صراع الهوية في مصر.. عبثي دوما ودموي أحيانا

إشكالية تاريخية لم يتعلم الكثيرون دروسها ولم يستوعبوا تنوعها وطابعها التعددي

القاهرة.. حاضنة هوية مصرية متنوعة من طبقات حضارية تراكمت على امتداد تاريخها
القاهرة.. حاضنة هوية مصرية متنوعة من طبقات حضارية تراكمت على امتداد تاريخها
TT

صراع الهوية في مصر.. عبثي دوما ودموي أحيانا

القاهرة.. حاضنة هوية مصرية متنوعة من طبقات حضارية تراكمت على امتداد تاريخها
القاهرة.. حاضنة هوية مصرية متنوعة من طبقات حضارية تراكمت على امتداد تاريخها

لم يتعلم أي من المصريين المتصارعين حول «الهوية» درس التاريخ القريب أو البعيد، ولم يقرأوا تلك الحكمة التي خرج بها «نيوبري» بعد أن راجع خصائص الطبقات الحضارية المصرية، حيث قال: «مصر وثيقة من جلد رقيق، الإنجيل مكتوب فيها فوق هيرودت، وفوق ذلك القرآن، وتحت الجميع لا تزال الكتابة القديمة تقرأ بوضوح وجلاء».
في سبتمبر (أيلول) 2011، أي بعد ثمانية أشهر من قيام ثورة يناير (كانون الثاني) وقبل شهرين من أول انتخابات برلمانية أعقبتها، طلب مني رئيس «الدعوة السلفية» والرجل الأهم في حزب النور، ياسر برهامي، نصيحة أقدمها إليه عقب حوار أجرته مجموعة من المثقفين المدنيين، كنت واحدا منهم، مع السلفيين، فقلت له على الفور: أنصحك بأن «تكف ستة أشهر عن قراءة الفقه وتخصص هذا الوقت لقراءة الفلكلور المصري». فامتلأ وجهه بالدهشة، وتساءل: لماذا؟ فأجبته: «لأن الفلكلور يربح في النهاية».
لم يعمل برهامي بالنصيحة، وقبله جماعة الإخوان المسلمين التي ظنت أن المصريين صوتوا على مشروعها أو تصورها الديني والفكري الذي تقع الهوية في قلبه، وهي مسألة طالما كنت أفندها في حينها، فدفعوا ثمنا باهظا، أكبر بكثير من الأثمان التي دفعها كل من حاولوا اختصار هوية مصر في جانب واحد: فرعونية، كما كان ينادي حفيد أحمد لطفي السيد وأسس حزبا لهذا الغرض قبل ثورة يناير، وبحر متوسطية كما حلم طه حسين، ومن قبله الخديو إسماعيل الذي أراد أن تكون القاهرة مثل باريس حتى في معمارها، أو إسلامية، كما رفعت ما تسمى حركة «الصحوة الإسلامية» التي بدأت في عشرينات القرن العشرين، أو عربية، حسب ما تبنى التيار القومي، ولا سيما الناصرية، التي غلبت هذا الاتجاه على ما عداه. وفي كل هذه الحالات، كان الحضور الأفريقي موجودا، على الأقل بحكم الجغرافيا التي جعلت مصر بوابة القارة السمراء، وهي مسألة لم تكن سائدة قبل توحيد القطرين على يد الملك الفرعوني مينا، حيث كانت دلتا مصر جزءا من القارة الآسيوية بينما الصعيد هو المنتمي إلى أفريقيا. وتقاطع الدين مع كل هذه الحالات، فنظر إلى مصر لدى كثيرين باعتبارها جزءا من العالم الإسلامي، فيما فرض الصراع الدولي عليها أن تكون في «العالم الثالث» بحكم تقسيمات القرن العشرين، لكن هذه مسألة قابلة للتغير لأنها مرتبطة بشروط اقتصادية وتقنية وقدرات عسكرية معينة.

* دولة ذات سيادة
* كل هذا ربما كان في ذهن أعضاء «لجنة الخمسين» الذين جلسوا ليضعوا دستور مصر الجديد، عقب ثورة يونيو (حزيران)، حيث نصت المادة الأولى فيه على أن «جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون. الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمي إلى القارة الأفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية».
هنا يكونون قد حددوا الهوية بدوائر الانتماء الجغرافي والتاريخي والثقافي، لكنهم في حقيقة الأمر سايروا السائد والمتاح والمألوف، وخضعوا لتوازنات سياسية واجتماعية في اللحظة الراهنة، دون أن ينصاعوا إلى حقيقة دامغة تقول إن هوية مصر هي أنها «مصر»، التي كونت أقدم دولة في تاريخ البشرية، وسعت إلى معرفة الله قبل الأديان الإبراهيمية، وكان موجودا بها سبعة أنبياء قبل الإسلام، وعاشت نحو سبعة قرون دولة مسيحية، وظل المسيحيون يشكلون أغلبية سكانها حتى العصر الفاطمي، أي بعد أكثر من قرنين من الفتح الإسلامي، وهي الدولة التي احتفظت بوضع خاص طيلة زمن الخلافة الإسلامية، الأموية والعباسية والعثمانية، وكانت شبه مستقلة عن السلطة المركزية في دمشق وبغداد وإسطنبول، ومن تولوا أمرها تشجعوا في أغلب الأحيان، على التمرد المعلن أو الصامت على السلطة المركزية محاولين أن يستقلوا بها، هكذا فعل أحمد بن طولون وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، ومحمد علي الذي جهز جيشا لمحاربة السلطان العثماني نفسه.
لكل هذا، فإن مصر بدت طيلة تاريخها أمة قائمة بذاتها، نشأت على التوالي، طبقات حضارية بعضها فوق بعض، ومن ثم فإن أي محاولة لتفكيك هويتها أو اختزالها في صنف أو لون واحد محكوم عليها بالفشل الذريع، فالموروث الشعبي المصري يتمدد فيه كل هذا الزمن لتبقى قيم ومعان وألفاظ وطقوس مستمرة لا تهتز ولا تذهب. فعلى سبيل المثال، فإن الطقوس التي تؤدى اليوم في مقام القطب الصوفي أبو الحجاج الأقصري، هي التي كانت تؤدى في المكان ذاته في مصر المسيحية، ومن قبلها في معبد آمون بمصر الفرعونية، إذ تغيرت الكلمات والمعاني والمقاصد واستمرت الطقوس. ولهذا، ليس من قبيل المبالغة أن يقول البعض إن مصر أعطت المسيحية والإسلام من روحها.

* لحظة تاريخية
* وحين اندلعت ثورة يناير، عبر ميدان التحرير عن كل هذا المعاني، وتعجب كثيرون من الجينات الحضارية التي قفزت فجأة لتجعل المصريين في لحظة تاريخية، يتسامون فوق الاحتقانات الطائفية والطبقية والسياسية التي عانوا منها عقودا. لكن ما إن انتهت الموجة الأولى بإجبار حسني مبارك على التنحي، حتى بدأ صراع الهويات الذي هو السبب الكامن أو المضمر وراء الدم الذي سال، ولا يزال حتى الآن، بينما السبب الواضح الفاضح هو الصراع على السلطة من ناحية، والحفاظ على الدولة من ناحية أخرى، وإن كان البعض يعد حيازة السلطة هي الوسيلة الأقصر والأقرب والأكثر أمنا للدفاع عن الهوية كما يراها، أو يتوهمها.
لكن الحالة المصرية هنا ليست استثناء، فالصراعات حول «الهوية»، بشتى أشكالها، تعد الأكثر إراقة للدماء في تاريخ البشرية المديد. فالإنسان الذي طالما تمزق بين «أنا» و«هو» أو «نحن» و«هم»، كان أكثر ضراوة حين زاحم وخاصم وقاتل من يختلفون معه في الدين والسلالة والطبقة والثقافة. وتحت هذه البنى الاجتماعية الكبرى، تناحر المتمايزون في الفروع من بين المتمركزين حول القبيلة والطائفة والمذهب واللهجة. حتى الإمبراطوريات الكبرى لم تقلع عن توظيف الهويات في تبرير مشروعاتها الاستعمارية، حين صنعت منها آيديولوجيات سهلت لها عملية الحشد والتعبئة.
وأغلب الأفعال العنيفة محالة إلى التعصب الأعمى للهويات تارة، وإلى الهويات التي تنطوي على أفكار تدعو إلى كراهية الآخر ونبذه طورا.
لكن ما أود أن أؤكده في هذا المقام، أن إمكانية إنتاج هوية ما عنفا مقنعا أو منظما، لا يعني بأي حال من الأحوال أن التخلي عن الهوية واجب، فهذه مسألة مستحيلة بل ومرفوضة تماما، لكن من الضروري أن يتخلى الأفراد عن التعصب الأعمى لهوياتهم وخصوصياتهم، وألا يستسلموا لما يسمى «حرب الأفكار» وأن يؤمنوا بتعدد الهويات وتقاطعها، ويتسامحوا مع «الآخر»، ويمتلكوا قدرة فائقة على التفرقة بين التسامح والتساهل، فالأول لازم لنزع أي طاقة عنيفة تحملها الهويات، والثاني غير مطلوب، لأن من لا يحترم ما لديه ليس بوسعه أن يحترم ما لدى الآخرين، ففاقد الشيء لا يعطيه.

* ما الهوية؟
* ابتداء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما الهوية؟ إنها في معناها الأول والبسيط، هي إدراك الفرد نفسيا لذاته. لكن هذا التصور المبسط لم يلبث أن اتسع وتفاعل داخل العلوم الإنسانية قاطبة، ليشمل الهوية الاجتماعية، والهوية الثقافية، والهوية العرقية، وجميعها مصطلحات تشير إلى توحد الذات مع وضع اجتماعي، أو تراث ثقافي، أو جماعة عرقية. وإذا انطلقنا من الذات وفارقناها إلى المحيط الأكبر، فيمكن الحديث عن هوية الجماعة، التي تعني التوحد أو الإدراك الذاتي المشترك بين جماعة من الناس.
والهوية مفهوم متعدد الجوانب، يتعلق بفهم الناس وتصورهم لأنفسهم ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم، استنادا إلى مصادر معينة مثل الجنوسة والتوجه الجنسي والجنسية والإثنية والطبقة والمذهب وغيرها. وهناك نوعان من الهوية. الأول هو الهوية الذاتية. والثاني هو الهوية الاجتماعية. وكلاهما مرتبط بهمزات وصل كثيرة.
وإذا كان النوع الأول يتمحور حول الأنا بوصفها مظهرا شعوريا للذات كما يدركها صاحبها، فإن هوية المجتمع هي خلاصة عبقريته وذكائه الجمعي المستقى من سماته النفسية وتاريخه وقيمه وعقيدته وتصوراته وتجربته الحياتية بكل ما تنطوي عليه من قدرة على الاستيعاب والاستبعاد، وإمكانية في التواصل مع التجارب الأخرى، والتفاعل معها بمختلف الصور والأشكال. وهذان النوعان يشكلان صلب الاهتمامات المعرفية والعلمية بقضية الهوية، لا سيما الدراسات الثقافية، التي تنشغل أساسا بفحص السياقات التي يقوم الأفراد والجماعات، داخلها ومن خلالها وبالاستناد إليها، بتكوين هوياتهم أو فهمهم لذواتهم والتعبير عنها وحمايتها.
وينطوي مفهوم الهوية على خاصية ثابتة ومستمرة للفرد أو الجماعة، وهذا إن كان من الممكن تقبله على المستوى النظري، فإن من الصعب تحققه في الواقع المعيش. لذا يدعو بعض الباحثين إلى التركيز على عملية التوحد، وليس البحث عن هوية ثابتة، لأن الأخيرة تكاد تكون مستحيلة. فالشخص الواحد ينتمي إلى هويات كثيرة، وهو ما عبر عنه أمارتيا سين حين قال: «إننا في حياتنا العادية نرى أنفسنا أعضاء لعدد متنوع من الجماعات، ونحن ننتمي إلى كل هذه الجماعات، فالشخص نفسه يمكن أن يكون، دون أي تناقض، مواطنا أميركيا من أصل كاريبي، ويتحدر من سلالة أفريقية، ومسيحيا، وليبراليا، وهو رجل، ونباتي، وعداء للمسافات الطويلة، ومؤرخا، ومعلما، وروائيا، ومناصرا لقضايا المرأة، وطبيعيا في علاقته بالجنس الآخر.. ومحبا للمسرح، ومناضلا من أجل قضايا البيئة، ومشجعا للعبة التنس، وعازفا لموسيقى الجاز، وشديد الإيمان بالرأي الذي يقول إن هناك مخلوقات ذكية في الفضاء الخارجي». وهذا التعدد في الهويات يتكرر لدى كل فرد على وجه الأرض، بما يجعل الإنسان موزعا طيلة الوقت بين انتماءات متقاطعة ومتشابكة، ومتباينة أحيانا. وقد يشترك الفرد في انتماء أو أكثر من فرد آخر، لكنهما يكونان في الوقت ذاته متناقضين ومتنافرين في انتماءات أخرى، وهذا في شبكة اجتماعية غير منتظمة.
ونظرا لهذا التعقيد، حاولت بعض الدراسات الاجتماعية والاقتصادية أن تمارس نوعا من التجنيب أو الاختزال لـ«الهوية» عبر سبيلين: الأول هو «الإغفال» بمعنى التجاهل والإهمال الكلي لتأثير أي شعور مشترك بالهوية على سلوكيات واختيارات التجمعات البشرية، والتعامل مع كل فرد كأنه «كل متكامل» منبت الصلة عن غيره، ويعمل ويتحرك في جزيرة منعزلة. أما الثاني فهو «الانتماء الأحادي أو المنفرد» الذي يعني النظر إلى كل فرد كأنه لا ينتمي إلا إلى جماعة واحدة، يعطيها ولاءه.

* مصر تعود
* وعموما، فإن الإنسان لا يعطي مختلف هوياته الدرجة نفسها من الأهمية أو الأولوية، لكنه يغلب بعضها على بعض، وقد تنتظم لديه في سلم انتماء يتدرج من الأقصى إلى الأدنى، وهنا قد تجد مجموعة بشرية نفسها متفقة على إعطاء وزن أكبر لهوية معينة عما عداها، ويورثها هذا شعورا قويا بالتمايز عن الآخرين.
وهذه المجموعة قد تصغر لتختصر في جماعة أو عائلة أو عشيرة أو قبيلة أو طائفة أو أهل حرفة أو أتباع دين أو لغة، وقد تكبر عند البعض لتصبح الدولة أو الإقليم، وهنا يمكنها أن تأخذ أسماء عدة. فعلى سبيل المثال، هناك مصطلحات مختلفة للتعبير عن هوية المنتمين إلى منطقتنا من العالم مثل: «الرابطة الشرقية» و«الجامعة الإسلامية» و«القومية العربية» و«الرابطة الوطنية الإقليمية» و«العالم العربي» و«الوطن العربي»، وغير ذلك من المفاهيم التي ثار حولها جدل فكري عارم منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة.
ومن يمعن النظر في الملابسات والسياقات المرتبطة بالأعمال العنيفة التي تمت بسبب تنازع الهويات، يجد أن وجاهة ورسوخ وتأثير التصورات التي تبرر العنف تختلف باختلاف المدى أو القدر الذي يتوافر فيه للساخطين الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة. ويتولد هذا الشعور ويتعزز عبر مجموعة من المعاني والرموز التي تجعل الناس واعين بحالات السخط المشتركة بينهم، ومدركين في الوقت ذاته حجم وجود الجماعة أو المنظمة التي تضمهم، وواثقين بقدرتهم إن توحدوا على أن ينتفضوا ضد من يضطهدهم أو يقهرهم. ومثل هذا الوضع دفع ديفيد شوارتز إلى القول: «الإغراءات الثورية تكون ناجحة بمقدار ما توفر الشعور بالانتماء إلى جماعة تاريخية معتدة بنفسها، حتى لو كانت من نتاج الخيال».
والصراع حول الهوية آفة عرفتها البشرية طيلة تاريخها المديد، بدءا من التناحرات العشائرية والقبلية وحتى صراع الدول والإمبراطوريات والحضارات. وصراع الحضارات هو المشهد الأخير في استخدام الهوية كرأس حربة ضد «الآخر». وهذه حالة عامة لا سبيل لنكرانها.
فإذا عدنا إلى حالتنا الخاصة التي نقصدها في هذا المقام، يمكن أن نقول إنه مع تفشي البطالة في مصر، وإصرار الكبار على ممارسة الوصاية على الشباب في نظام «أبوي» جامد، ينشأ وسط صراع أجيال حاد، وانسداد الأفق السياسي بفعل تسلطية الدولة وبطشها، واستشراء الفساد، وازدياد حجم الغبن الاجتماعي، وشيوع ثقافات تقليدية ودينية نازعة إلى الجمود والتشدد، واستفحال الشعور بالقهر والظلم والهوان حيال العالم الخارجي، يجد الشباب المصري نفسه مدفوعا إلى الانزلاق إلى ارتكاب العنف بشتى صوره الرمزية واللفظية والمادية، وهي حالة لا شفاء منها دون انقضاء الأسباب التي تؤدي إليها، ثم جاء الصراع حول الهوية ليزيد الطين بلة.
لكن الأسباب كلها كانت وراء العنف الاجتماعي، أما العنف السياسي في مصر فيعزى إلى صراع الهويات بالأساس الذي كان مكبوتا أيام حكم مبارك بفعل القوة الأمنية، ثم انفجر بعد رحيله بطريقة غير مسبوقة، فوجدنا مخاوف الأقباط من تقدم «الإخوان» والسلفيين في الحياة السياسية، وهتف بعض المسيحيين في المظاهرات التي نظموها احتجاجا على هدم وحرق كنائس على يد سلفيين: «بالطول والعرض.. إحنا أصحاب الأرض». أما السلفيون وأتباع «الجماعة الإسلامية» والجهاديون، فقد قلبوا هتاف الثورة «الشعب يريد إسقاط النظام» عقب رحيل مبارك مباشرة إلى: «الشعب يريد تطبيق شرع الله».
وأتذكر في هذا المقام مجموعة من الملتحين كانوا يجوبون ميدان التحرير فاردين فوق رؤوسهم علما ضخما لمصر، وهم يهتفون: «لا شرقية ولا غربية.. مطلبنا هو الحرية»، ولم يكن هذا إلا نوعا من التحايل والخوف، لأن مبارك وقتها كان لا يزال ينازع من أجل الاحتفاظ بالسلطة، ومن ثم فجزء كبير من قدرته على تخويف هؤلاء كانت باقية، ومن هنا تخلى هؤلاء «تكتيكيا» عن «لا شرقية ولا غربية.. إسلامية إسلامية» إلى رفع شعار «الحرية» المتساوق مع مبادئ ومطالب الثورة، ثم انقضوا عليه وعادوا إلى سيرتهم الأولى، بعد أن زالت أسباب الخوف.

* تحت راعية «الشرعية»
* وبلغ الأمر مداه مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي جرى في 19 مارس (آذار) 2011، وكان بداية الافتراق في الساحة السياسية والقوى الثورية أو تلك التي التحقت بالثورة بعدما تأكدت من نجاحها. فانقسمت مصر إلى «مدنيين» يصفهم «الإخوان» والسلفيون بأنهم «علمانيون»، ويتركون لمشايخهم مهمة تشويه هذا المصطلح بما ليس فيه، من دون ورع ولا علم ولا حياء، وإلى «إسلاميين» حسبما يصفون هم أنفسهم، وإن كانت تدابيرهم وتصرفاتهم، بل أقوالهم، تتناقض أو تتعارض مع صحيح الإسلام في مواضع لا حصر لها، ولا داعي لذكرها هنا.
ووسط هذا الضجيج، عادت أصوات تتحدث عن الخوف من اختطاف الهوية المصرية، التي ألفوها وتعايشوا معها، وكانوا يعنون بها طبائع المصريين وثقافتهم العميقة وطريقتهم الوسطية أو المعتدلة في فهم الدين وتطبيقه، التي جعلت الإمام الشافعي نفسه يفتي ذات يوم في مصر بغير ما يفتي به في العراق على المسألة نفسها. وزادت هذه المخاوف مع اتجاه «الإخوان» إلى التحالف مع التكفيريين والسلفيين الجهاديين، بعد عقود بدوا فيها كأنهم قد تماهوا مع مقتضيات الهوية المصرية أو تكيفوا مع طبائع وقيم وموروث المصريين، وهي مسألة كانت تعطيهم ميزة على تيارات العنف والجمود التي اتخذت من الإسلام آيديولوجية لها أو زعمت أنها تحمل لواءه في الدعوة.
وفور سقوط حكم «الإخوان» بعد ثورة 30 يونيو، اشتد الصراع على السلطة ضراوة، وهو يلبس لبوس الهوية، فالذين وقفوا على منصة «رابعة» كانوا طيلة الوقت يصدرون خطاب الهوية رغم أنهم يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن مقصدهم هو الاحتفاظ بالسلطة والاستعداد للقتال من أجل هذا تحت راعية «شرعية» فقدوها قبل الثورة بكثير لأسباب كثيرة. فخطاب الهوية هنا كان الهدف منه تجميع القوى «الدينية» للوقوف إلى جانب «الإخوان» في معركتهم السياسية البحتة. وفي مقابل هذا، استدعى معارضو «الإخوان» خطاب هوية آخر هو الدفاع عن «خصوصية» الأمة المصرية وتاريخها، وهي استدعاءات لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة ولا أعتقد أنها ستتوقف في المدى المنظور، ليستمر الكل، في سذاجة مفرطة، في التناحر من أجل تحديد هوية مصر، ولن يفعلوا في نهاية المطاف سوى مثلما فعل ذلك الذي أخذ وقتا طويلا للتفكير، ثم عرف الماء بالماء.
* كاتب مصري



نتنياهو «المتنصّل من مسؤلياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو «المتنصّل من مسؤلياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

لو كان بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يمحو تاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) من الروزنامة، ويشطبه من التاريخ، لما تأخر لحظة واحدة. فقد بدأ هذا التاريخ كلعنة، قلبت حياته ومفاهيم كثيرة من حوله، ومع تكرارها سنة تلو الأخرى تحول إلى مجموعة لعنات متراكمة، يحتاج إلى أعجوبة إلهية للتخلص منها.

ففي ذلك اليوم، قبل ثلاث سنوات، سقطت السماء على رأسه. عندما أيقظوه من النوم، في الساعة السادسة وأربعين دقيقة، أي بعد 11 دقيقة من انطلاق هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وأخبروه بالحدث، لم يستوعب ما حصل. وعندما أطلعوه على التفاصيل الأولية، بأن «هناك عدداً كبيراً من القتلى والجرحى والمخطوفين إلى غزة»، أصيب بصدمة نفسية. وفي شهادات نشرها بن كسبيت، الكاتب في صحيفة «معاريف»، قال مقربون ممن شاهدوه عن قرب في تلك الساعات، إن «فكّ نتنياهو السفلي بدا ساحلاً، ووجهه شاحباً وكلامه قليلاً وشيء من الهوس والهذيان مسّ تصرفاته: «لماذا فعلوا ذلك؟»، تساءل وقصد بسؤاله قادة «حماس».

وحتى غادي آيزنكوت، الذي التقى نتنياهو بعد أربعة أيام من الهجوم، شهد بأنه رآه محبطاً ومذهولاً.

عضو من «مجلس أكتوبر» وهو تجمع عائلات الضحايا المطالبين بتحقيق مستقل في الفشل الحكومي يرفع صورة مركّبة لنتنياهو أمام الكنيست الإسرائيلي (رويترز)

تفرّغ لـ«محو غزّة»

عملياً، ترك نتنياهو إدارة شؤون الدولة في موضوع صد الهجوم والرد الانتقامي عليه إلى الجيش وبقية أجهزة الأمن، والمواقف التي أعلنها لدى ظهوره للإعلام كانت ترداداً ببغائياً لما كان يسمعه من هؤلاء القادة. وكشف رئيس أركان الجيش يومها، هيرتسي هليفي، عن أنه حالما همَّ بمغادرة البيت في السادسة والنصف صباحاً، سألته زوجته: إلى أين؟ فأجابها: «إلى محو غزة عن بكرة أبيها». وتحولت هذه المقولة إلى خطة عمل، ثم عقيدة عسكرية جديدة للجيش وللدولة العبرية برمتها. وراح نتنياهو يترجمها إلى لغة سياسية.

لكن ردود الفعل الأولى، كانت، بحسب تحقيق نشرته إيلانا ديان، في برنامج «عوفدا» في القناة الـ12 للتلفزيون الإسرائيلي، كانت فزعة، وبيَّنت أن همه الأول الآن التنصل من المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر. واقتبست كلام مساعده أليعيزر فلدشتاين، الذي وصف حالة نتنياهو في الأيام الأولى للهجوم بمظهر «المذعور» و«المحبط جداً»، وبدلاً من التركيز على الجانب الاستراتيجي الشامل للحدث ووضع توجيهات ملائمة، أوكل إلى فريقه الإعلامي «المهمة الأولى والمباشرة» وهي: وضع خطة فورية لكبح العاصفة الإعلامية والتهرب من المسؤولية السياسية، متسائلاً بضيق عما إذا كانت الأخبار لا تزال تتحدث عن مسؤوليته الشخصية عن الفشل.

لحظة اليقظة

يؤكد المتابعون الكثيرون لشخصية نتنياهو أن ما أيقظه من إحباطه الشخصي هو الإحباط الذي لمسه لدى فريقه والوزراء المقربين منه، فتحول إلى أسد كاسر. وليس صدفة أنه تحمس لتسمية الحربين على إيران، «شعب كالأسد» و«زئير الأسد». فهو يعتبر نفسه «سيد الأمن» في إسرائيل. وقد خاف أن يكتشف الجمهور حالة الوهن التي ألمت به وبفريقه فيطالب بإطاحته. وراح يصيح فيهم: «اخرجوا من هذه النفسية. اقرأوا ما يكتبون عنا (ويقصد - «عني») وردوا عليهم. تكتب هنا أمور فظيعة، بدلاً من اتهام الجيش والمخابرات».

ومن هنا، أصبح الخط السياسي للحكومة توجيه الاتهام للقيادات العسكرية بأنها نامت في الحراسة ولم تقم بواجبها في جمع معلومات استخبارية وإحباط «حماس» قبل أن تتمكن من الهجوم. وقد حاولت الأجهزة الأمنية الدفاع عن نفسها، فاعترفت بجزء من المسؤولية وأجرت تحقيقات داخلية وعاقبت بعض المسؤولين واستقال جميع قادة هذه الأجهزة، هليفي في الجيش، ورونين بار قائد المخابرات العامة، وديدي برنياع رئيس الموساد، وعشرات الجنرالات الآخرين.

في الشارع الإسرائيلي، توجد قناعة بأن الجيش وبقية أجهزة الأمن فعلاً يتحملون مسؤولية عن الإخفاق، لكنهم يريدون أيضاً أن يتحمل نتنياهو مسؤولية عنها. لكنه يرفض. وليس هذا فحسب، بل يرفض حتى تشكيل لجنة تحقيق رسمية بقيادة قاض للتحقيق فيما جرى. ويصر على أنه «القائد الملهم، الذي حبا الله شعب إسرائيل به في الوقت المناسب»، كما قالت زوجته في عدة لقاءات إعلامية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة في إحياء ذكرى ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس (أ.ب)

سبات عميق

اليوم، يرى نتنياهو أن الانتخابات العامة المقررة ليوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مصيرية ليس للشعب في إسرائيل كما يقولون في الحلبة السياسية والإعلام، بل له شخصياً. والسابع من أكتوبر هو العنوان. فعلى الرغم من كل محاولاته لتجاوزه، يصر خصومه الكثيرون، في السياسة والإعلام والأكاديميا والدولة العميقة على تذكير الجمهور بهذا التاريخ.

وقد رضخ لإرادتهم وراح يتعامل مع اتهاماتهم. فيقول: «لو أيقظوني قبل نصف ساعة لكانت النتيجة مختلفة». ويكتب بن كسبيت عن ذلك في 8 من سبتمبر (أيلول) 2026: «اليوم، بعد ثلاث سنوات يتجرأ على أن يقول: (لو كانوا أيقظوني لبدا هذا مختلفاً تماماً). لكن واقعياً، يمكن القول إنهم لو كانوا أيقظوه فعلاً في تلك الليلة، لما حصل شيء. ولا أي شيء».

ليس صعباً الوصول إلى هذا الاستنتاج. لشدة الأسف، ما كان أحد ليوقظه في الليل ويقول له إن «حماس» تعتزم بدء هجوم غير مسبوق على الجنوب، وأن 6 آلاف مخرب سيجتازون العائق ويحتلون بلدات وقواعد. لكنهم، للأسف، لم يعرفوا ذلك. كان فشلاً استخبارياً وعملياتياً غير مسبوق. كل المسؤولين عنه أخذوا المسؤولية على أنفسهم واستقالوا.

وهم في الحقيقة حاولوا إيقاظه على مدى أسابيع وأشهر. من لم يحذره؟ رئيس الأركان حاول أن يحذره، لكنه لم يرغب في أن يسمع. رئيس شعبة الاستخبارات «أمان» بعث له بثلاث رسائل وهو لم يرغب في أن يقرأها («توجد في هذا مبالغة»، قال لينون مغيل). أفيغدور ليبرمان حذره، يائير لبيد حذره. وزير دفاعه، يوآف غالانت حاول أن يوقظه. غادي آيزنكوت بعث له بكتاب، وقال إن الوضع أخطر مما كان عشية حرب يوم الغفران. لم يجدِ أي شيء نفعاً. الآن هو يشكو من أنهم لم يوقظوه في ذلك الصباح. لا يوجد جرس إنذار لم يُفعّل. أما هو فلم يرغب في أن يستيقظ.

مزارع فلسطيني يقف في كرم زيتون يملكه فلسطينيون في بلدة الرنتس قرب رام الله وبدت خلفه لافتات انتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

عثرة «انتخابات مصيرية»

يؤمن نتنياهو بأنه سيقنع الناخبين بوجهة نظره ويفوز في الانتخابات. يقول لنفسه ولفريقه: «يجب أن أفوز في الانتخابات. لا ينفع ألا أفوز. لا يجوز. هذا خطير جداً». ويقصد بأن خسارته في الانتخابات سيكون مردودها الأول إقامة لجنة تحقيق رسمية. وهو أكثر من غيره ومن المحققين يعرف بأن تحقيقاً نزيهاً سيكشف عن أنه متورط حتى النخاع في الإخفاق. فهو الذي فرض على أجهزة الأمن قبول منح ملايين الدولارات بالحقائب إلى حركة «حماس»، وهو الذي كان يقول إن «(حماس) تعتبر كنزاً. بواسطتها وبإبقائها قوية نمنع إقامة دولة فلسطينية»، لا بل إنه أقنع أشد المتطرفين في حكومته بهذه النظرية، الوزير بتسلئيل سموتريتش.

فإذا سقط عن الحكم فستكون أمامه محاكمة الفساد الجارية حالياً، ومحاكمة فساد أخرى تتعلق بالغواصات على الطريق، وربما تضاف محاكمة ثالثة عن دوره في إخفاقات 7 أكتوبر، ويكون مصيره السجن. لذلك. سيعمل نتنياهو كل شيء في سبيل منع هذا الخطر، حتى لو كان ذلك حرباً تؤجل الانتخابات.


خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان اسم خليل الحية (65 عاماً تقريباً) بارزاً ومهماً في أوساط حركة «حماس»، لكنه -وفق تقديرات من داخل وخارج الحركة- لم يكن بالدرجة التي تضعه كمرشح كبير لقيادتها، وفق مآلات الأمور آنذاك.

غير أن انطلاق «طوفان الأقصى» غيّر في ديناميكيات الأشخاص، والأدوار، كما بدّل في جغرافيا القطاع، وما خارجه؛ وبات الحية راهناً رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس»، وقائداً لها في واحدة من أكثر مراحلها التحولية الحساسة.

بعد منافسة مع القائد السابق للحركة، والاسم البارز بين قياداتها، خالد مشعل، أُعلن فوز الحيّة في يوليو (تموز) الماضي، في حدث مثّل مفاجأة للبعض خارج «حماس»، وتوقعه آخرون داخلها، خاصة من نمو سيطرة ما يسمى بـ«قيادات غزة» -أي أبناء القطاع- على مفاصل أهم الملفات، والمناصب الحساسة والمهمة داخل الحركة.

خليل الحية (الثاني من اليمين) وإلى يمينه قائدا الحركة الراحلان إسماعيل هنية ويحيى السنوار يصلون إلى معبر رفح الحدودي في سبتمبر 2017 (رويترز)

في لحظة إطلاق «طوفان الأقصى» كان الحية نائباً لقائد «حماس» في القطاع، يحيى السنوار، ومسؤولاً عن التواصل مع الفصائل الفلسطينية، والجهات الأممية والوسطاء فيما كان يتعلق بواقع قطاع غزة، وجولات التصعيد التي كان يشهدها مع إسرائيل.

ويسجل تاريخ الحركة أن أول ظهور لامع للحية تزامن مع دخول «حماس» إلى المنافسة في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، وما تبعها من سيطرة عسكرية للحركة على القطاع عام 2007، وبعدها تنقل في مناصب قيادية محلية داخل مدينة غزة، ثم على مستوى القطاع، ثم أصبح قيادياً عاماً، وكان يتلقى دعماً مستمراً من قيادات الجناح العسكري للحركة في غزة، مثل أحمد الجعبري، وعز الدين الحداد.

أين كان لحظة الهجوم... وهل عرف به؟

كان خليل الحية مثل الكثيرين من أعضاء المكتب السياسي بغزة، الذين طلب منهم السنوار قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023 مغادرة القطاع والخروج من غزة لمتابعة ملفات معينة، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يخطط له مفجر «طوفان الأقصى». وتؤكد مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحية كان أكثر اطلاعاً مقارنة بغيره من أعضاء المكتب السياسي على بعض تفاصيل 7 أكتوبر «لكن معلوماته لم تكن كاملة، ولا دقيقة، إذ لم يكن يعرفها سوى السنوار، وقادة في الجناح العسكري كانوا على علاقة بجزئيات محددة تتعلق بالهجوم»، وفق ما حدد أحد المصادر.

يؤكد الحية في مقابلة نشرها «المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لحركة «حماس» في أبريل (نيسان) 2024: أن «هجمات السابع من أكتوبر التي أشعلت حرب غزة كان المقصود منها أن تكون عمليةً محدودةً قامت بها (حماس) لأسر عدد من الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين»، مضيفاً: «إن فرقة غزة في الجيش الصهيوني انهارت تماماً»، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط» إن الحية «كان يعلم أن هجوماً واسعاً نسبياً قيد التحضير، لكنه لا يعلم التوقيت، ولا التفاصيل تماماً، وأنه كان ممن صوتوا مع قيادات على أن يتم الهجوم، لكن جميع من شاركوا في التصويت كانوا يعتقدون أنها مجرد عملية محدودة، وبمن فيهم إسماعيل هنية الذي كان رئيساً للمكتب السياسي، وكان يتجهز برفقة الحية ومشعل وغيرهما من القيادات للسفر من تركيا إلى العراق في أول زيارة لهم للبلاد».

خسائر شخصية وغيابات تنظيمية

لقد جرت في نهر «7 أكتوبر» -وفي أسرة خليل الحية- دماء كثيرة على مدار 3 سنوات من حرب إسرائيلية ضارية، كبّدت القطاع عموماً -والحية حتى وهو خارجه- خسائر فادحة؛ إذ ودع في مايو (أيار) الماضي ابنه عزام، وذلك بعد شقيقه همام في سبتمبر (أيلول)، واللذين قتلتهما إسرائيل في هجمات منفصلة، وانضما إلى ابنين آخرين هما حمزة، وأسامة، واللذان قتلتهما إسرائيل كذلك في عامي 2008 و2014 على الترتيب.

ويعتقد مصدر من «حماس» داخل قطاع غزة أن «الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمنزل الحية في الحروب على القطاع، ومقتل عدد من أبنائه -خاصةً خلال الحرب الأخيرة- رفعا من أسهمه داخل الحركة، ورشحاه ليصبح قائداً لها على حساب شخصيات تاريخية أخرى».

لكن مصدراً آخر من «حماس» قال إن «غياب شخصيات مهمة عن الواجهة من المكتب السياسي بعد اغتيال إسماعيل هنية، وصالح العاروري، ثم مقتل يحيى السنوار في اشتباكات بشكل مفاجئ داخل القطاع، واغتيال شخصيات أخرى مثل روحي مشتهى وأسامة المزيني، وتغيب شخصيات أخرى لظروف صحية، مثل محمود الزهار وغيره، كل ذلك دفع بالحية ليكون الأكثر حضوراً لتولي المسؤوليات، خاصةً مع سيطرة قيادات من غزة على مناصب مهمة داخل المكتب السياسي، ومجلس الشورى».

واستدرك المصدر أن «هذا لا يعني التقليل من شخصية الحية؛ فالرجل أثبت قدرته على القيادة، وتحمل المسؤوليات في الكثير من الملفات والمناصب التي تولاها سابقاً، حتى بات شخصية مقربة جداً من إسماعيل هنية خلال وجوده بالقطاع، وكذلك عندما التحق به في الخارج، كما أنه تعرض لمحاولات اغتيال سابقاً، وأبرزها ما حدث أثناء وجوده في الدوحة (سبتمبر 2025)، حينما كان يدرس مع قيادات أخرى عرضاً أميركياً لوقف إطلاق النار.

ويضاف إلى المسوغات الشخصية، وفق المصدر الثاني، أن «تأييد الحية الدائم لما خطط له السنوار داخلياً وخارجياً منحه تأييداً أوسع داخل الحركة، خاصةً من المقربين، والمحسوبين على السنوار، وقيادة (كتائب القسام)».

ويؤكد المصدر أن قيادة «القسام» بغزة دعمت الحية ليكون رئيساً للحركة، كما أنها دفعت باتجاه انتخابه باعتباره يمثل خياراً مهماً داخل الحركة لما تراه قيادة غزة التي كان يجب أن تُكرم وتواصل قياداتها للحركة بعدما قادت معركة (طوفان الأقصى)، وضحت بقياداتها الكبار» كما قال.

علاقة الحية بإيران

يُعرف عن الحية في أوساط الفصائل الفلسطينية و«حماس» أنه من الشخصيات التي دعمت توجهات السنوار المدفوعة من قيادة «القسام» لإعادة توطيد العلاقات مع ما يُسمى بـ«محور المقاومة»، وخاصةً إيران، الأمر الذي كان فيما يبدو من أهم القضايا التي أسهمت في توسع نفوذه، حيث كان مسؤولاً عن الاتصالات مع النظام السوري السابق، وزار دمشق للقاء بشار الأسد، في أول زيارة لمسؤول من «حماس» للبلاد في أكتوبر 2022، بعدما كانت غادرتها عام 2012، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية آنذاك ضد النظام السابق.

ويقول مصدر قيادي من غزة إنه كان هناك إجماع داخل قيادة غزة من المستويين السياسي والعسكري للدفع باتجاه قرار إعادة العلاقات مع إيران، وكان الحية إلى جانب السنوار قد وضعا ثقلهما من أجل فتح علاقات جديدة مع النظام بطهران، وبتأييد جارف من قيادة «القسام» التاريخية، بدءاً من محمد الضيف، ومحمد السنوار، ووصولاً لكل قيادات المجلس العسكري.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يستقبل خليل الحية قائد «حماس» الحالي في طهران في فبراير الماضي (أ.ب)

وشرح مصدر في الخارج أن «هناك بعض الأصوات التي كانت مؤيدة لهذه الخطوة بتحفظ في ظل ما واجهته الحركة من معاناة في العلاقة مع إيران ببعض الفترات، ومطالبة الحركة باتخاذ قرارات تأييد لجهات موالية لإيران في ساحات أخرى، وهو أمر كانت ترفضه الحركة، وتؤكد استقلالية مواقفها».

تبدو قيادة الحية لـ«حماس» إذن أشبه بالمشي على الأشواك؛ فهو على المستوى الداخلي في القطاع أمام مسؤولية إنهاء الحرب، والتعامل مع الضغوط الإنسانية الهائلة بعد مقتل أكثر من 70 ألفاً من أبناء القطاع، واحتلال أكثر من 60 في المائة من مساحته. ومقابل الاستحقاق السابق يظهر الثمن؛ فالرجل يتفاوض عبر الوسطاء مع إسرائيل التي تقول إنها لن تتنازل عن نزع سلاح القطاع، وهو ما يمثل أحد أكثر التحولات في تاريخها.

«حماس» والحية إذن أمام معادلة صعبة للحفاظ على الوجود، والتماسك، وبينما هي مهددة وجودياً بفقدان السلاح كأهم أوراقها، يبدو كذلك أفق المشاركة السياسية ملبداً بالعقبات، فهي بحاجة إلى الالتزام باتفاقيات السلطة الوطنية مع إسرائيل، الأمر الذي يمثل محظوراً للحركة... بقدر ما كان يمثل وصول الحية إلى قيادة «حماس» متغيراً لافتاً، ومفاجئاً، تظهر فترة ولايته كتحدٍ إضافي سيحدد مصيره الشخصي، ومسار حركته على ما يبدو.


كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
TT

كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)

مباشرة بعدما تولّى منصب رئيس السلطة الفلسطينية عام 2005، وفي جلسة سريعة في بيت لحم، طلب محمود عباس من كوادر تابعة لحركة «فتح» أن يأتوه بأي دليل يثبت أن أحد المسؤولين بالتحديد تورّط بالفساد بعدما كان الحاضرون كالوا له الكثير من التهم المرتبطة بدعم مشاريع إسرائيلية، وذلك كي يحاسبه فوراً. أراد عبّاس إيصال رسالة تؤكّد على أنه جاء لإصلاح السلطة التي كان اتهمها هو أيضاً بالفساد عندما كان رئيساً للوزراء، وأن لديه طريقته لتنفيذ ذلك.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحضر مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في مدينة رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (أ.ب.أ)

وهكذا مع طول إقامته في موقعه، كرر عباس التعهد بإصلاح السلطة مراراً وتكراراً، لرؤساء الدول البعيدة والقريبة، ولحركة «فتح» التي يقودها، ولفصائل أخرى، وللمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المحلي، وأقام لذلك هيئة مكافحة الفساد، لكن من دون أي نتائج جلية على الأرض.

لقد كانت عملية موجودة بلا شك، لكنها طويلة وبطيئة وصعبة ومعقدة، مثلها مثل كل شيء في الأراضي الفلسطينية، قبل أن يأتي السابع من أكتوبر 2023 بعد 18 عاماً على حكم عباس، ويغير كل شيء.

شروط الإصلاح الثقيلة

لقد تحدّث عباس عن الإصلاح آلاف المرات، وتعهد بذلك آلاف المرات الأخرى خلال أعوامه الطويلة، لكنه لأول مرة يجد نفسه بعد 7 أكتوبر أمام مطالبات بالإصلاح من نوع آخر، نوع ثقيل، وبطريقة صعبة، مفادها البقاء مقابل الإصلاح.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد طلبوا الكثير من الإصلاحات. بعد الحرب على قطاع غزة، استغلوا هذا العنوان (الإصلاحات)، وأدرجوا تحته مطالبات لا علاقة لها بالإصلاحات الحقيقية... قطع رواتب وتغيير مناهج، وطالبوا أيضاً بانتخابات رئاسية وتشريعية، وكان كل هذا شرطاً للتعامل مع السلطة ودعمها... وقلنا نعم».

وأضاف: «لدينا ألف اعتراض على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قطاع غزة، وقلنا نعم. لدينا ألف اعتراض على خطة الإصلاح المرتبطة بها، وقلنا نعم. يتعاملون معنا كأننا الدولة الوحيدة التي تحتاج إصلاحات. وقبلنا. ومضينا لأننا نريد وقف الحرب وسدّ الذرائع وإطلاق مسار سياسي. لم يكن وضعاً اخترناه. لكننا وافقنا ومضينا إلى الأمام. فهل يمضون هم، ويطبقون ما عليهم».

لم يكن عباس بحاجة إلى ضغوط كبيرة، فقد التقط جيداً مآلات السابع من أكتوبر، وفي حقيقة الأمر لم ينتظر طويلاً، حتى أطلق سلسلة إصلاحات ضخمة، راحت تغير وجه السلطة الفلسطينية برمتها.

كان الجميع بعد الحرب مختلفين على كل شيء، ومتفقين على شيء واحد، وهو إصلاح السلطة.

وقال مصدر مطلع إن عباس بدأ مبكراً تغييرات كبيرة في محاولة إظهار السلطة أيضاً كسلطة جديدة وشريك سياسي موثوق في المنطقة التي راحت تتغير بدورها.

إنقاذ اليوم التالي

كانت مسألة اليوم التالي حاضرة بقوة، واشترط الجميع على عباس - بحسب المصدر - أنه من دون إصلاح وتغيير السلطة لن يكون شريكاً ولن يكون طرفاً في أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، لا سلطة ولا غزة ولا دولة مستقبلية، وهذا بالضبط ما كان يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أراد بعد السابع من أكتوبر التخلص من عباس والسلطة واتفاق أوسلو.

فهم عباس ذلك، ليس عبر محادثاته مع الآخرين فحسب، لكن لأن الحرب التي شنّها نتنياهو ضد السلطة وفي الضفة الغربية، وتصريحه لاحقاً أن اتفاق أوسلو «كان خطأ إسرائيل الكبير»، أكدا كل شيء. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تتعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية فعلاً كأنها غير موجودة.

آليات عسكرية إسرائيلية تسير على طريق في قرية رمون الفلسطينية شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، فيما تم إطلاق يد المستوطنين يقتلون ويهاجمون ويحتلون مناطق شاسعة بالقوة، قبل أن تمنع الأموال عن السلطة، وتعدل قوانين تتعلق بالسيطرة والحكم والصلاحيات في مناطق متعددة في قلب الضفة، في محاولة لإلغاء دور السلطة الفلسطينية وإعادة هندسة السيطرة على الضفة.

ووجدت السلطة نفسها في أسوأ مرحلة، وفي معادلة «تكون أو لا تكون». وحيال كل ذلك، لم يكن أمام عباس خيارات كثيرة، إما أن يحارب إسرائيل، أو يحل السلطة، أو يستجيب للعالم والأصدقاء.

من السلطة إلى الدولة

بما أن خيار الحرب ليس على جدول الأعمال، ولا تفكر السلطة بحلّ نفسها، ذهب عباس إلى تغيير ما أمكن تغييره.

بعد 4 أشهر فقط من بدء الحرب، في فبراير (شباط) 2024، قبِل عباس استقالة حكومة محمد أشتية، ولاحقاً شكّل حكومة جديدة برئاسة محمد مصطفى، تعهدت فوراً بالإصلاح المؤسسي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإصلاح القضاء والمالية العامة والأمن، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كانت هذه خطوة عباس الأولى نحو إصلاح، توسع فعلاً بعد ذلك نحو تغيير السلطة، فأصدر مرسوماً بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، ثم إعلاناً دستورياً لتنظيم انتقال رئاسة السلطة في حال شغور المنصب، ثم قراراً بقانون أعاد تنظيم نظام المساعدات الاجتماعية، وبينها وقف رواتب أسرى ومقاتلين فلسطينيين، ثم استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين. بعد ذلك، شكّل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، ثم أصدر إعلاناً دستورياً جديداً نصّ على أنه في حال شغور منصب رئيس السلطة، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام الرئاسة مؤقتاً، ثم أطلق انتخابات محلية في الضفة وغزة، ودعا إلى انتخابات مجلس وطني، وحدّد 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2027.

انتخابات «فتح» والتغيير الكبير

جاءت انتخابات «فتح» جزءاً من حملة التغيير الكبير. وإحدى أهم الخطوات كانت دفع حسين الشيخ العام الماضي نائباً لرئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قبل أن يدفعه هذا العام لمنصب نائب الرئيس في حركة فتح، بعد أن عقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن، وجاءت بلجنة مركزية جديدة.

عباس في أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

والدفع بالشيخ إلى كل هذه المناصب، في غضون عامين فقط، كرّسه كخليفة محتمل لعباس، وهو رجل مقبول لدى الأميركيين الذين يتواصلون معه بانتظام، وقريب جداً من مسؤولين وقادة عرب وازنين، ولديه خطوط اتصال مع المسؤولين الإسرائيليين أيضاً.

وجاء الشيخ بعد سلسلة تغييرات كبيرة داخل السلطة، شملت تعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد، للتقاعد بمرسوم رئاسي.

إضافة إلى كل هذه التغييرات الهائلة، يجري العمل على تغيير المناهج التعليمية الفلسطينية.

وقال مصدر مطلع: «لقد أراد عباس ترتيب البيت الداخلي، فيما يستجيب لطلبات الإصلاح. ترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وضمان انتقال سلمي وسلس. يخدم الجميع. داخلياً أولاً ثم الآخرين».

وإذا ما مضى عباس حتى النهاية، وأجرى انتخابات تشريعية ورئاسية، يكون بذلك أوفى بوعوده فيما يتعلق بتجديد الشرعيات والإصلاح.

ولكن، ليس معروفاً بعد إذا ما كانت الانتخابات ستجرى أم سيتم تأجليها.

وقالت مصادر إن مسألة تأجيل الانتخابات إذا ما تمت فستكون وفق توافق داخل مشاورات مع المجموعة العربية.

وأضافت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»: «لن يكون تأجيلاً مفتوحاً، بل مرتبطاً بموعد آخر محدد».

وعدنا ووفينا... فماذا عنكم؟

بغضّ النظر عن إجراء الانتخابات، تحاول السلطة القول إنها استجابت لكل طلب بإصلاح سياسي ومالي، وفيما يخص تداول السلطة حتى الرواتب والمناهج، فما المطلوب أكثر من ذلك؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (إ.ب.أ)

حين ألقى عباس خطبة مسجلة في الأمم المتحدة الشهر الماضي بعدما منعه الأميركيون من الوصول إلى بلادهم، قال للعالم: «أقول لكم اليوم بكل ثقة ومسؤولية: لقد أوفينا بما تعهدنا به. أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني الذي التزمنا به أمام شعبنا والمجتمع الدولي، وعزّزنا حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون. وأنشأنا نظاماً وطنياً موحداً للحماية والرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة، وأنهينا القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بذلك، وحصلنا على تدقيق دولي مستقل يؤكد صحة ما قمنا به. وواصلنا إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية، وبالتعاون مع اليونيسكو، بما يعزز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر، ويحافظ على هويتنا الوطنية وحقوق شعبنا. كما مضينا في طريق التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب».

وأضاف: «لقد أجرينا انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، وإلى استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، ثم إلى الانتخابات الرئاسية».

كأن عباس بذلك يقول: نفّذت كل ما طلبتموه، فهلا تعطوني شيئاً مما أطلب؟