إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

«العالم والنص والناقد» لإدوارد سعيد يصدر بعد أيام عن «دار الآداب»

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة
TT

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

بعد أيام تصدر عن «دار الآداب» في بيروت الترجمة العربية لكتاب إدوارد سعيد «العالم والنص والناقد». وهي مناسبة لمحبيه بلغة الضاد، لاكتشاف المزيد عن آرائه في النقد ومدارسه ومساره الحديث ومعوقاته التطبيقية. يتبنَّى مؤلِّفُ «الاستشراق» في كتابه الشيق هذا الذي ترجمه إلى العربية محمد عصفور، وراجعه وقدم له محمد شاهين، فكرة تقول إنَّ الخطاب النقدي الحديث قد تعزّز بفضل كتابات دريدا وفوكو مثلاً، وبتأثيرات الماركسيَّة والبنيويَّة والألسنيَّة والعلم النفسيّ؛ إلَّا أنَّ الأساليب والمدارس النقديَّة كانت ذاتَ تأثيرات معوِّقة أيضاً لكونها أَخضعت الأعمالَ الأدبيَّة لمتطلِّبات النظريَّة، متجاهلة العلائقَ المعقَّدة التي تربط تلك الأعمالَ بالعالم. ويُظهر سعيد أنَّ على الناقد أن يحتفظ بمسافة عن النظريَّات النقديَّة والعقائد المسيطرة.
ويسأل الكتاب أسئلة جريئة، ويقدِّم معاني جديدة، مرهقة ولكنَّها قويَّة، لمؤسَّسة النقد في المجتمع الحديث. وتنفرد «الشرق الأوسط» بنشر جزء من الفصل الأول من هذا الكتاب الذي يبدأ توزيعه في بيروت منتصف الأسبوع على أن يصبح متوفراً في الدول العربية بدءاً من نهاية الشهر.
قَصَرَ عازف البيانو الكندي ﮔﻠِﻦْ ﮔﻮلْد (Glenn Gould) عمله على تسجيل الأسطوانات والعمل في محطّات التلفزة والإذاعة منذ أن هَجَرَ القاعات المخصَّصة للحفلات الموسيقيَّة في سنة 1964. ويختلف النقَّاد أحياناً عمَّا إذا كان عزفُ ﮔﻮلْد هذه القطعة الموسيقيَّة المكتوبة للبيانو أو تلك مقنعاً دائماً أو أحياناً فقط، ولكن لا شكَّ في أنَّ كلَّ عزفٍ قدَّمه، له على الأقلّ طابعُه الخاصّ به. ومن المناسب في سياقنا الرَّاهن أن نشير إلى مثالٍ يوضِّح لنا طريقة العمل التي أخذ ﮔﻮلْد يتَّبعها مؤخراً. فقد أصدر في سنة 1970 تسجيلاً عَزَفَ فيه سيمفونيَّة بيتهوفن الخامسة بالصيغة التي كتبها لِسْت للبيانو المنفرد. وإذا ما ضربنا صفحاً عمَّا يثيره اختيار ﮔﻮلْد الغريب هذا فينا من دهشة (وقد كان هذا الاختيار أغرب من المعتاد حتَّى بالنسبة إلى هذا العازف الغريب الأطوار الذي ارتبط أداؤه المثير للجدل إمَّا بالموسيقى الكلاسيكيَّة وإمَّا بالموسيقى المعاصرة)، فإنَّنا لا نملك إلَّا أن نلاحظ عدداً من الأمور الغريبة في هذا الإصدار بالذات. فصياغة لِسْت لسيمفونيات بيتهوفن لتُعزف على البيانو المنفرد لم تكن مطبوعة بطابع القرن التاسع عشر فقط، بل بأسوأ ما في ذلك القرن من موسيقى تُكتَب للبيانو، إذ إنَّ تلك الصِّيغة لم تكتفِ بتحويل التجربة الموسيقيَّة التي يحصل عليها عشَّاق الموسيقى في قاعة الحفل الموسيقي إلى وليمة يستعرِض فيها العازف الحاذق قدراته، بل غَزَتْ ما كُتِبَ لآلات موسيقيَّة أخرى وحوَّلت موسيقاها إلى مناسبة باذخة لعرْض مواهب العازف. وتنحو معظم الصِّياغات إلى أن تبدو للمستمع كثيفة عَكِرَة لأنَّ آلة البيانو كثيراً ما تحاول تقليد الأثر الذي يُحدثه النَّسيج الأوركستراليّ. وقد كانت صياغة لِسْت للسيمفونيَّة الخامسة أقلَّ إثارة للاستياء من معظم الصِّياغات الأخرى، وذلك بالدَّرجة الأولى، لأنَّ لِسْت أبدع في تشذيبها لتُعزف على البيانو، ولكنَّ الصَّوت à حتَّى في أصفى لحظاته à لم يكن هو الصَّوت الذي اعتاد ﮔﻮلْد على إنتاجه. فالصَّوت عنده كان أوضح وأنقى من ذلك الذي تجده عند كلِّ مَن عداه من عازفي البيانو، وهذا هو السَّبب الذي مكَّنه من تحويل تناغمات باخ إلى ما يقرب من التجربة البَصَريَّة. نقول باختصار إنَّ صياغة لِسْت كانت بالنسبة إليه لُغَة مختلفة تمام الاختلاف. ومع ذلك فإنَّ نجاح ﮔﻮلْد في عزفها كان نجاحاً عظيماً ترك فينا الإحساس بأنَّ ﮔﻮلْد لِسْتي الطابع مثلما كان في الماضي قد ترك فينا الإحساس بأنَّه باخِيٌّ.
ولم يكن ذلك كلَّ ما في الأمر. فقد رافقت الأسطوانة الرئيسة أسطوانة أخرى سُجِّلت عليها مقابلة طويلة خَلَتْ من الطابع الرَّسمي بين ﮔﻮلْد وأحد المسؤولين في الشركة التي أصدرت التسجيل فيما أذكر. وفيها أخبر ﮔﻮلْد محدِّثه بأنَّ أحد أسباب هروبه من العزف المباشر أنَّه كانت قد نشأت لديه عادة سيِّئة في أثناء العزف؛ عادة أقربُ إلى المبالغة الأسلوبيَّة. فقد لاحظ أنَّه في جولاته في الاتِّحاد السوفياتي مثلاً، كانت القاعات الكبيرة تجعله يشوِّه عباراتٍ من بارتيتا لباخ مثلاً (وهنا مثَّل على قوله بعزف العبارات المشوَّهة) ليتمكَّن من جذب انتباه الجالسين في شرفات الطابق الثالث والتوجُّه إليهم على نحوٍ أفضل. ثمَّ عزف العبارات ذاتها ليوضِّح كيف يعزف تلك العبارات في غياب الجمهور عزفاً أدقَّ وأقلَّ سعياً لغواية مستمعيه.
قد يبدو إبرازُ المفارقات الطفيفة في هذا الموقف، بما فيه من صياغة، ومقابلة، وعزف لتوضيح الأساليب، أمراً مبالغاً فيه. ولكنَّ الموقف يخدم فكرتي الأساسيَّة، وهي أنَّ مناسبة تتضمَّن وثيقة وتجربة أدبيَّة أو استطيقيَّة من ناحية، والنَّاقد و«دُنْيَوِيَّتَه» من ناحية ثانية، لا يمكن أن تكون مناسبة بسيطة. فاستراتيجيَّة ﮔﻮلْد أقربُ إلى المحاكاة السَّاخرة لكلِّ الاتِّجاهات التي قد نسلكها للاقتراب مما يحدث بين العالم والشيء الاستطيقي أو النَّصّيّ. فلدينا هنا عازفُ بيانو مثَّل في يوم من الأيَّام شخصيَّة العازف الزاهد (في استعراض القدرات) خدمة للموسيقى، وقد تحوَّل إلى عازفٍ لا يخجل من استعراض هذه القدرات على نحوٍ لا يمتاز فيه موقفُه الإستطيقي عن موقف المومس الموسيقيَّة في شيء؛ كلُّ ذلك من رجل يُسَوِّق أسطوانته على أنَّها «الأولى» من نوعها، ثمَّ لا يضيف إليها مزيداً من الموسيقى، بل نوعاً من المباشرة الهادفة إلى جذب الأنظار عن طريق المقابلة الشَّخصيَّة. وقد ثُبِّتَ كلُّ ذلك على شيءٍ قابلٍ للتكرار الميكانيكيّ؛ شيءٍ يتحكَّم في كلِّ علائم المباشرة الواضحة (صوت ﮔﻮلْد، الأسلوب الطاووسي لصياغة لِسْت، المقابلة التي تتخلّى عن أسلوب الخطاب الرَّسميّ، إلى جانبِ عزفٍ فُصِل عن عازفه)، أي على أسطوانة بلاستيكيَّة سوداء، صمَّاء، لا اسم لها يمكن التخلُّص منها بسهولة.
ولو فكَّر المرءُ في ﮔﻮلد وأسطوانته، فإنَّه سيكتشف توازيات مع الظُّروف التي تحيط بالأداء المكتوب. فهناك أوَّلاً الوجودُ المادِّي للنصِّ، وهو وجودٌ قابلٌ للاستنساخ مرَّاتٍ يفوق عددُها الخيال في أحدث مرحلة من مراحل عصر وولتَر بِنْجَمِن. لكنَّ التسجيلَ والشيءَ المطبوع يخضعان لضوابطَ قانونيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة عندما يتعلَّق الأمر بالاستمرار في إنتاجهما وتوزيعهما. أمَّا سبب توزيعهما وكيفيَّة هذا التوزيع فهما أمران مختلفان. والشَّيء المهمُّ هو أنَّ النصَّ المكتوبَ الذي ينتمي إلى النُّصوص التي تعنينا، هو في الأصل نتيجة للاتصال المباشر بين المؤلِّف وواسطة التعبير. أمَّا بعد ذلك فإنَّ من الممكن تكراره لفائدة العالم وفق شروط يضعها العالم في هذا العالم. وعلى الرّغم من كلّ اعتراضات المؤلِّف على ما يتلقّاه من اهتمام وسائل الإعلام به، فإنَّ عمله يصبح جزءاً من العالم وخارج حدود سيطرته بمجرَّد أن يُعمل من النصِّ أكثر من نسخة واحدة.
ثانياً، إنَّ إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة مثالان من أمثلة الأسلوب بأبسط معاني هذه الظاهرة البالغة التعقيد وأقلِّها مدعاة للإشادة. وهنا أيضاً سأتعسَّف وأستبعد سلسلة كاملة من التعقيدات المهمَّة للتَّركيز في الأسلوب بصفته، من وجهة نظر المرسل والمستقبل، العلامة الفارقة القابلة للتكرار والحفظ لمؤلِّفٍ يتعامل مع جمهور. فأسلوب المؤلِّف هو في جانبٍ من جوانبه ظاهرة تعتمد على التكرار والتلقّي، سواء اقتصر الجمهور على شخص واحد أو شمل العالم بأسره. ولكن ما يجعل الأسلوب قابلاً للتلقّي بصفته بصمة مبدعِهِ، مجموعة من الخصائص التي قد نسمِّيها لهجة الكاتب الخاصَّة أو صوتَه أو تفرُّدَه عن سواه، تفرُّداً لا يقبل الاختزال. وتكمن المفارقة في أنَّ شيئاً مجرَّداً كالنَّصّ أو الأسطوانة المسجَّلة يمكنه مع ذلك أن يعطينا لمحة أو أثراً من شيء يبلغ من حيويَّته ومباشرته وسرعة زواله ما يتَّصف به «الصوت» الإنسانيّ. وما تفعله المقابلة التي أجريت مع ﮔﻮلْد هو أنَّها تكشف على نحوٍ جارح عن حاجة النصّ الضمنيَّة المتكرِّرة لأن يجري تلقِّيه والتعرُّف إليه حتَّى في أصفى أشكاله، وقد حُفِظَ في تسجيل ما. ومن أشكال هذه الحاجة المألوفة «ترتيبُ» لقاء (أو «تسجيل» لقاء كهذا) يتحدَّث فيه صوتٌ ما وهو يخاطب شخصاً آخر في وقت محدَّد وفي مكان معيَّن. وإذا ما نُظِرَ إلى الأسلوب على هذا النحو، فإنَّ الأسلوب يقوِّض فكرة الوجود الصامت المنفصل عن العالم للنصِّ المفرد الذي لا يخضع للظروف. وليس السَّبب أنَّ أي نصٍّ من النصوص (إذا لم يجرِ إتلافُه مباشرة) يتكوَّن من شبكة من القوى المتصارعة فقط، بل إنَّ النصَّ، بحكم كونه نصاً، هو أيضاً نصٌّ في العالم، ولذ فهو نصٌّ يخاطب كلَّ من يقرأ، تماماً مثلما يفعل ﮔﻮلْد طوال الأسطوانة نفسها التي قُصِدَ منها أن تمثِّل انسحابَه من العالم وأسلوبَه الصامتَ «الجديد» في العزف بلا جمهور يستمع إليه على الهواء مباشرة.
وما لا شكَّ فيه أنَّ النصوص لا تتكلَّم بالمعنى المألوف للكلمة. ولكن أي قولٍ يضع الكلام (وهو فعلٌ حدودُه الموقف والإحالات على ما حوله) في موقف التعارض التامّ مع النصّ (وقد فُهم على أنَّه إيقافٌ لجريان الكلام في العالم) قولٌ مضلِّلٌ يتَّصف بالتبسيط المُخِلّ. تأمَّل ما يقوله بول ريكور عن هذا التعارض الذي يقول إنَّه وضعه من أجل التوضيح:
ترتبط وظيفة الإحالات في أثناء الكلام بالدَّور الذي يؤدِّيه الموقف الخطابي ضمن تبادل اللُّغة نفسها: ففي تبادل الكلام يكون المتكلِّمان حاضرين، أحدُهما في مقابل الآخر، ولكن أيضاً تجاه ظروف الخطاب المحيطة بهما بما تتضمنه من خلفيَّة ثقافيَّة معروفة للمتكلِّمَيْن، وليس بما تتضمنه تلك الظروف من محسوسات فقط. ولا يكتمل معنى الخطاب إلَّا من حيث صلتُه بهذا الموقف. وما الإحالة على الواقع في نهاية المطاف سوى إحالة على الواقع الذي يمكن أن يشار إليه «بشأن» ذلك الخطاب بالذات، إن جاز التعبير. فاللُّغة... وكلّ الإشارات التي يُفهم منها أنَّها تحيل على اللُّغة تعمل على تثبيت الخطاب في ظروف الواقع الذي يحيط بذلك الخطاب. ولهذا، فإنَّ المعنى المثالي لما قد يقوله المرء يتَّجه نحو الإحالة الواقعيَّة، أي إلى ذلك الشيء الذي يجري الحديث عنه...
ولكن هذا لا ينطبق على النصّ عندما يحلُّ محلَّ الكلام... فالنصُّ لا يخلو من الإحالة. وواجب القراءة بصفتها تفسيراً أن تجعل الإحالة واقعاً. فالنصُّ يكون في أثناء التوقُّف الذي تؤجَّل فيه الإحالة «معلَّقاً في الهواء» بشكلٍ من الأشكال، خارجَ العالم أو بلا عالم. ويكون كلُّ نصٍّ بهذا الطمس لكلِّ العلاقات التي تربطه بالعالم حراً لأن يدخل في علاقات مع كلِّ النُّصوص الأخرى التي تأتي لتحلَّ محلّ الظروف الواقعيَّة التي يُظهِرها الكلام المباشر.
والكلام والواقع المحيط بنا يوجدان، وَفقاً لريكور، في حالة حضور، بينما توجد الكتابة والنَّص في حالة معلَّقة، أي خارج الواقع المحيط بنا، إلى أن يتحوَّلا إلى واقعٍ له صفة الحضور على يد القارئ النَّاقد. ويجعل ريكور الأمر يبدو كما لو أنَّ النصَّ والواقع المحيط بنا، أو ما سأدعوه بالدُّنيويَّة، يلعبان لعبة الكراسي الموسيقيَّة، بحيث يعترضُ أحدُهما الآخرَ ويحلّ محلَّه وفقاً لإشاراتٍ بالغة الوضوح. ولكنَّ هذه اللُّعبة تجري في رأس المفسِّر، وهو مكان نفترض أنَّه يخلو من صفة الدُّنيويَّة أو الظروف المحيطة. وبذا يتحوَّل وضعُ النَّاقدِ المفسِّر إلى شيءٍ أشبهَ بالبورصة المركزيَّة التي يجري في قاعتها تبادلٌ يتبيَّن فيه أنَّ النصَّ يعني س بينما هو يقول ص. ولكن ما الذي يحدث لما يدعوه ريكور الإحالة المؤجَّلة في أثناء التفسير؟ كلُّ ما يحدث، بحسب نموذج التبادل المباشر، هو أنَّ الإحالة تعود إلينا وقد اكتملت وتحقَّق وجودها بقراءة الناقد.


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».