إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

«العالم والنص والناقد» لإدوارد سعيد يصدر بعد أيام عن «دار الآداب»

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة
TT

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

بعد أيام تصدر عن «دار الآداب» في بيروت الترجمة العربية لكتاب إدوارد سعيد «العالم والنص والناقد». وهي مناسبة لمحبيه بلغة الضاد، لاكتشاف المزيد عن آرائه في النقد ومدارسه ومساره الحديث ومعوقاته التطبيقية. يتبنَّى مؤلِّفُ «الاستشراق» في كتابه الشيق هذا الذي ترجمه إلى العربية محمد عصفور، وراجعه وقدم له محمد شاهين، فكرة تقول إنَّ الخطاب النقدي الحديث قد تعزّز بفضل كتابات دريدا وفوكو مثلاً، وبتأثيرات الماركسيَّة والبنيويَّة والألسنيَّة والعلم النفسيّ؛ إلَّا أنَّ الأساليب والمدارس النقديَّة كانت ذاتَ تأثيرات معوِّقة أيضاً لكونها أَخضعت الأعمالَ الأدبيَّة لمتطلِّبات النظريَّة، متجاهلة العلائقَ المعقَّدة التي تربط تلك الأعمالَ بالعالم. ويُظهر سعيد أنَّ على الناقد أن يحتفظ بمسافة عن النظريَّات النقديَّة والعقائد المسيطرة.
ويسأل الكتاب أسئلة جريئة، ويقدِّم معاني جديدة، مرهقة ولكنَّها قويَّة، لمؤسَّسة النقد في المجتمع الحديث. وتنفرد «الشرق الأوسط» بنشر جزء من الفصل الأول من هذا الكتاب الذي يبدأ توزيعه في بيروت منتصف الأسبوع على أن يصبح متوفراً في الدول العربية بدءاً من نهاية الشهر.
قَصَرَ عازف البيانو الكندي ﮔﻠِﻦْ ﮔﻮلْد (Glenn Gould) عمله على تسجيل الأسطوانات والعمل في محطّات التلفزة والإذاعة منذ أن هَجَرَ القاعات المخصَّصة للحفلات الموسيقيَّة في سنة 1964. ويختلف النقَّاد أحياناً عمَّا إذا كان عزفُ ﮔﻮلْد هذه القطعة الموسيقيَّة المكتوبة للبيانو أو تلك مقنعاً دائماً أو أحياناً فقط، ولكن لا شكَّ في أنَّ كلَّ عزفٍ قدَّمه، له على الأقلّ طابعُه الخاصّ به. ومن المناسب في سياقنا الرَّاهن أن نشير إلى مثالٍ يوضِّح لنا طريقة العمل التي أخذ ﮔﻮلْد يتَّبعها مؤخراً. فقد أصدر في سنة 1970 تسجيلاً عَزَفَ فيه سيمفونيَّة بيتهوفن الخامسة بالصيغة التي كتبها لِسْت للبيانو المنفرد. وإذا ما ضربنا صفحاً عمَّا يثيره اختيار ﮔﻮلْد الغريب هذا فينا من دهشة (وقد كان هذا الاختيار أغرب من المعتاد حتَّى بالنسبة إلى هذا العازف الغريب الأطوار الذي ارتبط أداؤه المثير للجدل إمَّا بالموسيقى الكلاسيكيَّة وإمَّا بالموسيقى المعاصرة)، فإنَّنا لا نملك إلَّا أن نلاحظ عدداً من الأمور الغريبة في هذا الإصدار بالذات. فصياغة لِسْت لسيمفونيات بيتهوفن لتُعزف على البيانو المنفرد لم تكن مطبوعة بطابع القرن التاسع عشر فقط، بل بأسوأ ما في ذلك القرن من موسيقى تُكتَب للبيانو، إذ إنَّ تلك الصِّيغة لم تكتفِ بتحويل التجربة الموسيقيَّة التي يحصل عليها عشَّاق الموسيقى في قاعة الحفل الموسيقي إلى وليمة يستعرِض فيها العازف الحاذق قدراته، بل غَزَتْ ما كُتِبَ لآلات موسيقيَّة أخرى وحوَّلت موسيقاها إلى مناسبة باذخة لعرْض مواهب العازف. وتنحو معظم الصِّياغات إلى أن تبدو للمستمع كثيفة عَكِرَة لأنَّ آلة البيانو كثيراً ما تحاول تقليد الأثر الذي يُحدثه النَّسيج الأوركستراليّ. وقد كانت صياغة لِسْت للسيمفونيَّة الخامسة أقلَّ إثارة للاستياء من معظم الصِّياغات الأخرى، وذلك بالدَّرجة الأولى، لأنَّ لِسْت أبدع في تشذيبها لتُعزف على البيانو، ولكنَّ الصَّوت à حتَّى في أصفى لحظاته à لم يكن هو الصَّوت الذي اعتاد ﮔﻮلْد على إنتاجه. فالصَّوت عنده كان أوضح وأنقى من ذلك الذي تجده عند كلِّ مَن عداه من عازفي البيانو، وهذا هو السَّبب الذي مكَّنه من تحويل تناغمات باخ إلى ما يقرب من التجربة البَصَريَّة. نقول باختصار إنَّ صياغة لِسْت كانت بالنسبة إليه لُغَة مختلفة تمام الاختلاف. ومع ذلك فإنَّ نجاح ﮔﻮلْد في عزفها كان نجاحاً عظيماً ترك فينا الإحساس بأنَّ ﮔﻮلْد لِسْتي الطابع مثلما كان في الماضي قد ترك فينا الإحساس بأنَّه باخِيٌّ.
ولم يكن ذلك كلَّ ما في الأمر. فقد رافقت الأسطوانة الرئيسة أسطوانة أخرى سُجِّلت عليها مقابلة طويلة خَلَتْ من الطابع الرَّسمي بين ﮔﻮلْد وأحد المسؤولين في الشركة التي أصدرت التسجيل فيما أذكر. وفيها أخبر ﮔﻮلْد محدِّثه بأنَّ أحد أسباب هروبه من العزف المباشر أنَّه كانت قد نشأت لديه عادة سيِّئة في أثناء العزف؛ عادة أقربُ إلى المبالغة الأسلوبيَّة. فقد لاحظ أنَّه في جولاته في الاتِّحاد السوفياتي مثلاً، كانت القاعات الكبيرة تجعله يشوِّه عباراتٍ من بارتيتا لباخ مثلاً (وهنا مثَّل على قوله بعزف العبارات المشوَّهة) ليتمكَّن من جذب انتباه الجالسين في شرفات الطابق الثالث والتوجُّه إليهم على نحوٍ أفضل. ثمَّ عزف العبارات ذاتها ليوضِّح كيف يعزف تلك العبارات في غياب الجمهور عزفاً أدقَّ وأقلَّ سعياً لغواية مستمعيه.
قد يبدو إبرازُ المفارقات الطفيفة في هذا الموقف، بما فيه من صياغة، ومقابلة، وعزف لتوضيح الأساليب، أمراً مبالغاً فيه. ولكنَّ الموقف يخدم فكرتي الأساسيَّة، وهي أنَّ مناسبة تتضمَّن وثيقة وتجربة أدبيَّة أو استطيقيَّة من ناحية، والنَّاقد و«دُنْيَوِيَّتَه» من ناحية ثانية، لا يمكن أن تكون مناسبة بسيطة. فاستراتيجيَّة ﮔﻮلْد أقربُ إلى المحاكاة السَّاخرة لكلِّ الاتِّجاهات التي قد نسلكها للاقتراب مما يحدث بين العالم والشيء الاستطيقي أو النَّصّيّ. فلدينا هنا عازفُ بيانو مثَّل في يوم من الأيَّام شخصيَّة العازف الزاهد (في استعراض القدرات) خدمة للموسيقى، وقد تحوَّل إلى عازفٍ لا يخجل من استعراض هذه القدرات على نحوٍ لا يمتاز فيه موقفُه الإستطيقي عن موقف المومس الموسيقيَّة في شيء؛ كلُّ ذلك من رجل يُسَوِّق أسطوانته على أنَّها «الأولى» من نوعها، ثمَّ لا يضيف إليها مزيداً من الموسيقى، بل نوعاً من المباشرة الهادفة إلى جذب الأنظار عن طريق المقابلة الشَّخصيَّة. وقد ثُبِّتَ كلُّ ذلك على شيءٍ قابلٍ للتكرار الميكانيكيّ؛ شيءٍ يتحكَّم في كلِّ علائم المباشرة الواضحة (صوت ﮔﻮلْد، الأسلوب الطاووسي لصياغة لِسْت، المقابلة التي تتخلّى عن أسلوب الخطاب الرَّسميّ، إلى جانبِ عزفٍ فُصِل عن عازفه)، أي على أسطوانة بلاستيكيَّة سوداء، صمَّاء، لا اسم لها يمكن التخلُّص منها بسهولة.
ولو فكَّر المرءُ في ﮔﻮلد وأسطوانته، فإنَّه سيكتشف توازيات مع الظُّروف التي تحيط بالأداء المكتوب. فهناك أوَّلاً الوجودُ المادِّي للنصِّ، وهو وجودٌ قابلٌ للاستنساخ مرَّاتٍ يفوق عددُها الخيال في أحدث مرحلة من مراحل عصر وولتَر بِنْجَمِن. لكنَّ التسجيلَ والشيءَ المطبوع يخضعان لضوابطَ قانونيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة عندما يتعلَّق الأمر بالاستمرار في إنتاجهما وتوزيعهما. أمَّا سبب توزيعهما وكيفيَّة هذا التوزيع فهما أمران مختلفان. والشَّيء المهمُّ هو أنَّ النصَّ المكتوبَ الذي ينتمي إلى النُّصوص التي تعنينا، هو في الأصل نتيجة للاتصال المباشر بين المؤلِّف وواسطة التعبير. أمَّا بعد ذلك فإنَّ من الممكن تكراره لفائدة العالم وفق شروط يضعها العالم في هذا العالم. وعلى الرّغم من كلّ اعتراضات المؤلِّف على ما يتلقّاه من اهتمام وسائل الإعلام به، فإنَّ عمله يصبح جزءاً من العالم وخارج حدود سيطرته بمجرَّد أن يُعمل من النصِّ أكثر من نسخة واحدة.
ثانياً، إنَّ إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة مثالان من أمثلة الأسلوب بأبسط معاني هذه الظاهرة البالغة التعقيد وأقلِّها مدعاة للإشادة. وهنا أيضاً سأتعسَّف وأستبعد سلسلة كاملة من التعقيدات المهمَّة للتَّركيز في الأسلوب بصفته، من وجهة نظر المرسل والمستقبل، العلامة الفارقة القابلة للتكرار والحفظ لمؤلِّفٍ يتعامل مع جمهور. فأسلوب المؤلِّف هو في جانبٍ من جوانبه ظاهرة تعتمد على التكرار والتلقّي، سواء اقتصر الجمهور على شخص واحد أو شمل العالم بأسره. ولكن ما يجعل الأسلوب قابلاً للتلقّي بصفته بصمة مبدعِهِ، مجموعة من الخصائص التي قد نسمِّيها لهجة الكاتب الخاصَّة أو صوتَه أو تفرُّدَه عن سواه، تفرُّداً لا يقبل الاختزال. وتكمن المفارقة في أنَّ شيئاً مجرَّداً كالنَّصّ أو الأسطوانة المسجَّلة يمكنه مع ذلك أن يعطينا لمحة أو أثراً من شيء يبلغ من حيويَّته ومباشرته وسرعة زواله ما يتَّصف به «الصوت» الإنسانيّ. وما تفعله المقابلة التي أجريت مع ﮔﻮلْد هو أنَّها تكشف على نحوٍ جارح عن حاجة النصّ الضمنيَّة المتكرِّرة لأن يجري تلقِّيه والتعرُّف إليه حتَّى في أصفى أشكاله، وقد حُفِظَ في تسجيل ما. ومن أشكال هذه الحاجة المألوفة «ترتيبُ» لقاء (أو «تسجيل» لقاء كهذا) يتحدَّث فيه صوتٌ ما وهو يخاطب شخصاً آخر في وقت محدَّد وفي مكان معيَّن. وإذا ما نُظِرَ إلى الأسلوب على هذا النحو، فإنَّ الأسلوب يقوِّض فكرة الوجود الصامت المنفصل عن العالم للنصِّ المفرد الذي لا يخضع للظروف. وليس السَّبب أنَّ أي نصٍّ من النصوص (إذا لم يجرِ إتلافُه مباشرة) يتكوَّن من شبكة من القوى المتصارعة فقط، بل إنَّ النصَّ، بحكم كونه نصاً، هو أيضاً نصٌّ في العالم، ولذ فهو نصٌّ يخاطب كلَّ من يقرأ، تماماً مثلما يفعل ﮔﻮلْد طوال الأسطوانة نفسها التي قُصِدَ منها أن تمثِّل انسحابَه من العالم وأسلوبَه الصامتَ «الجديد» في العزف بلا جمهور يستمع إليه على الهواء مباشرة.
وما لا شكَّ فيه أنَّ النصوص لا تتكلَّم بالمعنى المألوف للكلمة. ولكن أي قولٍ يضع الكلام (وهو فعلٌ حدودُه الموقف والإحالات على ما حوله) في موقف التعارض التامّ مع النصّ (وقد فُهم على أنَّه إيقافٌ لجريان الكلام في العالم) قولٌ مضلِّلٌ يتَّصف بالتبسيط المُخِلّ. تأمَّل ما يقوله بول ريكور عن هذا التعارض الذي يقول إنَّه وضعه من أجل التوضيح:
ترتبط وظيفة الإحالات في أثناء الكلام بالدَّور الذي يؤدِّيه الموقف الخطابي ضمن تبادل اللُّغة نفسها: ففي تبادل الكلام يكون المتكلِّمان حاضرين، أحدُهما في مقابل الآخر، ولكن أيضاً تجاه ظروف الخطاب المحيطة بهما بما تتضمنه من خلفيَّة ثقافيَّة معروفة للمتكلِّمَيْن، وليس بما تتضمنه تلك الظروف من محسوسات فقط. ولا يكتمل معنى الخطاب إلَّا من حيث صلتُه بهذا الموقف. وما الإحالة على الواقع في نهاية المطاف سوى إحالة على الواقع الذي يمكن أن يشار إليه «بشأن» ذلك الخطاب بالذات، إن جاز التعبير. فاللُّغة... وكلّ الإشارات التي يُفهم منها أنَّها تحيل على اللُّغة تعمل على تثبيت الخطاب في ظروف الواقع الذي يحيط بذلك الخطاب. ولهذا، فإنَّ المعنى المثالي لما قد يقوله المرء يتَّجه نحو الإحالة الواقعيَّة، أي إلى ذلك الشيء الذي يجري الحديث عنه...
ولكن هذا لا ينطبق على النصّ عندما يحلُّ محلَّ الكلام... فالنصُّ لا يخلو من الإحالة. وواجب القراءة بصفتها تفسيراً أن تجعل الإحالة واقعاً. فالنصُّ يكون في أثناء التوقُّف الذي تؤجَّل فيه الإحالة «معلَّقاً في الهواء» بشكلٍ من الأشكال، خارجَ العالم أو بلا عالم. ويكون كلُّ نصٍّ بهذا الطمس لكلِّ العلاقات التي تربطه بالعالم حراً لأن يدخل في علاقات مع كلِّ النُّصوص الأخرى التي تأتي لتحلَّ محلّ الظروف الواقعيَّة التي يُظهِرها الكلام المباشر.
والكلام والواقع المحيط بنا يوجدان، وَفقاً لريكور، في حالة حضور، بينما توجد الكتابة والنَّص في حالة معلَّقة، أي خارج الواقع المحيط بنا، إلى أن يتحوَّلا إلى واقعٍ له صفة الحضور على يد القارئ النَّاقد. ويجعل ريكور الأمر يبدو كما لو أنَّ النصَّ والواقع المحيط بنا، أو ما سأدعوه بالدُّنيويَّة، يلعبان لعبة الكراسي الموسيقيَّة، بحيث يعترضُ أحدُهما الآخرَ ويحلّ محلَّه وفقاً لإشاراتٍ بالغة الوضوح. ولكنَّ هذه اللُّعبة تجري في رأس المفسِّر، وهو مكان نفترض أنَّه يخلو من صفة الدُّنيويَّة أو الظروف المحيطة. وبذا يتحوَّل وضعُ النَّاقدِ المفسِّر إلى شيءٍ أشبهَ بالبورصة المركزيَّة التي يجري في قاعتها تبادلٌ يتبيَّن فيه أنَّ النصَّ يعني س بينما هو يقول ص. ولكن ما الذي يحدث لما يدعوه ريكور الإحالة المؤجَّلة في أثناء التفسير؟ كلُّ ما يحدث، بحسب نموذج التبادل المباشر، هو أنَّ الإحالة تعود إلينا وقد اكتملت وتحقَّق وجودها بقراءة الناقد.


مقالات ذات صلة

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.