء على 51 عاماً من البيانات ومنهجية بحث شائعة الاستخدام في المحاسبة التنموية. غير أن هذا الأسلوب يشير فقط إلى أن المؤسسات هي التي تحدد الرابحين والخاسرين في الاقتصاد. ولم يشر إلى أيّ هذه المؤسسات لعبت الدور الحاسم في الأمر. وبالنسبة إلى ذلك، واصل الخبراء الاقتصاديون الثلاثة البحث والتمحيص في التاريخ الاقتصادي لكل دولة، بحثاً عن مجموعة من العوامل المحتملة. وفي ما يلي إيجاز للاتجاهات التي خلصوا إليها.
يقول الخبير الاقتصادي دارون اسيموغلو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك في كتاب بعنوان «أسباب انهيار الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر»، في حين أنه يعتقد أن الخبير وانغ قد توصل إلى النتيجة الصحيحة، فمن شأن الأبحاث المستقبلية أن تستبعد التفسيرات التنافسية، فضلاً عن محاولات عزل تأثير ميزات المؤسسات المحددة.

- الديمقراطية كمدخل للنمو الاقتصادي
وفي ورقة عمل ترجع إلى عام 2016 نشرها المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية، قال اسيموغلو وزملاؤه المشاركون إن إحدى السمات المشتركة بين العديد من الدول ذات معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة -وهي الحكومة الديمقراطية- تزيد فعلياً من الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل من خلال تشجيع الاستثمار، وزيادة التعليم، وتحفيز الإصلاح الاقتصادي، وتحسين تدابير المنافع العامة، والحد من التوترات الاجتماعية.
ويشير تحليلهم لـ175 دولة في الفترة بين عام 1960 و2010 إلى أن اعتماد النمط الديمقراطي من الحكم تواكَب مع زيادة بنسبة 20 إلى 25 في المائة من الناتج لكل فرد عبر ربع قرن.
وحذر أوليفييه بلانشارد كبير الاقتصاديين سابقاً في صندوق النقد الدولي والزميل الحالي لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، من أنه «نظراً إلى أن الحكومات السيئة ليست جيدة في كثير من المناحي»، فإنه من المستحيل استنباط عوامل محددة من بياناتها. وتترافق الحمائية في غالب الأمر مع الأخطاء السياسية الأخرى، على سبيل المثال. لم يدرس خبراء الاقتصاد الثلاثة فقط دولاً مثل كينيا وجزر القمر التي لطالما وقعت فريسة الفقر المدقع. وإنما بحثوا في أمر بلدان أخرى مثل الأرجنتين وتشيلي والفلبين، والتي كانت من أعظم دول العالم النامي في أوائل ستينات القرن الماضي، ولكنها سرعان ما تدهورت وتراجعت كثيراً عن وتيرة النمو المحققة.
وعمل اتجاهان على توحيد المجموعتين، بما يتجاوز التكنولوجيا والموارد والعوامل البيئية، فلقد زادت كل دولة ذات نمو بطيء تقريباً من الحواجز أمام التجارة الدولية وأسواق رأس المال وفضلت بعض الصناعات والشركات على أخرى، حتى عندما لم يكن هناك من سبب استراتيجي يسوّغ اتخاذ هذه الخطوات أو ارتكاب هذه الأخطاء. وقال الخبير الاقتصادي وانغ: «لدينا الكثير من المشكلات نفسها في الولايات المتحدة الآن. وتحاول الحكومة إقامة الكثير من الحواجز في وجه التجارة. وتسعى كذلك لمساعدة صناعات دون أخرى -مثل الصلب والألمنيوم على سبيل المثال». وأضاف قائلاً: «ينبغي على الحكومات اعتماد السياسة الصناعية التي تعزز النمو الاقتصادي والابتكار، وليست السياسات التي تهدف في الأساس إلى تحقيق الأهداف الانتخابية».

- أميركا تسير إلى الوراء
ومساعدة بعض الصناعات دون غيرها في مقابل الحصول على مساهمات سياسية معينة يحدث غالباً على مرأى ومسمع الجميع، ولذلك فهي لا تتناسب مع الأفكار التقليدية المعنية بالفساد الحكومي. ولكنها، ووفقاً للسيد وانغ، تخلق نوعاً من المشكلات الاقتصادية المماثلة. ويستطرد السيد وانغ قائلاً: «إننا نسير إلى الوراء. ومن شأن ذلك أن يخلق الركود الكبير مرة أخرى. لقد شهدنا الركود الكبير في عام 1929، ثم شهدناه مرة أخرى في عام 2008، ولا أريد أن أشهد ركوداً كبيراً سيئاً آخر. فقد تنفد المصطلحات في توصيفه». وليس السيد بلانشارد على يقين تام بحتمية وقوع الركود، إذ قال: «دعُونا ننحِّ جانباً الآثار النفسية الهائلة للغاية، فمن الأرجح للآثار السلبية أن تقع ببطء شديد مع مرور الوقت. لقد استغرق الأمر من الزمن عقوداً طويلة حتى انهارت الأرجنتين».
ولم تنهر البلدان الناجحة في العينة المطروحة، ولا سيما النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة)، من المنافسة الدولية الشديدة. بدلاً من ذلك، قامت ببناء المؤسسات الضرورية للفوز في معترك الاقتصاد العولمي. وركزت تلك الدول على التصدير بشكل كبير، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع الشركات التنافسية دولياً. كما قامت تلك الدول ببناء البنية التحتية التعليمية، وعززت من العمالة ذات المهارات العالية. وخنقت الأسواق السوداء. وبطبيعة الحال، حافظت على الرسوم الجمركية عند أقل مستوياتها الممكنة نسبياً. وعندما تدخلت هذه الدول في الاقتصاد، كان الهدف هو بناء الميزات الطبيعية بدلاً من استجداء الأصوات الانتخابية أو دفع الرشى للمقربين. وركزت كوريا الجنوبية على تجارة التكنولوجيا الفائقة مع البلدان المجاورة، مثل الصين واليابان. وانطلقت دولة بُتسوانا القارية على مسار تصدير الألماس. واستثمرت موريشيوس كثيراً في قطاع السياحة. ومن المؤكد أن تلك الجزيرة الصغيرة لم يكن أمامها الكثير من الخيارات: فإن أفضل مواردها الطبيعية ذات الشهرة الدولية، طائر الدودو، قد انقرض بكل أسف قبل 350 عاماً.
إن النمو في البلدان الأكثر نجاحاً لم يكن سهلاً ولا سلساً بأي حال من الأحوال، ولكن كان هذا هو السبيل الوحيد للابتعاد عن قطيع الخاسرين. وعندما انتشر النمو العالمي في كل مكان، اعتمدت البلدان الناجحة على القوة الأساسية الذاتية المتمثلة في المؤسسات القوية.

- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

شهدت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها منذ نحو شهرين ونصف الشهر خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

تنطلق رسمياً اليوم في ميامي الأميركية قمة مبادرة مستقبل الاستثمار التي باتت «تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي».

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.