كيف غيرت ميغان ماركل النظرة إلى الجينز؟

بعد أن ظهرت بفستان منه وجينفر لوبيز في حذاء عالٍ

ميغان ماركل وفستان من «كارولينا هيريرا» - من عرض إمليو دي لامورينا - من عرض جايمي واي هوانغ جنكينز للخريف - نجمة بوليوود بريانكا شوبرا وتنورة من الجينز
ميغان ماركل وفستان من «كارولينا هيريرا» - من عرض إمليو دي لامورينا - من عرض جايمي واي هوانغ جنكينز للخريف - نجمة بوليوود بريانكا شوبرا وتنورة من الجينز
TT

كيف غيرت ميغان ماركل النظرة إلى الجينز؟

ميغان ماركل وفستان من «كارولينا هيريرا» - من عرض إمليو دي لامورينا - من عرض جايمي واي هوانغ جنكينز للخريف - نجمة بوليوود بريانكا شوبرا وتنورة من الجينز
ميغان ماركل وفستان من «كارولينا هيريرا» - من عرض إمليو دي لامورينا - من عرض جايمي واي هوانغ جنكينز للخريف - نجمة بوليوود بريانكا شوبرا وتنورة من الجينز

كل الدلائل تشير إلى أن الدنيم أو الجينز سيحتل حيزاً مهماً في خزانة المرأة العصرية خلال الخريف والشتاء المقبل. فهذه الخامة لن تقتصر على بنطلون أو جاكيت الجينز؛ بل ستشمل قطعاً أخرى بعد مباركة دوقة ساسكس، ميغان ماركل، لها بظهورها بفستان يغطي نصف الساق وحزام يحدد الخصر من تصميم كارولينا هيريرا. هذه النقلة الجديدة للدنيم تدفعنا لرصد تعامل الموضة مع هذه الخامة منذ بداياتها المتواضعة إلى دخولها مجال الموضة الراقية.
ففي منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في 20 مايو (أيار) 1873 حصل الأميركيان جاكوب ديفيس وليفي شتراوس على براءة اختراع للسراويل الجينز المصممة من نسيج الدنيم، الذي ظهر في وقت سابق لهذا التاريخ، بعد أن وضعا التصميم الأول للجينز بإضافة المسامير وشكل الجيوب المعروف حتى الآن.
في البداية، كان الجينز خامة تقتصر على عمال المناجم، ثم طبقة العمال والمزارعين بشكل عام؛ لأنهم كانوا يحتاجون إلى ارتداء ملابس متينة يمكن أن تتحمل الطبيعة القاسية، ونوع الأعمال البدنية التي يقومون بها. وظل مقتصراً على هذه المهمة حتى بدايات الخمسينات من القرن العشرين، بدأ الجينز يتسلل ليكون صيحة رائجة بفضل نجوم السينما، مثل مارلون براندو وجيمس دين. وهنا بدأ يتحول من مفهوم السروال المتين والعملي إلى مفهوم التمرد، وهو ما جعله مرفوضاً في المدارس وبعض الأماكن العامة. في ذلك الوقت كان الجينز أكثر رواجاً بين الرجال، ولم تكن تتصور المرأة الأنيقة أن تعانقه يوماً بالأحضان. في عام 1935 خرجت علامة جينز «ليفايز» Levi›s بتصميم للنساء على صفحات مجلة «فوغ» لأول مرة، لكنه لم يشهد رواجاً إلا بعد أن ظهرت به مارلين مونرو في فيلمها the river of no return «نهر اللاعودة» 1954، ثم أعادت الكرة في فيلم «ذي ميسفيتس»، ليتحول بين ليلة وضحاها إلى صيحة نسائية، ولا سيما بعد اعتماده من قبل بعض نجمات أخريات، مثل الممثلة الفرنسية بريجيت باردو التي كانت صاحبة الفضل في ظهور صيحة الـ«تي شيرت» الأبيض مع الجينز الأزرق، التي تحولت بدورها إلى صيحة كلاسيكية إلى الآن.
منذ ذلك الحين لم يختف الجينز من المشهد على الإطلاق، بل أصبح موضة تعبر عن كل حقبة حسب معاييرها واتجاهاتها، فنرصد في أوائل ستينات القرن الماضي ظهور صيحة الفلير Flair، أي جينز بخصر ضيق وأرجل فضفاضة بعد أن كان مقتصراً على القصة التقليدية التي تسمى box. وفي أواخر الستينات وتحديداً في عام 1969 طرحت علامة «ليفايز» درجات فاتحة من الجينز، فلم يعد مقتصراً على الأزرق الداكن كما كان في السابق. هذا لا يعني أن يخرج عن إطار اللون الأزرق المميز، وبخاصة أن هناك سبباً تاريخياً وتقنياً وراء ارتباط الجينز بهذا اللون، فمنذ بداية ظهوره منذ أكثر من 140 عاماً تمت صباغته بصبغة النيلي الطبيعية؛ لأنها لا تخترق النسيج القطني مثل باقي الأصباغ، لكنها تستقر فوق الطبقة الخارجية فقط للنسيج. وهذا ما يفسر اللون الأزرق للجينز من الخارج، بينما يبقى بالأبيض المميز لخطوط القطن من الداخل. وظلت هذه الطريقة أحد أصول صناعة الجينز. وتاريخ الجينز يفسر أنه منذ البداية كان اختياراً شعبياً، باركته دور الأزياء العالمية في وقت لاحق، فقال عنه المصمم الراحل جياني فيرساتشي، بعد تقديمه مجموعة من الجينز مستوحاة من موسيقى الراب «أنا مقتنع بأن الجينز الذي ظهر كملابس للعمل هو مزيج رائع من الماضي والحاضر، وسيكون بمثابة موجة المستقبل» حسب مجلة «فوغ» في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 1988. وظلت لمسات كبار المصممين ترتقي بالجينز وتغير مكانته، فلم يعد مجرد بنطلون كلاسيكي بعد أن أدخلت عليه خيوط الليكرا المطاطة لتطوعه حسب اختيار كل مصمم ورؤيته. مع الوقت تحول من قطعة قماش للعمال إلى قطعة مُفعمة بالأنوثة، ولا سيما مع موضة بنطلونات الجينز الضيقة التي روّج لها المصمم الفرنسي هادي سليمان خلال الفترة التي قضاها في دار «ديور هوم».
ظلت الموضة تركز على البنطلون الجينز باعتباره الاختيار الأكثر رواجاً، ولم تأخذ نسيج الدنيم إلى قطع أخرى إلا على استحياء، ففي منتصف الثمانينات ظهرت السترات والقمصان المصممة من الدنيم الأزرق، لكن رواجها لم يضاهِ الجينز.
لكن، ورغم أن عروض الأزياء لا تخلو منه، فإنه ظل مقتصراً في الغالب على البنطلون أو القميص أو الجاكيت، وبين الحين والآخر قِطعٌ أُخر يجس بها المصممون نبض الشارع. أحياناً بتطريزه، وأحياناً بصياغة معاطف أو فساتين منه. كانت مبتكرة ولافتة للانتباه، لكنها لم تلهب الخيال أو تؤجج الرغبة فيها، لم تتمكن من أخذ هذا النسيج إلى مرحلة جديدة أكثر تنوعاً وثراءً. الآن، هي تُعول على ميغان ماركل التي ظهرت مؤخراً بذلك الفستان لدى حضورها مباريات كأس بولو سينتابيال، كان زوجها الأمير هاري طرفاً فيها. كان اختيارها الفستان مناسباً جداً بحكم أن المباريات كانت تجري في الهواء الطلق؛ الأمر الذي استدعى الحاجة إلى خامة قوية تقيها من أي مطبات يمكن أن تعترضها. لحسن الحظ، لم تكن هناك أي مطبات، بل العكس تماماً، أثار بلونه الأزرق الداكن وتصميمه الأنثوي الإعجاب. فرغم أنه لم يكن من الحرير أو الموسلين وغيره من الأقمشة المترفة، فإنه كان عصرياً بكل المقاييس. وظّفته الدوقة بذكاء ليعكس أسلوباً بدأت ترسخه منذ الإعلان عن علاقتها بالأمير البريطاني. للتخفيف من قوة قماشه أضافت إليه حزاماً يحدد الخصر ويكسر رتابة لونه وحقيبة بتوقيع دار «جى كرو»، ونظارة شمسية من مجموعة «مايكل كورس». وكانت النتيجة إطلالة موفقة للغاية، أكدت أن ميغان ماركل على العكس من كايت ميدلتون أكثر جرأة في اختياراتها، ولا تخاف أن تجرب الجديد.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى تصدر الجينز وسائل التواصل الاجتماعي والمجلات. فقد ظهرت المغنية جينفير لوبيز بـ«بوت» مبتكر من الجينز، من تشكيلة دار «فيرساتشي» الأخيرة. بتصميمه المبتكر والمغرق في الجرأة، لا يمكن سوى تصنيفه بالصيحة التي سببت صخباً في عالم الموضة. فهو يمتد إلى الركبة ومزود بحزام وجيوب بحيث يبدو للوهلة الأولى وكأنه بنطلون واسع فقدت المغنية السيطرة عليه. اختلفت الآراء حوله، بين معجب وساخر، لكنه في كل الأحوال حصل على تغطيات إعلامية لا تُقدر بثمن. فقد نفذ من الأسواق رغم سعره المرتفع.
وتوافق منسقة الأزياء المصرية، يمنى مصطفى، على أنه ليس خياراً عملياً يناسب موضة الشارع، بقدر ما هو صرعة تغذي وسائل التواصل الاجتماعي وحاجتهم إلى منتجات غريبة تثير جدلاً. من جهة أخرى، فإنه يشير إلى أن مصممي الأزياء قرروا أن يستغلوا هذه الخامة التقليدية بشكل جديد وفي منتجات متنوعة. وتعلق يمنى أيضاً بأن «الجينز بشكل عام صيحة أطلت في الصيف وستبقى منتعشة في الخريف والشتاء الحاليين». وعن طريقة التنسيق المتصدرة المشهد تقول «إطلالة الجينز بالكامل قوية، وهي صيحة عادت من تسعينات القرن الماضي، والجديد فيها أن دور الأزياء الكبرى قدمت اختيارات مختلفة، تراعي الأناقة بكل صورها».
نجمة بوليوود بريانكا تشوبرا، وهي أيضاً صديقة دوقة ساسكس، ظهرت مؤخراً في تنورة من الجينز متوسطة الطول من علامة «كارولينا هريرا»، نسقتها مع قميص منقوش لتؤكد على أن التنورة الجينز التي كانت قد اختفت في التسعينات، عادت لتنافس البنطلون التقليدي. ثم نذهب إلى اختيار أكثر أناقة من مجموعة «فيكتوريا بيكهام» التي قدمت تصميماً لسترة عصرية من الجينز مع بنطلون باللون نفسه لتبدو وكأنها تايور عصري يجمع بين الكلاسيكية والعصرية.
وتعود يمنى مصطفى لتؤكد، أن الجينز لن يظل قطعة عملية للأبد؛ بل سيُصبح خياراً مهماً حتى في مناسبات السهرة والمساء. وتقترح «تنسيق بنطلون جينز بلون داكن مع قميص أبيض، يمكن أن يضفي إطلالة أنيقة، خصوصاً إن تم تنسيقه مع كعب عالِ بلون صارخ، مثل الأحمر أو الفوشيا، أو بنقشة النمر التي تتصدر موضة الخريف المقبل».
أما عن درجة لون الجينز الأكثر شعبية، فتقول إنه الأزرق الداكن، أي اللون الأساسي لهذه الخامة؛ لأنه قابل للتجديد بسهولة أكبر، ويظهر ذلك جلياً في تصاميم «كارولينا هريرا» و«رالف لورين» وغيرهما. وتشرح يمنى أن «الأزرق الداكن يناسب كل الأجسام ودرجات البشرة، كما أن تنسيقه مع لون قوي في حذاء وحقيبة أو مجوهرات يرتقي بأي إطلالة مهما كانت بساطتها. وهذا لا يعني أن تنسيق الأزرق الداكن مع درجة هادئة تحاكي لون البشرة أو الوردي البودري مثلما الذي ظهرت به ميغان ماركل غير مناسب. هو فقط يمنح إطلالة مختلفة أكثر هدوءاً واتزاناً.
فحسب قول رالف لوران الذي لا يشبع منه بحيث يظهر في معظم عروضه، إن لم نقل كلها، فإن سر نجاحه يكمن في طريقة تنسيقه مع باقي القطع. وهذا ما نجحت فيه دوقة ساكس بتنسيقه مع حزام ناعم وحذاء كلاسيكي.

> تشهد سوق الجينز انتعاشاً كبيراً في الولايات المتحدة الأميركية تحديداً. فالعالم الماضي سجل نمواً لم يشهده منذ عام 2013، أي بما يعادل 95 مليار دولار مقارنة بـ91 مليار دولار في العام الذي سبقه. وحسب الدراسات، فإن عشاق هذه الخامة أصبحوا يريدون تجربة تصاميم جديدة بعد سنوات طويلة من التصاميم الضيقة. وهذا ما لباه المصممون واستفادوا منه، بدءاً من دار «كالفن كلاين» التي قدم مصممها راف سيمونز في العام الماضي مجموعة من بنطلونات الجينز بقمصان من الخامة واللون كليهما. وبما أن ذلك كان في أول عرض قدمه للدار، فإنها حصلت على اهتمام كبير من قبل متابعي الموضة وعشاق راف سيمونز في الوقت ذاته. هذا العام أيضاً التحق به عدد من المصممين، مثل توم فورد الذي قدمه في سترات بلون داكن وأكتاف حادة وبنطلونات جينز واسعة، و«ماكسمارا» التي قدمته على شكل تايورات وهلمّ جرا من بيوت الأزياء. وكان من الطبيعي أن تتلقف محال الموضة الشعبية مثل «زارا» و«توب شوب» و«أيتش إن إم» هذا التوجه، وطرح تصاميم بأسعار تناسب ممن ليست لديهم القدرة لشراء قطعة بتوقيع توم فورد أو كالفن كلاين أو فيرساتشي.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.