الاغتيالات السياسية... هل تُغيّر مجرى التاريخ؟

كتاب لباحثين فرنسيين عن انعكاساتها داخلياً وخارجياً من كيندي حتى السادات

جون كيندي قبل دقائق من اغتياله في تكساس عام 1963
جون كيندي قبل دقائق من اغتياله في تكساس عام 1963
TT

الاغتيالات السياسية... هل تُغيّر مجرى التاريخ؟

جون كيندي قبل دقائق من اغتياله في تكساس عام 1963
جون كيندي قبل دقائق من اغتياله في تكساس عام 1963

هذا الكتاب الممتع يمكن أن يقرأ كرواية بوليسية شيقة جداً، وهو من تأليف باحثين فرنسيين مشهورين؛ الأول هو جان لاكوتير، صاحب الكتب المعروفة عن العالم العربي، بمغربه ومشرقه، وبالأخص مصر. وأما الثاني، فهو جان كلود غيبو، الأكثر تعمقاً من الناحية الفلسفية، والمختص بنقد الحداثة الفرنسية بكل مزالقها وتطرفاتها، دون أن ينسى إيجابياتها بطبيعة الحال. إنه كتاب مشترك، ولكن بقلمين منفصلين تماماً، لا مختلطين. فكل واحد كلف بكتابة فصول محددة بدقة مختلفة عن الفصول التي كتبها الآخر. فمثلاً، جان لاكوتير كتب الفصول المتعلقة باغتيال كل من جون كيندي، وأخيه روبيرت كيندي، وأنور السادات، وأولوف بالم، ومحمد بوضياف، وإسحاق رابين، ورفيق الحريري. وأما جان كلود غيبو، فدبج الفصول المتعلقة باغتيال بي نظير بوتو، ومارتن لوثر كينغ، وألدو مورو، وأنديرا غاندي، وبشير الجميل، إلخ. وعنوانه الحرفي هو التالي: «هل ماتوا من أجل اللاشيء؟ نصف قرن من الاغتيالات السياسية».
وفي مقدمة الكتاب، يقول المؤلفان شارحين مقصدهما: ما نريد إيضاحه هنا ليس فقط سبب الاغتيال، وظروفه وحيثياته، وإنما بالدرجة الأولى انعكاساته على السياسة المحلية أو العالمية. فكل عملية اغتيال لشخصية سياسية معينة تهدف بالضرورة إلى إجراء تغيير أو تعديل على السياسة السائدة، وإلا لما خاطر القتلة بعمليتهم. دعونا نطرح هذا السؤال: إلى أي مدى أدت تلك الرصاصات القاتلة في دالاس إلى تغيير تاريخ الولايات المتحدة، وتالياً تاريخ العالم كله؟ السؤال نفسه يطرح على تلك الرصاصات التي أودت بحياة القائد المناضل الفذ مارتن لوثر كينغ، بعد 4 سنوات من ذلك التاريخ. وقس على ذلك مصرع الرئيس السادات على أيدي المتطرفين الإسلامويين.
لنتوقف هنا، ولو للحظة، عند الفصل الذي كتبه جان كلود غيبو بعنوان: «مارتن لوثر كينغ: موت حالم كبير وانتصاره». في رأيه، فإن مارتن لوثر كينغ انتصر على جلاديه أو قتلته بعد موته بأربعين سنة فقط. كيف؟ عندما انتخبت أميركا عام 2008 أول رئيس أسود في تاريخها. فالزعيم الأسود العظيم الذي سقط تحت رصاصات الحقد العنصري الأعمى عام 1968 هو الذي أدى مباشرة إلى انتخاب باراك أوباما عام 2008. لولا هذا لما كان ذاك. لولا نضالات مارتن لوثر كينغ، لما حصل ملايين السود الأميركيين على حقوقهم المدنية والاجتماعية والصحية والتعليمية، وأخيراً السياسية. لا شيء عظيماً في التاريخ يتحقق دون نضالات مريرة وتضحيات جسام. هذه هي فلسفة التاريخ التي أفهمها وأعتنقها وأومن بها. وهي فلسفة تقول لك ما معناه: صحيح أن هناك ظلماً وقهراً في العالم. صحيح أنه يبدو أحياناً هائلاً ضخماً إلى درجة أنك تيأس سلفاً من مواجهته، بل لا تتجرأ على ذلك. ولكن الرجال العظام، من أمثال مارتن لوثر كينغ، لا ييأسون من رحمة الله ولا يقنطون. ففي قلوبهم، يترعرع إيمان راسخ رسوخ الجبال، وهو الذي يدفعهم للتضحية بكل شيء، بما في ذلك حياتهم الشخصية، من أجل قضية الحق والعدل. وبالتالي، فعلى جميع السود أن يشكروه. عليهم أن ينحنوا أمام سقوطه المدوي تحت رصاصات الغدر، يوم 4 أبريل (نيسان) من عام 1968. لقد ضحى بنفسه من أجل الآخرين، من أجل المظلومين المحتقرين بسبب لون شعرهم أو بشرة وجوههم. قال لي أحدهم أمام البناية في باريس: يا أخي، أنا أسود اللون، ولكن روحي ليست سوداء! الروح ليست بيضاء ولا سوداء. الروح لا لون لها. وفوجئت بكلامه الذي أعجبني جداً.
لننتقل الآن إلى قصة اغتيال الرئيس أنور السادات: هل غيرت هذه الجريمة مجرى التاريخ العربي والعالمي؟ أبداً، لا. فاتفاقية كامب ديفيد لا تزال سارية المفعول حتى اللحظة. ومعلوم أن الرجل سقط صريعاً مضرجاً بدمائه بسبب توقيعها، لكن الشيء الذي غير مجرى التاريخ هو مغامرة السادات بنفسه، وذهابه إلى الكنيست الإسرائيلي، وإلقائه لخطابه التاريخي هناك، تحت أنظار العالم الذي يحبس أنفاسه ولا يكاد يصدق ما يراه. هذا الحدث هو الذي قتل أنور السادات. بدءاً من تلك اللحظة، أصبح شبه ميت، أو في حكم الميت. لقد دفع حياته ثمناً لاقتحامه الجنوني الذي أدى إلى انعطافة كبرى في تاريخ المنطقة. وسواء أحكمنا عليه سلباً أم إيجاباً، فإن ذلك لا يغير في الأمر شيئاً. السادات دخل التاريخ لأنه انتهك أكبر تابوهات التاريخ. وانتهاك التابوهات، أو المحرمات العظمى، يدفع ثمنه عادة دماً ودموعاً. هذا أيضاً أحد قوانين فلسفة التاريخ. بشكل من الأشكال، يمكن القول إن السادات بفعلته المباغتة والمرعبة تلك أحدث خرقاً في جدار التاريخ العربي المسدود. كيف تجرأ عليها؟ كيف رمى بنفسه في أحضان المجهول؟ كيف تجرأ على تحطيم ذلك الجدار السيكولوجي الهائل الذي يفصل بين العرب واليهود؟ كان الفيلسوف كيركغارد يقول هذه العبارة الرائعة: لحظة حسم القرار لحظة جنون! ولكنه دفع الثمن نيابة عنا جميعاً. هناك تفسير آخر: ربما كان السادات معقداً من شخصية جمال عبد الناصر البطولية الضخمة، بل هذا مؤكد. وبالتالي، فلكي يخرج من ظله، من تحت معطفه، كان ينبغي أن يرتكب فعلة هائلة لا يكاد يصدقها العقل. ولولا ذلك، لما استطاع الخروج من عباءة جمال عبد الناصر. لولا ذلك، لظل رئيساً صغيراً، وأكاد أقول قزماً، قياسا إلى زعيم القومية العربية. بل وحتى بعد أن ارتكب أخطر أنواع المحرمات، فإنه لم يستطع أن يرتفع إلى مستوى قامة جمال عبد الناصر، ولكنه حازاها، بل وكاد أن يغطي عليها، وذلك لأنه استطاع أن يصبح رئيساً حقيقياً قادراً على اتخاذ أخطر قرار في تاريخ السياسة المصرية والعربية. بهذا المعنى، فقد دخل التاريخ، وأي دخول! قد تقولون إنه دخله من أبشع أبوابه. ربما، ولكنه دخله. وحتى الآن، لم تخرج السياسة العربية عن النهج الذي اختطه، بل تابعته فصولاً، وسارت على أثره.
اسمحوا لي الآن أن أنتقل إلى قصة أخرى هزت العالم كالزلزال، وأقصد بها اغتيال الزعيم الإيطالي الطيب المحبوب ألدو مورو: يقول الفيلسوف جان كلود غيبو ما فحواه: لقد كان ألدو مورو القائد التاريخي التقدمي للديمقراطية المسيحية الإيطالية؛ إنه إحدى الشخصيات الأكثر أهمية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والأكثر حظوة بالاحترام والتقدير. وكان قبيل خطفه في طور التوصل إلى تسوية تاريخية بين الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الشيوعي، وهو حدث خطير هائل في تاريخ السياسة الإيطالية. وكانت هذه التسوية تقضي بدخول بعض الوزراء الشيوعيين إلى الحكومة لأول مرة في تاريخ إيطاليا، ولكن هذه المبادرة التي اتخذها وتحمل مسؤوليتها، والتي حصلت في عز الحرب الباردة، أزعجت الولايات المتحدة كثيراً. والأخطر أنها أزعجت بشكل خاص المخابرات المركزية الأميركية. ولا ينبغي أن ننسى معارضة البابا بولس السادس الشديدة لها. وبالتالي، فقد وقفت في وجهه أكبر قوتين في العالم: الأميركان والفاتيكان. بدءاً من تلك اللحظة، أصبح مصيره على كف عفريت، فقد ضرب ضربة أكبر منه، وتجاوز كل الخطوط الحمر، وسوف يدفع الثمن غالياً. وكان هنري كيسنغر (الحائز جائزة نوبل للسلام!) قد هدده أكثر من مرة لكي يتراجع عن التقارب مع الشيوعيين، ولكنه لم يرتدع.
لقد استمر خطف ألدو مورو 55 يوماً، بالتمام والكمال: من 16 مارس (آذار) 1978 إلى 9 مايو (أيار) 1978. وقد شغلت وسائل الإعلام العالمية الكبرى طيلة 3 أشهر تقريباً، وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني يتوالى فصولاً، يوماً بعد يوم. وكان العالم يلهث وراء الأخبار وتطورات القصة حتى حلت تراجيديا، عن طريق قتله بشكل مجرم شنيع. وماذا كانت نتيجة العملية؟ ذلك أن كل عملية اغتيال للشخصيات الكبرى تهدف كما قلنا إلى إحداث تغيير معين في السياسة الدولية. في الواقع، إن اغتيال ألدو مورو أعطى ثماره، إذا جاز التعبير. فـ«التسوية التاريخية» التي أرادها مع الحزب الشيوعي أجهضت، وهذا ما أثلج قلب أميركا. أما الثمرة الأخرى، التي لا تقل أهمية، فهي فقدان اليسار المتطرف لمصداقيته، ليس فقط في إيطاليا، وإنما في كل أنحاء أوروبا. صحيح أن ذلك لم يحصل فوراً أو دفعة واحدة، وإنما بالتدريج، ولكنه حصل. بعدئذ، لم تقم للشيوعية قائمة، بل وانهار جدار برلين، والعالم الشيوعي كله، بعد عشر سنوات فقط من فاجعة ألدو مورو. وقد اعترفت إحدى «مناضلات» الألوية الحمراء بالحقيقة لاحقاً، عندما قالت: «لقد أعمتنا الأدلجة العمياء. لقد حولتنا إلى وحوش حقيقية، لا بشرية ولا إنسانية».
بقيت نقطة أخيرة. كل الدلائل تشير إلى أن المخابرات المركزية الأميركية تلاعبت بالخاطفين، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من أنهم أعداؤها التاريخيون. والدليل على ذلك أن ألدو مورو شخصياً قال لخاطفيه وجلاديه هذه العبارة الرهيبة: «هل الأميركان هم الذين طلبوا منكم أن تصفوني؟»؛ لاحظ كيف تحول اليسار الشيوعي المتطرف إلى أداة في أيدي الإمبريالية الأميركية! يا لها من سخرية الأقدار... هل هو مكر التاريخ كما يقول هيغل؟!


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).