شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

العقوبات الأميركية تشدد الخناق على المواطنين والأثرياء المقربين من الكرملين

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
TT

شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)

للمرة الأولى منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم في روسيا عام 2000، لا يكون الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الروسية تقويم أدائه بعد مرور 100 يوم على تسلمه منصبه عقب استحقاق انتخابي جديد، بل باتت الأوساط الإعلامية والبرلمانية و«جيش» الخبراء الذي يملأ الشاشات يومياً في برامج الـ«توك شو» تناقش مختلف القضايا الخارجية، من سوريا إلى «العدوان الأميركي المتجدد والمتواصل» على روسيا، إلى إيران وملفها النووي، وكوريا الشمالية، و«خبث» السياسة البريطانية التي «سخّرت استخباراتها ضد روسيا». كل شيء قابل للنقاش، إلا الوضع الداخلي والتحديات الاقتصادية والمعيشية المتزايدة، وتصاعد نبرة الانتقادات في الشارع، وحال التذمر التي بدأت تنتشر في أوساط كانت حتى الأمس القريب محسوبة على جمهور المؤيدين لسياسات الرئيس بوتين.
وحده ملف إصلاح النظام التقاعدي في روسيا فجّر مرة واحدة كل الانتقادات للسياسة الداخلية للكرملين، وأدى إلى اندلاع موجة احتجاجات واعتصامات في أنحاء مختلفة من البلاد، تميّزت هذه المرة بأنها لم تكن من تنظيم المعارضة المتهمة بالولاء للغرب. وفشلت مساعي السلطة في محاصرة تداعياتها، حتى عبر قرارات إدارية صارمة بمنع مناقشة المسألة في وسائل الإعلام، وتقييد التحركات الاحتجاجية، لدرجة أن محكمة في موسكو أمرت بحبس المعارض أليكسي نافالني لمدة شهر «احتياطياً» في خطوة استباقية لمحاولته تنظيم احتجاجات واسعة النطاق.
الأسوأ من ذلك بالنسبة إلى الكرملين أن استطلاعات أجرتها مراكز مرموقة، بينها مركز «ليفادا»، أظهرت تراجعاً في شعبية الرئيس بوتين بنسبة غير مألوفة بالنسبة إلى سيد الكرملين الذي فاخر أنصاره خلال السنوات الأخيرة بأن نسب تأييده حافظت على معدلات يحلم بها قادة الغرب عادة. ومن نحو 77 في المائة، وهي النسبة التي حصل عليها بوتين في الانتخابات الأخيرة، تراجعت نسب التأييد مرة واحدة بنسبة 30 في المائة، في نتيجة ذكرت بأسوأ مراحل تأييد بوتين في عام 2013، عندما أسفرت حملة الاحتجاجات الواسعة التي نظمت على خلفية الاتهامات بتزوير الانتخابات عن تراجع معدلات تأييد بوتين إلى نحو 40 في المائة، قبل أن تعاود الارتفاع الصاروخي في العام التالي، على خلفية قرار ضم القرم إلى روسيا الذي دغدغ المشاعر القومية عند الروس، ودفع إلى إعلاء شعار «الانتصارات الخارجية واستعادة أمجاد روسيا العظمى يعوضان عن الحرمان وسياسة شد الأحزمة في الداخل».

بوتين 2018... قرارات موجعة
لا شك أن تراجع شعبية الرئيس الروسي بهذه الطريقة مرتبط برزمة من القرارات الداخلية التي اتُّخذت لترشيد الإنفاق، وتكييف روسيا مع الظروف الجديدة وهي تواجه عقوبات أميركية وغربية يتوقع أن تستمر لفترة طويلة جداً. وعلى الرغم من عبارات «المواجهة مع الغرب» و«محاولات تركيع روسيا»، بين شعارات وعبارات ترددت كثيراً لتحفيز المزاج الوطني على مواصلة شد الأحزمة، وتقبل القرارات الصعبة داخلياً، باعتبار أن روسيا تخوض مواجهة كبرى خارجياً، فإن هذا المدخل لم يعد يعمل كثيراً في ظروف وصلت فيها العقوبات الغربية إلى المؤسسات والشخصيات المقربة من الكرملين، وباتت تهدد القطاعات التي تعد «الخط الأخير» لصمود روسيا أمام الضغوط الخارجية، وبينها قطاعات النفط والغاز والمعادن، وأخيراً القطاع المصرفي برمّته.
والأسوأ من ذلك أن تداعيات العقوبات وقرارات الرد الروسية أثّرت مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع الأسعار الحاد، ومن خلال قرارات بوتين الصعبة لمواجهة تراجع النمو الاقتصادي، ومحاولته الحصول على مصادر تمويل داخلية، تعتمد بالدرجة الأولى على جيوب المواطنين، لمواجهة توقعات الحكومة بأن الجمود الاقتصادي سيدوم لفترة طويلة جداً.
وبين القرارات الصعبة الارتفاع الكبير للأسعار في كل المجالات، وبينها الارتفاع الحاد في أسعار البنزين، وقرار رفع ضريبة الدخل، ثم تمرير مشروع إصلاح النظام التقاعدي، بشكل يرفع سن التقاعد للرجال من 60 إلى 65 سنة، وللنساء من 55 إلى 63 سنة. هذا القانون الذي مرره مجلس الدوما من القراءة الأولى، فجّر الغضب في الشارع، لأنه يؤثر مباشرة على حياة عشرات الملايين من الروس، علماً بأن كل السلطات التي مرت في روسيا منذ العهد السوفياتي حافظت على النظام التقاعدي مستقراً، ولم تنجح في إدخال تعديلات عليه، حتى في أسوأ ظروف الفوضى في تسعينات القرن الماضي، لم يتمكن الرئيس السابق بوريس يلتسن من طرح هذا الموضوع لإقراره في البرلمان، ما يعكس درجة الصعوبة التي واجهت بوتين وهو يتخذ هذا القرار، بناء على توصية من الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة.
واضطر بوتين بعد مرور أربعة شهور على السجالات الواسعة في الشارع حول مشروع القانون أن يتدخل بشكل شخصي ومباشر، عبر توجيه رسالة تلفزيونية نادرة إلى الشعب الروسي، أوضح فيها دوافع وظروف اتخاذ القرار برفع سن التقاعد. ولا يظهر بوتين في رسائل تلفزيونية مباشرة إلا في حالة تطورات خطرة. وبعد أن قدم عرضاً تاريخياً، وتحدث عن الأزمة الديموغرافية الحادة التي تعيشها روسيا، قال لمواطنيه إنه شخصياً كان ضد إدخال أي تعديلات على النظام التقاعدي، لكن هذا الإجراء لا بد منه.
وحاول بوتين امتصاص الغضب بظهوره المباشر في خطاب عاطفي للمواطنين، كما أنه لعب على مزاج نصف المجتمع، عبر تخفيف الإجراءات الجديدة قليلاً عن النساء، فأدخل تعديلاً يقضي برفع سن النساء إلى 60 سنة فقط بدلاً من 63 سنة.
هكذا، ظهر أن بوتين «حافظ على توازن القانون الجديد»، وفقاً لتعليق وزير المال السابق أليكسي كودرين، وأكد محافظته على النهج الذي وضعه القطاع الاقتصادي في الحكومة لمواجهة الصعوبات الحالية، على الرغم من أن القرار موجع للغالبية الساحقة من الشعب.
ظهور بوتين في الخطاب المتلفز هدف أيضاً إلى استعادة بعض ما فقده من شعبية، فهو «القيصر المنقذ»، وفقاً لوصف بعض المواقع المعارضة، الذي يخفف من وقع تصرفات الحكومة التي ظهرت بمظهر «الشرطي الذي يرفع الهراوة، فيأتي بوتين ليخفف من وقعها قليلاً على الناس».
والعنصر الثاني المهم أن روسيا مقبلة على انتخابات مجالس محلية وحكام الأقاليم الشهر المقبل، وثمة خطر من أن يفقد الكرملين عدداً من الشخصيات المقربة إليه في الأقاليم، ما يمكن أن يزيد من صعوبة الوضع الداخلي.

ترتيبات للخلافة
وفي هذا الإطار، حرص بوتين خلال الشهور التي أعقبت انتخابه في ولايته الرابعة والأخيرة على اتخاذ عدد من القرارات التي نظر إليها باعتبارها تدخلاً في إطار محاربة الفساد، من خلال إجراء مناقلات وتعديلات وحركة إقالات واسعة، طالت صفوف وزارات الدفاع والداخلية والطوارئ، وجهاز التحقيق المركزي وأجهزة سيادية أخرى في البلاد، وأطاحت برؤوس جنرالات. وفسّرت إقالة بعضهم بارتباطهم بملفات فساد، بينما شغل آخرون مواقع أخرى في وزارات وأجهزة مختلفة.
ويقول معارضون إن التحركات الواسعة لبوتين تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي تهدف إلى إطاحة بعض الفاسدين الذي غدوا عبئًا على السلطة في الظروف الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تشكل وسيلة أساسية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، في إطار جهود بوتين الذي يدرك أن هذه ولايته الأخيرة في الكرملين لإيجاد خليفة قادر على إدارة التوازنات الصعبة بين مراكز الثقل الأساسي، والتكتلات القوية في البلاد، بكل مستوياتها العسكرية والأمنية والاقتصادية. ويتوقع بعضهم أن يكون العام الثاني لولاية بوتين حاسماً لجهة البدء بإبراز شخصية أو أكثر تكون مرشحة لشغل الموقع الرئاسي في وقت لاحق.
ويواجه بوتين تعقيدات أساسية على هذه الطريق، بينها تصاعد مزاج الاحتجاجات بشكل قوي، لذلك لجأت السلطات التنفيذية والتشريعية لمواجهة ذلك بسلسلة من القوانين والتعديلات التي وضعت قيوداً صارمة على الحركات الاحتجاجية، وقيدت نشاط وسائط التواصل الاجتماعي بشكل صارم، لكن الاستحقاق الأهم كما يبدو هو مدى قدرة الرئيس وفريقه على تحمل أعباء انفضاض محتمل لبعض حيتان المال، الذين استفادوا خلال السنوات الأخيرة بقربهم من الكرملين، وراكموا ثروات خرافية، لكنهم باتوا يواجهون حالياً بسبب سياسات الكرملين الخارجية ضغوطاً كبرى على أعمالهم وملاحقات في الغرب.
ويكفي كمثال أن المليادرير المقرب من بوتين أوليغ ديريباسكا، المعروف بـ«إمبراطور الألمنيوم»، خسر نصف ثروته مرة واحدة بسبب قرار العقوبات الأخير الذي فرضته وزارة الخزانة الأميركية، على خلفية حادثة تسميم العميل المزدوج في بريطانيا. وتبلغ ثروة الرجل حاليا نحو 4 مليارات دولار، ويتساءل بعضهم إلى أي درجة سيتحمل رجال مثله أعباء «اقترابه من سياسات الكرملين». الأمر ذاته ينسحب على ملياردير مثل رومان إبراموفيتش، صاحب فريق تشيلسي الشهير، الذي يفكر حالياً ببيع أصوله في النادي البريطاني، بعدما زادت الضغوط الغربية عليه. وأوردت لائحة عقوبات أميركية أسماء نحو 300 من رجال المال والأعمال المقربين من الكرملين، مما يعني أن هذا السيناريو أخذ في التصاعد، ويضع تحدياً جدياً أمام الكرملين الذي لم تعد مخاوفه تقتصر على ضبط مزاج الشارع الروسي في مرحلة مصيرية بالنسبة إلى البلاد.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.