«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

الوسائط الاجتماعية تزاحمه بأسلوب عصري

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
TT

«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة

قبل أكثر من قرنين من الزمان كان باب التفاعل الوحيد بين الصحف، منذ بداياتها، وبين القراء، هو باب «بريد القراء». ومن خلال هذا الباب كان القراء يعبرون عن آرائهم فيما ينشر من أخبار وتعليقات. وبين الاستحسان والاعتراض كان الصحافيون يعرفون موقف القراء من الصحيفة، ويتفاعلون معهم بنشر الرسائل وأحياناً بالرد عليها.
وتطور الوضع الآن إلى رسائل إلكترونية ترسل إلى مواقع الصحف الإلكترونية للتعقيب على المقالات والأخبار مباشرة، بالإضافة إلى البريد العادي، وأيضاً النشر المستقل على وسائط التواصل الاجتماعي مع تعليقات مباشرة لا تخضع لإشراف الصحف، وتكون في بعضها ركيكة اللغة، ولا تلتزم بشروط النشر المحترف.
المحتوى العام لـ«بريد القراء» متنوع، ويشمل التعليق على أخبار سياسية أو اجتماعية، أو الاعتراض على وجهات نظر كتاب الصحيفة أو تشجيعها، وأحياناً تكون بغرض وضع الأمور في نصابها الصحيح من وجهة نظر القارئ، أو تصحيح ما يراه قد جانب الصواب من كتابات الصحافيين. وفي الغالب يكون الدافع إلى الاعتراض أقوى من الاستحسان في «بريد القراء». يكون هدف بعض القراء تصحيح ما يرونه من أخطاء في النشر.
وتنشر الصحف تعليقات القراء، وفق أسلوب نشرها للمقالات. وتلجأ الصحف الكبرى إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من «بريد القراء» الذي يصلها بأعداد هائلة. بينما تلجأ الصحف الصغرى والمحلية لنشر نسبة أكبر من البريد الذي يصلها بأعداد قليلة.
ويشرف محرر متخصص على «بريد القراء»، بحيث يخضع لمعايير النشر من حيث سلامة اللغة والالتزام بالأصول الصحافية بعدم التعدي أو اتهام أشخاص بلا دليل، أو تناول قضايا من جانب واحد يغفل حقوق الطرف الآخر. وفي الغالب يختصر المحرر رسائل البريد طويلة الحجم، بحيث لا تزيد عن ما بين 200 و500 كلمة بحد أقصى. ويغفل المحرر المسؤول الرسائل التي تأتي بلا توقيع أو تحتوي على لغة بذيئة لا تصلح للنشر.
مما يذكر أن «بريد القراء» لا يقتصر على الصحف وحدها، بل يرسل أيضاً إلى محطات التلفزيون والراديو، كما يرسل لمواقع الصحف الإلكترونية. ويتم بث هذه الرسائل في برامج خاصة تبث دورياً.

تاريخ حافل

يعود تاريخ «بريد القراء» إلى نشأة الصحف نفسها، وبدأت كفكرة متضمنة في صحف بدائية بدأت تنتشر في الغرب منذ منتصف القرن الثامن عشر. وخلال القرن التاسع عشر كان المتعارف عليه أن «بريد القراء» يأتي تعقيباً على «عمود رأي» الصحيفة في قضايا محلية أو وطنية وفق خريطة توزيعها. ومنذ ذلك التاريخ، وخلال القرن العشرين، كان المتعارف عليه أن ينشر «بريد القراء» بجوار «عمود الرأي» في الصحيفة.
وفي الماضي كان من المقبول إرسال رسائل بلا توقيع، على اعتبار أنها من أسس حرية الرأي. ولكن رؤساء تحرير الصحف اعتبروا هذا التوجه سلبياً في سبعينات القرن الماضي. ومع نهاية القرن العشرين كانت الأغلبية الساحقة من الرسائل مجهولة المصدر لا تأخذ طريقها إلى النشر. ولكن من الممكن أن يطلب القارئ عدم نشر اسمه مع الرسالة مع الإفصاح عن الاسم والعنوان للمحرر.
ومع ذلك وجد هواة إرسال البريد مجهول المصدر ضالتهم في منصات الحوار الإلكتروني التي يدخلونها بأسماء مستعارة، وينشرون من خلالها آراءهم التي يمكن اعتبار بعضها دون مستوى النشر المعتاد. وهي تماثل في مجموعها «بريد القراء» الذي كان ينشر في الصحف التاريخية من قرون سابقة.
وبمفهوم القرن الحادي والعشرين، فإن معظم التفاعل بين وسائل الإعلام، وبين القراء أو المستمعين أو المشاهدين، يكون عبر الإنترنت. وتتلقى وسائل الإعلام تعليقات القراء عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«آنستغرام». ولأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت فتح مجال القراءة لملايين القراء، بالإضافة إلى من يشترون النسخ الورقية، فإن التعليقات زادت في حجمها عن قدرة بعض الصحف على قراءة كل التعليقات أو نشرها، كما أن بعض المواقع الإلكترونية انهارت تحت ضغط الإقبال عليها.
وفي صورته الحديثة، يعتبر «بريد القراء» وسيلة تفاعلية فورية بين الإعلام وجمهوره، ولكن مع بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في محاولات تأثير وهمية عبر كتابة أعداد هائلة من الرسائل التي تصب في موضوع واحد، وإرسالها على أنها من قراء متعددين، وهي حملات يرصدها الصحافيون المشرفون على «بريد القراء» بسهولة، ويتعاملون معها بحسم.
واشتهر رونالد كلارك رئيس تحرير صحيفة «سان بول بيونير برس» تاريخياً بالقول: إن «بريد القراء» هو بارومتر التفاعل بين الصحيفة وجمهورها، وكلما زاد البريد كلما كانت الصحيفة ناجحة في التفاعل مع جمهورها، أما إذا تراجع حجم البريد فهذا يعني أن الصحيفة خاملة، ولا تثير قراءها.
ورصدت محاولات لاستغلال «بريد القراء» لمصالح ذاتية، منها حالة السياسي الكندي بول رايتسما الذي كان يرسل العديد من رسائل «بريد القراء» إلى الصحف الكندية بأسماء مستعارة لكيل المديح إلى شخصه ومهاجمة معارضيه. وعندما كشفت صحيفة محلية أمره نشرت في صدر صفحتها الأولى عنوان «رايتسما كاذب، ولدينا الإثبات». وكان هذا بمثابة نهاية رايتسما سياسياً.
وتلجأ بعض الصحف والمجلات إلى تشجيع «بريد القراء» باختيار أفضل الرسائل ونشرها في موقع بارز، وأحياناً بتخصيص بعض الجوائز لأفضل الرسائل، منها تقديم أقلام فاخرة للقراء.

نماذج غريبة

تشتهر بعض النماذج الغريبة من «بريد القراء»، سواء على الجانب العربي أو الأجنبي. وفي مصر اشتهر محمد حسين حجازي المعروف باسم «مجنون أم كلثوم» بمراسلة الصحف المصرية على مدى ما يقرب من نصف قرن خلال حياة أم كلثوم وبعدها، لتصحيح أي معلومات منشورة عنها أو عن أغانيها. ثم استهواه أمر إرسال الرسائل التي تنشر باسمه فانتقل باهتمامه إلى القضايا العامة.
وفي بريطانيا نشرت صحيفة «دايلي ميل» رسالة من قارئ كتب فيها: أنه يشاهد مباريات «الكريكت» بين فريق بلاده والفريق الهندي، ولاحظ أن الجمهور الهندي الكبير الذي يشاهد هذه المباريات يرتدي الملابس المزركشة وتتحلى النساء بالحلي الذهبية. ثم يسأل في نهاية رسالته لماذا ترسل بريطانيا مساعدات إلى الهند وهي بلد ثري. وطالب بوقف المساعدات فوراً.
قارئ آخر اسمه بن كورماك من قرية في الساحل الجنوبي البريطاني شكا لصحيفة «التايمز» من مزارع الرياح التي تتكون من مراوح هائلة في الحجم. ويقول بن في رسالته: «لدينا ما يكفي من الرياح ولا نحتاج إلى تبديد المزيد من الكهرباء لتوليد المزيد من الرياح، فهذا تبديد لأموال دافعي الضرائب».

توجهات حديثة

السؤال الذي يشغل بال أكثر من رئيس تحرير هو: هل هناك أهمية للمحافظة على ركن «بريد القراء»؟ فالطبعات الإلكترونية تتيح فرصة التعليق من القراء على كل المقالات والأخبار مباشرة، بحيث يمكن القول: إن البريد تسلل إلى كل أبواب الصحيفة ولم يعد يقتصر على ركن خاص به.
وهناك حالات لقراء تحولوا إلى صحافيين، مع تكرار الكتابة إلى الصحف عبر أبواب «بريد القراء». كما تدعو بعض الصحف الآن قراءها لإرسال الأخبار والتحقيقات إليها من أجل الاستفادة من معلوماتهم الخاصة بقضايا معينة أو مناطق محلية يعرفونها جيداً.
بعض الصحف أيضاً، مثل صحيفة «التلغراف» البريطانية، تجمع رسائل القراء الساخرة التي لم تنشر، وتصدر بها كتاباً دورياً. من رسائل قراء «التلغراف» من يقترح فض مظاهرات الطلبة باستخدام مدافع المياه، على أن تخلط خزانات المياه ببعض الصابون، لتنظيف الطلبة وتشجيعهم على الاستحمام.
وفي رد على وزير داخلية بريطاني سابق؛ نصح المواطنين بالدفاع عن منازلهم حتى ولو بطعن اللص المقتحم، سأل روبرت وارنر من مقاطعة باركشير الصحيفة إذا كان من الممكن صعق اللص كهربائياً بدلاً من طعنه حتى لا تتسخ سجادة المنزل بالدماء.

من التعليق والاحتجاج إلى مشاكل القلوب

في تحول ملحوظ لأبواب «بريد القراء»، اكتشفت بعض الصحف المصرية أن القراء يقبلون أيضاً على قراءة «بريد القراء»، فخصصت صفحات كاملة للرسائل التي تبحث عن حلول لمشاكل شخصية، معظمها من النوع العاطفي. وتعددت أسماء هذه الصفحات من «بريد الجمعة» إلى «أريد حلاً» و«قلوب جريحة».
من أشهر هذه الأبواب ما كانت صحيفة «الأهرام» القاهرية تنشره أسبوعياً تحت عنوان «بريد الجمعة». واشتهر هذا الباب عندما تولاه الصحافي عبد الوهاب مطاوع بين عام 1982 وحتى رحيله عام 2004. ولكن شعبية الصفحة تراجعت من بعده، نظراً لاختفاء أسلوب مطاوع في الرد الراقي على الرسائل التي كان يختارها للنشر من بين مئات الرسائل التي كان يتلقاها.
وقد تميزت أيضاً مجلة «سيدتي» بأبواب «بريد القراء»، والإجابة على تساؤلات حائرة من القارئات كانت تجيب عليها الكاتبة الراحلة فوزية سلامة. وتحتاج مثل هذه الأبواب إلى اكتساب ثقة القراء والتواصل بمصداقية عبر سنوات طويلة من العطاء والنصيحة.

«الشرق الأوسط» فتحت قلبها للقراء من البداية

من التجارب الفريدة في التفاعل مع القراء ما طبقته صحيفة «الشرق الأوسط» منذ بداياتها في نهاية سبعينات القرن الماضي، حيث فتحت صفحة للقراء للتعبير عن الآراء والخلجات ليس فقط في التعليق على موضوعات أو افتتاحيات الصحيفة، وإنما عن كل ما يروق لهم الكتابة عنه. واختارت الصحيفة يومياً رسالة بها وجهة نظر جديدة لكي تكون «رسالة اليوم». كما خصصت ركناً للردود السريعة.
وأتاحت «الشرق الأوسط» فرصة للقراء لنشر أشعار من تأليفهم، والكتابة في موضوعات مختلفة تتراوح بين شرح ما هو «الحب الأول»، وتعليق على «ضعاف النفوس». وشملت الموضوعات الاحتفال بشهر رمضان المبارك وتعقيبات على الثورة الفلسطينية وضرورة القيام بمسيرة فلسطينية.
وفي طبعتها العصرية لم يعد «بريد القراء» يقتصر على ركن أو صفحة واحدة، وإنما تتاح الفرصة للقراء للتعليق على كافة محتويات الصحيفة مباشرة على موقعها الإلكتروني. وتشمل فرصة التعليق أيضاً على مقالات الرأي، وليس فقط على المقالات المنشورة. مع خدمات إضافية للحصول على محتويات من الصحيفة أو كتابات الرأي مباشرة على «إيميل» القارئ.
وتعد «الشرق الأوسط» هي الصحيفة التي تمثل الرأي العام العربي، وينتشر قراؤها حول العالم، ويتفاعلون معها سواءً بشراء الطبعة الورقية، أو المتابعة على الإنترنت.


مقالات ذات صلة

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».