كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
TT

كيف يمكن للرسوم الجمركية والفساد أن يدمرا الاقتصاد الصاعد؟

السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد
السياسات التجارية الحمائية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد

ما أكثر الطرق فعالية لتعطيل النمو الاقتصادي؟ وفقاً لآخر التحليلات التي تغطي فترة زمنية تقارب خمسين عاماً من البيانات والتاريخ الاقتصادي، فإن الأمر في مثل سهولة فرض الرسوم الجمركية والتلاعب بالأفضليات بين مختلف الصناعات والشركات. ويساعد الفساد في ذلك أيضاً.
ونضرب مثالاً بالبرازيل. في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، تحرك أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية بوتيرة نمو سريعة. ولكنّ تركيز الدولة على السياسة التجارية التي وفّرت الحماية للمنتجات المحلية، مثل إنتاج الصلب وتصنيع السيارات، أثر كثيراً على النمو الاقتصادي المنشود. وتآمر الفساد مع التضخم مع الصدمات النفطية في سبعينات القرن الماضي في ارتداد مسار النمو الاقتصادي في البلاد، ولم تتمكن البرازيل من التعافي التام وتعويض خسارتها بالكامل من هذه الفترة وحتى الآن.
وكانت لدى كوريا الجنوبية سياسة حمائية مماثلة أيضاً، ولكنها سرعان ما حولت التركيز على الصادرات والتجارة. وليست كوريا الجنوبية خالية من الفساد بشكل كامل، ولكنها تحتل مرتبة أفضل بكثير من البرازيل فيما يتعلق بالفساد الحكومي المتصور.
كما نفذت كوريا الجنوبية أيضا سياسة صناعية أكثر كفاءة وفعالية. فلقد قفزت إلى المراتب النخبوية من الدول ذات الدخل المرتفع من خلال الاستثمار في القطاعات التنافسية العالمية مثل التكنولوجيا الفائقة.
وفي ستينات القرن الماضي، كان اقتصاد كوريا الجنوبية يساوي ثلث اقتصاد البرازيل، حتى بعد تعديل الكتلة السكانية في البلاد. واليوم، يبلغ نصيب الفرد في كوريا الجنوبية من الناتج الاقتصادي ضعف عملاق قارة أميركا الجنوبية.
ولم يكن ارتداد المسار الاقتصادي قدراً محتماً؛ فلقد بدأت البرازيل رحلتها مع اقتصاد قوي وموارد أكثر مما تملك كوريا الجنوبية. كما أنها لم تكن تعيد بناء الذات خروجاً من حربين كبيرتين مدمرتين. ومع ذلك فلقد تراجعت كثيراً.
ويتكرر الأمر نفسه في مختلف أرجاء العالم. فبلدان ذات موارد وتنوع هائل مثل ماليزيا وموريشيوس -الجزيرة الصغيرة الواقعة في المحيط الهندي على مسافة 500 ميل شرق مدغشقر- واصلت الارتفاع حتى بلغت مستويات المنافسين الأفضل حالاً مثل الفلبين وغانا.
ويساعد تحليلٌ لعشر دول تمثيلية عالية النمو وعشر دول أخرى مخيبة للآمال، نُشر في استعراض بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس بالولايات المتحدة الأميركية، في توضيح الأسباب وراء ذلك. فالمؤسسات تفسر لماذا بدّد بعض البلدان المزايا المبكرة التي نجحت في تحقيقها، بدلاً من رصد الاعتبارات الاقتصادية التقليدية مثل المكاسب المحققة في التكنولوجيا أو الكفاءة، أو المكاسب الناجمة عن المعدات والتعليم.
تتحدى المؤسسات القياس بطبيعتها. كان ينبغي على خبراء الاقتصاد (بينغ وانغ) من جامعة واشنطن وبنك الاحتياطي الفيدرالي فرع سانت لويس، و(تسز نغا وونغ) من بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع ريتشموند، و(تشونغ كيه. ييب) من الجامعة الصينية في هونغ كونغ، أن يخرجوا باستنتاج منمق بناء على 51 عاماً من البيانات ومنهجية بحث شائعة الاستخدام في المحاسبة التنموية. غير أن هذا الأسلوب يشير فقط إلى أن المؤسسات هي التي تحدد الرابحين والخاسرين في الاقتصاد. ولم يشر إلى أيّ هذه المؤسسات لعبت الدور الحاسم في الأمر. وبالنسبة إلى ذلك، واصل الخبراء الاقتصاديون الثلاثة البحث والتمحيص في التاريخ الاقتصادي لكل دولة، بحثاً عن مجموعة من العوامل المحتملة. وفي ما يلي إيجاز للاتجاهات التي خلصوا إليها.
يقول الخبير الاقتصادي دارون اسيموغلو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك في كتاب بعنوان «أسباب انهيار الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر»، في حين أنه يعتقد أن الخبير وانغ قد توصل إلى النتيجة الصحيحة، فمن شأن الأبحاث المستقبلية أن تستبعد التفسيرات التنافسية، فضلاً عن محاولات عزل تأثير ميزات المؤسسات المحددة.

- الديمقراطية كمدخل للنمو الاقتصادي
وفي ورقة عمل ترجع إلى عام 2016 نشرها المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية، قال اسيموغلو وزملاؤه المشاركون إن إحدى السمات المشتركة بين العديد من الدول ذات معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة -وهي الحكومة الديمقراطية- تزيد فعلياً من الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل من خلال تشجيع الاستثمار، وزيادة التعليم، وتحفيز الإصلاح الاقتصادي، وتحسين تدابير المنافع العامة، والحد من التوترات الاجتماعية.
ويشير تحليلهم لـ175 دولة في الفترة بين عام 1960 و2010 إلى أن اعتماد النمط الديمقراطي من الحكم تواكَب مع زيادة بنسبة 20 إلى 25 في المائة من الناتج لكل فرد عبر ربع قرن.
وحذر أوليفييه بلانشارد كبير الاقتصاديين سابقاً في صندوق النقد الدولي والزميل الحالي لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، من أنه «نظراً إلى أن الحكومات السيئة ليست جيدة في كثير من المناحي»، فإنه من المستحيل استنباط عوامل محددة من بياناتها. وتترافق الحمائية في غالب الأمر مع الأخطاء السياسية الأخرى، على سبيل المثال. لم يدرس خبراء الاقتصاد الثلاثة فقط دولاً مثل كينيا وجزر القمر التي لطالما وقعت فريسة الفقر المدقع. وإنما بحثوا في أمر بلدان أخرى مثل الأرجنتين وتشيلي والفلبين، والتي كانت من أعظم دول العالم النامي في أوائل ستينات القرن الماضي، ولكنها سرعان ما تدهورت وتراجعت كثيراً عن وتيرة النمو المحققة.
وعمل اتجاهان على توحيد المجموعتين، بما يتجاوز التكنولوجيا والموارد والعوامل البيئية، فلقد زادت كل دولة ذات نمو بطيء تقريباً من الحواجز أمام التجارة الدولية وأسواق رأس المال وفضلت بعض الصناعات والشركات على أخرى، حتى عندما لم يكن هناك من سبب استراتيجي يسوّغ اتخاذ هذه الخطوات أو ارتكاب هذه الأخطاء. وقال الخبير الاقتصادي وانغ: «لدينا الكثير من المشكلات نفسها في الولايات المتحدة الآن. وتحاول الحكومة إقامة الكثير من الحواجز في وجه التجارة. وتسعى كذلك لمساعدة صناعات دون أخرى -مثل الصلب والألمنيوم على سبيل المثال». وأضاف قائلاً: «ينبغي على الحكومات اعتماد السياسة الصناعية التي تعزز النمو الاقتصادي والابتكار، وليست السياسات التي تهدف في الأساس إلى تحقيق الأهداف الانتخابية».

- أميركا تسير إلى الوراء
ومساعدة بعض الصناعات دون غيرها في مقابل الحصول على مساهمات سياسية معينة يحدث غالباً على مرأى ومسمع الجميع، ولذلك فهي لا تتناسب مع الأفكار التقليدية المعنية بالفساد الحكومي. ولكنها، ووفقاً للسيد وانغ، تخلق نوعاً من المشكلات الاقتصادية المماثلة. ويستطرد السيد وانغ قائلاً: «إننا نسير إلى الوراء. ومن شأن ذلك أن يخلق الركود الكبير مرة أخرى. لقد شهدنا الركود الكبير في عام 1929، ثم شهدناه مرة أخرى في عام 2008، ولا أريد أن أشهد ركوداً كبيراً سيئاً آخر. فقد تنفد المصطلحات في توصيفه». وليس السيد بلانشارد على يقين تام بحتمية وقوع الركود، إذ قال: «دعُونا ننحِّ جانباً الآثار النفسية الهائلة للغاية، فمن الأرجح للآثار السلبية أن تقع ببطء شديد مع مرور الوقت. لقد استغرق الأمر من الزمن عقوداً طويلة حتى انهارت الأرجنتين».
ولم تنهر البلدان الناجحة في العينة المطروحة، ولا سيما النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة)، من المنافسة الدولية الشديدة. بدلاً من ذلك، قامت ببناء المؤسسات الضرورية للفوز في معترك الاقتصاد العولمي. وركزت تلك الدول على التصدير بشكل كبير، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع الشركات التنافسية دولياً. كما قامت تلك الدول ببناء البنية التحتية التعليمية، وعززت من العمالة ذات المهارات العالية. وخنقت الأسواق السوداء. وبطبيعة الحال، حافظت على الرسوم الجمركية عند أقل مستوياتها الممكنة نسبياً. وعندما تدخلت هذه الدول في الاقتصاد، كان الهدف هو بناء الميزات الطبيعية بدلاً من استجداء الأصوات الانتخابية أو دفع الرشى للمقربين. وركزت كوريا الجنوبية على تجارة التكنولوجيا الفائقة مع البلدان المجاورة، مثل الصين واليابان. وانطلقت دولة بُتسوانا القارية على مسار تصدير الألماس. واستثمرت موريشيوس كثيراً في قطاع السياحة. ومن المؤكد أن تلك الجزيرة الصغيرة لم يكن أمامها الكثير من الخيارات: فإن أفضل مواردها الطبيعية ذات الشهرة الدولية، طائر الدودو، قد انقرض بكل أسف قبل 350 عاماً.
إن النمو في البلدان الأكثر نجاحاً لم يكن سهلاً ولا سلساً بأي حال من الأحوال، ولكن كان هذا هو السبيل الوحيد للابتعاد عن قطيع الخاسرين. وعندما انتشر النمو العالمي في كل مكان، اعتمدت البلدان الناجحة على القوة الأساسية الذاتية المتمثلة في المؤسسات القوية.

- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة وهي تُسحب من حوض بناء السفن بواسطة قاطرات في يانتاي بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

«وكالة الطاقة الدولية»: أسعار النفط الحالية لا تعكس الوضع الراهن

صرّح فاتح بيرول، رئيس «وكالة الطاقة الدولية»، الثلاثاء، بأن أسعار النفط الحالية لا تعكس خطورة التهديد الذي تُشكّله حرب إيران على أسواق الطاقة العالمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)

خطر الحرب يطارد التعافي.. «صندوق النقد» يخفِّض توقعات نمو الاقتصاد العالمي

خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي بواقع 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة في 2026، بسبب حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

خاص «هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

بينما تشتعل التوترات العسكرية في مضيق هرمز، تدور في الكواليس حرب من نوع آخر لا تقل خطورة؛ بطلها شركات التأمين التي باتت تتحكم في مصير السفن.

فتح الرحمان یوسف (الرياض)
تحليل إخباري سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز) p-circle 02:08

تحليل إخباري «حصار هرمز»... واشنطن تستنفد خياراتها الدبلوماسية وتُخاطر بصدمة نفطية عالمية

يُثير قرار واشنطن فرض حصار على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز قلقاً بالغاً في أسواق الطاقة العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
TT

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)

وسط الصورة القاتمة التي رسمها «صندوق النقد الدولي» بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة جراء الصراعات الجيوسياسية، برزت السعودية نموذجاً استثنائياً للصمود في منطقة الخليج.

فبينما تسببت «حرب إيران» في اختناق ممرات التجارة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، نجحت الرياض في تحييد تلك المخاطر بفضل خطوط الأنابيب البديلة التي تربط شرق المملكة بغربها عبر البحر الأحمر، وهو ما مكّنها من تجاوز إغلاق مضيق هرمز وضمان تدفق النفط للأسواق العالمية من دون انقطاع، ووضعها في صدارة دول المنطقة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة لعام 2026، مع آفاق واعدة ترتفع إلى 4.5 في المائة في عام 2027.

وتترنح اقتصادات مجاورة تحت وطأة انكماش حاد وتعطل مرافقها الطاقوية، حيث يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في مراجعة هي الأقسى للمنطقة بفارق 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات يناير (كانون الثاني) الماضي، نتيجة توقف منشأة رأس لفان الحيوية.


الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرارها المالي، مشدداً على مضي المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً استراتيجياً في التنمية.

جاء ذلك خلال مشاركة الجدعان، الثلاثاء، في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في العاصمة واشنطن، بمشاركة نخبة من قيادات القطاع الخاص، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026.

وأوضح الجدعان أن البيئة الاستثمارية في المملكة ترتكز على الشفافية والاستقرار، مما عزز ثقة المستثمرين الدوليين ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل مستدام.

وأشار إلى أن الاقتصاد السعودي يزخر بفرص استثمارية قيّمة في قطاعات حيوية؛ كالخدمات اللوجيستية، والتقنية، والصناعة، وذلك رغم حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي.

ووجّه الجدعان رسالة للمستثمرين بأن التركيز على الأسس الاقتصادية طويلة المدى هو المفتاح الحقيقي للاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأكد الدور الريادي للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، مستندة في ذلك إلى سياسات مالية متزنة ورؤية تنموية طموحة ترسّخ مكانتها بوصفها مركز جذب استثماري رائداً على خريطة الاقتصاد الدولي.


أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
TT

أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)

ضاعفت أزمات سلاسل الإمداد بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي. وسط محفزات للمزارعين بهدف زيادة معدلات توريد المحصول من بينها صرف المستحقات خلال 48 ساعة وتذليل العقبات خلال عمليتي الحصاد والتوريد.

وأعلنت وزارة الزراعة الاستعدادات النهائية لبدء موسم حصاد وتوريد القمح المحلي بجميع المحافظات. وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، الثلاثاء، إن «الدولة تستهدف تسلم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين خلال موسم الحصاد الحالي، بما يسهم بشكل مباشر في تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة».

وأشار وزير الزراعة المصري في بيان، إلى أن الموسم الحالي شهد قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح لتتخطى حاجز الـ3.7 مليون فدان بزيادة قدرها 600 ألف فدان على العام الماضي، ولفت إلى أن «الجهود البحثية المكثفة التي بذلتها المراكز التابعة للوزارة ساهمت في رفع كفاءة الفدان ليتراوح متوسط الإنتاجية ما بين 18 إلى 20 إردباً، وذلك نتيجة استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية».

وأكد «حرص الدولة على دعم الفلاح المصري وتشجيعه وضمان العائد المناسب له وتحسين مستوى دخله»، كما أشار إلى زيادة سعر توريد القمح هذا العام إلى 2500 جنيه للإردب (الدولار يساوي 52.5 جنيه) وذلك بتوجيه من الرئيس السيسي لدعم المزارعين مع التوجيه بالصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والموردين، وبحد أقصى 48 ساعة، لافتاً إلى أن «استقبال القمح المحلي سيبدأ من 15 أبريل (نيسان) الحالي ويستمر حتى انتهاء الموسم في 15 أغسطس (آب) المقبل».

اجتماع برئاسة السيسي لمتابعة «منظومة الأمن الغذائى» الأحد الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «الحرب الإيرانية قد تكون ممتدة، وهناك أزمة في الأسمدة، وكل من (منظمة الفاو) و(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تحدثا عن مشاكل في تدفقات الغذاء ولا سيما القمح». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المفترض أن تستبق مصر هذه التطورات، وهذا هو موسم حصاد القمح وسيتبعه موسم زراعة جديد، لذا من المناسب جداً رفع أسعار التوريد كما حدث».

ووفق اعتقاد إبراهيم فإن «الجهود الحكومية الموجودة خلال موسم القمح الحالي جيدة؛ لكن لابد من البناء عليها بشكل أكبر». ويفسر: «مثلاً تتم المقارنة ما بين سعر التوريد المحلي وسعر التوريد الدولي، ثم البدء في التسعير بشكل مناسب من أجل تنمية الزراعة ما يقربني كدولة من الاكتفاء الذاتي».

وسجلت واردات مصر من القمح ثاني أعلى مستوى تاريخي لها بنهاية العام الماضي وبانخفاض نسبته 12.7 في المائة على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية. وأوضحت البيانات أن «إجمالي واردات القمح خلال عام 2025 بلغ نحو 12.3 مليون طن مقارنة بنحو 14.1 مليون طن خلال 2024».

حول المحفزات الحكومية للمزارعين في موسم القمح الحالي. يرى أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي أن «رفع أسعار التوريد مهم جداً، فضلاً عن آليات الصرف السريع للمزارعين وحل أي مشاكل تواجههم». ويلفت إلى أن » آثار الحرب الإيرانية سوف تستمر حتى لو انتهت، لذا لابد من الاستعداد الحكومي لهذه الفترات المقبلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع».

جولة ميدانية لمسؤولين في وزارة الزراعة (وزارة الزراعة)

ووجه وزير الزراعة المصري، الثلاثاء، بـ«ضرورة الجاهزية القصوى وتوفير جميع الآلات والمعدات اللازمة لمساعدة المزارعين في عمليات الحصاد الآلي»، مؤكداً «أهمية صيانة المعدات وتوزيعها بشكل عادل على مختلف المحافظات لضمان سرعة نقل المحصول إلى الصوامع والشون وتسهيل عملية التوريد ومنع التكدس». كما وجه بـ«تذليل أي عقبات تواجه عمليات التوريد بما يضمن استقرار السوق المحلية وتأمين مخزون استراتيجي آمن من المحصول».

في سياق ذلك، نشر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، إنفوغرافاً أشار فيه إلى زيادة المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي. وذكر أن «هذا التوسع الكبير جاء مدعوماً بجهود بحثية مكثفة من المراكز والمعاهد التابعة لوزارة الزراعة». وأكد أن «هذا التطور يعكس نجاح استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة، إلى جانب التوسع في تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة، بما يعزز من إنتاجية المحصول ويدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي».

مزراعون وسط حقل قمح الشهر الماضي (وزارة الزراعة)

وقال محافظ الفيوم، محمد هانئ غنيم، إن «محصول القمح يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ترتكز عليها جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «حرص الدولة على تقديم مختلف أوجه الدعم والتيسيرات اللازمة للمزارعين بهدف التوسع في المساحات المنزرعة وزيادة الإنتاجية». وأضاف في تصريحات، الثلاثاء، أن «تحقيق معدلات توريد مرتفعة من محصول القمح يسهم في تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح».