رحلة المخرج داميان شازيل الطويلة نحو الفضاء

«فينيسيا» يفتتح دورته الـ75 بفيلمه الجديد «الرجل الأول»

داميان شازيل
داميان شازيل
TT

رحلة المخرج داميان شازيل الطويلة نحو الفضاء

داميان شازيل
داميان شازيل

بعد نجاح فيلماه «وبلاش» و«لا لا لاند» يستعد المخرج داميان شازيل لتقديم فيلمه الثالث «فيرست مان» في افتتاح الدورة الجديدة من مهرجان فينيسيا التي ستنطلق في التاسع والعشرين من هذا الشهر وتستمر حتى الثامن من الشهر المقبل.
إنها الدورة الخامسة والسبعين. مهرجان فينيسيا هو شيخ المهرجانات العالمية منها وكل مهرجان آخر مهما كبر أو صغر. وهو شهد أول لقاء بينه وبين المخرج الأميركي الشاب شازيل قبل عامين عندما قدم فيلمه «لا لا لاند» على شاشته في الدورة 73.
آنذاك لم يفز «لا لا لاند» بجائزة أفضل فيلم في المهرجان الإيطالي العريق، لكن بطلته إيما ستون نالت جائزة أفضل ممثلة. بالأهمية ذاتها دخل ذلك الفيلم الموسيقي - العاطفي ترشيحات الأوسكار في العام التالي (2017) وخرج بستة أوسكارات في الإخراج والتصوير «لينو ساندغرِن» والموسيقى «جستين هورفيتز» وأفضل أغنية كتبت خصيصاً للفيلم «بنجي باسك وجستين بول» وأفضل تصميم، كما نالت ممثلته الأولى إيما ستون أوسكار أفضل ممثلة.
هذا من بين 12 ترشيحاً من بينها أفضل فيلم وأفضل سيناريو «شازيل» وأفضل تمثيل رجالي أول «ريان غوزلينغ».
لكن هذا الفوز في نصف عدد الترشيحات شهد حدثاً غريباً من نوعه عندما تم الإعلان، بخطأ غير مقصود، عن أن «لا لا لاند» هو الذي نال أوسكار أفضل فيلم. هذا بدا منطقياً له وللمنتجين فصعدوا المنصة وانتظروا التتويج. لكن الخطأ تبدى عندما أعلن أن الفيلم الفائز هو «مونلايت» وبدأ صعود مخرجه باري جنكينز وفريق إنتاجه إلى المنصة. هذا الخطأ هو الوحيد من نوعه في تاريخ الأوسكار ووقوف فريقي فيلمين مختلفين على المنصة لقبول جائزة أفضل فيلم أمر لم يقع له مثيل من قبل.
قبل ذلك وخلال موسم الجوائز الممتد من سبتمبر (أيلول) إلى نهاية فبراير (شباط) حظي الفيلم الذي أعاد فن الميوزيكال إلى الشاشة بنجاح كبير حصد الفيلم أكثر من 220 جائزة أخرى ولو أن معظمها ليس من مناسبات سنوية كبيرة والكثير منها جوائز من جمعيات نقدية حول العالم.
في الوقت ذاته بلغت أرباحه العالمية 445 مليون و636 ألف دولار وهو الذي تكلف 30 مليون فقط دولار لصنعه.
فيلم شازيل الأول «وبلاش» كان نوعاً من إعلان الولادة السينمائية له. ووسط صفحات من المباركات النقدية تسلل ذلك الفيلم إلى نجاح مقبل قدره 50 مليون دولار. الرقم كبير بالنسبة لميزانية ذلك الفيلم التي لم تتعد ثلاثة ملايين و300 ألف دولار.
- وهج رومانسي
الآن في فيلمه الجديد، «الرجل الأول»، ينتقل المخرج إلى عداد الميزانيات الكبيرة في هذا الفيلم الذي يتناول سيرة نيل أرمسترونغ (1930 - 2012) أول ملاح فضائي يمشي على سطح القمر.
أكثر من أن الرحلة التي أطلقتها ناسا في مارس (آذار) 1966 كانت تمهيداً لنقلة تاريخية يقدم عليها الإنسان للمرة الأولى، فإنها كانت خطوة خطرة تجاه المجهول. كانت السينما وزعت أشراراً ومخلوقات متوحشة على كل كوكب كبير رصدته، والقمر في بعض تلك الأفلام، كان من بينها. لكن تأليف حكايات من المغامرات الخيال علمية شيء وولوج المغامرة فعلياً شيء آخر. هذا ما يوجه شازيل التفكير إليه في مقابلاته القليلة التي أجراها حول فيلمه الجديد.
يقول لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر»، على سبيل المثال، «لا نفكر بكم هو خطر القيام، في ذلك الحين برحلات فضائية. ربما نتذكر بعض الكوارث التي حدثت لكن تفكيرنا السائد يقودنا إلى الانتصارات المنجزة. ما نراه هو العلم وهو يخفق وما نسمعه هو الترومبيت وهو يُعزف، وكل هذا يبدو (فعلاً) نبيلاً وسهلاً».
ما نستنتجه من هذا الكلام هو أن شازيل أراد نقلنا إلى مزج بين الحقيقة والواقع وكلاهما غير ما ساد ولا يزال حول رحلات الفضاء التي تتمتع اليوم بقدر أقل من وهج الأيام السالفة التي كان الفضاء مجال منافسة وسباق بين القوتين العظمتين. وما يرغب به المخرج بالتالي هو نوع من إيقاف الوهج الرومانسي حول تلك الرحلات وتقديم وجه أكثر واقعاً، وإذا ما كان أكثر واقعية فهو أكثر إثارة للخوف.
داميان شازيل يبقى أصغر سينمائي نال أوسكار الإخراج. عمره آنذاك كان 31 سنة (من مواليد سنة 1985) وهو ولد من أب أميركي وأم فرنسية وعاش متنقلاً بين البلدين مكتسباً هوية وطنين وثقافتين أيضاً. بواعثه لكي يصبح مخرجاً بدأت في جذورها في سن مبكرة. لم يكن يعرف بعد ما هو الإخراج لكنه في سن الخامسة تعلق بالسينما عندما كانت والدته تصطحبه معها لمشاهدة الأفلام.
بعد ذلك تحول التعجب من تلك الصور المتحركة إلى إدمان لازمه حتى دخل جامعة هارفارد في الثامنة عشرة من عمره ليتخرج في كلية الفنون البصرية. كان شغفه كبيراً لدرجة أنه خلال فترة دراسته حقق فيلماً قصيراً بالإسبانية من دون أن يجيد كلمة واحدة منها.
رغم ذلك الشغف والبذل لم يجد شازيل النجاح مقدماً له على طبق جاهز. حين انتقل لكي يعمل ويعيش في هوليوود وجد نفسه غير قادر على تأمين سكن صغير لأنه غالباً ما كان يمضي الوقت بحثاً عن عمل. انتقل كثيراً ما بين الشقق الصغيرة واضطر لمشاركة السكن مع أشخاص آخرين.
في سنة 2008 قرر أن المعجزات لن تحدث وأن عليه تغيير وجهته وعوض أن يكتب لنفسه سيناريوهات لا يريد تنفيذها أحد قرر أن يكتب سيناريوهات لسواه من تلك التي تبيع. أول سيناريو باعه، حسب قوله وليس حسب مراجع متداولة، كان «الادعاء» (The Claim) سنة 2000 وهو وسترن (سيء التنفيذ من المخرج مايكل وينتربوتوم) تمت إعادة كتابته ولم يظهر اسم شازيل عليه. ما هو مؤكد أنه شارك كتابة «10 كلوفيرفيلد لاين» الذي كان فيلم رعب تم لاحقاً خلق أجزاء أخرى منه.
في عام 2016 قام شازيل بتصوير 18 دقيقة من «سوط» (Whiplash) وعرضه في مهرجان صندانس. استرعى الفيلم انتباه شركة باراماونت فعرضت عليه إخراج «10 كلوفيرفيلد لاين (قبل أن يتولى إخراجه شاب آخر اسمه دان تراشتنبيرغ) لكن شازيل أبى وتمسك برغبة تحقيق فيلم طويل مستمد من الفيلم القصير الذي قام بتحقيقه. هذا الإصرار قاده إلى تحقيق النسخة التي شاهدناها في مهرجان صندانس سنة 2014 قبل أن تلف العالم بأسره.
صوره شازيل في 19 يوماً وجلب إليه ممثلين غير نجوم بينهم ج. ك. سيمونز ومايلز تَلر ودار حول تلميذ يتدرب على الطبل (درمرز) ومعلمه الذي أراد فرض منهجه القاسي ليتأكد من موهبة تلميذه.
إنجاز «لا لا لاند» كان معركة أخرى. بدأت عندما سعى شازيل لتحقيق الفيلم وأخفق في إيجاد التمويل المطلوب. قرر استبداله بمشروعه الحالي «ذ فيرست مان»، لكن رايان غوزلينغ كان سمع بـ«لا لا لاند» وحبذه. هذا ما أعاد الكرة إلى ملعب ذلك الفيلم الموسيقي. مع اسم غوزلينغ استطاع شازيل التغلب عن المصاعب الإنتاجية وتم له تحقيق ذلك الفيلم الموسيقي قبل الالتفات إلى فيلم الفضاء الذي سيرتسم على شاشة مهرجان فينيسيا بعد أيام.


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز