معرض دي لاكروا يحطم أرقاماً قياسية في عدد الزيارات

اللوفر يستعيد رائد الرومانسية بعد أكثر من 150 سنة على رحيله

لوحة «نساء جزائريات في مخدعهن»
لوحة «نساء جزائريات في مخدعهن»
TT

معرض دي لاكروا يحطم أرقاماً قياسية في عدد الزيارات

لوحة «نساء جزائريات في مخدعهن»
لوحة «نساء جزائريات في مخدعهن»

أكثر من مائة وخمسين سنة بعد رحيله لا يزال رائد الرومانسية أوجين دي لاكروا يستقطب الحشود ويحصد النجاحات. متحف اللوفر، الأكثر زيارة في العالم، أعلن مؤخراً أن المعرض الذي خصّصه للفنان الفرنسي قد حطم أرقاماً قياسية في عدد الزيارات (540 ألف زائر) بمعدل 5100 زائر يومي؛ وهو ما يجعل منه أكبر نجاحاته على الإطلاق؛ إذ لم يسبق لمعرض أن حقّق مثل هكذا إقبال من قبل. والمعرض أيضاً من أهم ما نظم في فرنسا منذ أكثر من خمسة وخمسين عاماً، فقد احتوى على 180 قطعة معظمها لوحات زيتية معروفة عالمياً كلوحته «الحرية تقود الشعوب» التي أصبحت رمزاً للثورات في فرنسا والعالم ولوحة «نساء جزائريات في مخدعهن» التي أثبت تأثيرها على الحركة الانطباعية. المعرض ضمّ أيضاً رسومات على الورق، مطبوعات حجرية والرسائل التي تبادلها الفنان الفرنسي مع أصدقائه حتى مدونته الشخصية. المعرض الناجح سيحل ضيفاً على متحف «المتروبوليتان موزيوم» بنيويورك ابتداء من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل لمدة ثلاثة أشهر. فهل سيعرف الإقبال نفسه؟
- أربعون سنة من الإبداع
مشوار دي لا كروا الفني كان حافلاً بالأعمال الناجحة على مدى أربعين عاماً لم يكرسها الفنان الفرنسي لشيء آخر سوى الفن. وأكثر ما ميّزها الهجوم الذي لقيه من قبل النقاد والدوائر الثقافية الرسمية أمام تمّرده الدائم على التقاليد في تناول الموضوعات وكسره القوانين والأصول الفنية المفروضة على الفنانين آنذاك.
الاتجاه نحو هذا الطراز الفكري بدا واضحاً منذ أعماله الأولى لوحة موت ساردانابولوس التي عرضها في صالون الرسامين عام 1827 وهوجمت بشدة ووصفت آنذاك «بمذبحة الرسم». كتب أحدهم آنذاك «لا أستطيع وصف رد فعلي أمام لوحة دي لاكروا. كان عليّ أن أعود بخطوات للخلف أمام زوبعة الألوان التي تعرضها هذه اللوحة، وهذه الأجزاء المختلفة التي تضفي إحساساً بالفوضى، لكني أعترف بأن شيئاً ما يجعلني مشدوداً لها...».
كان لا يحب التقيّد بالشكليات والتفاصيل الدقيقة في أعماله، بل يوجّه اهتمامه للغة الألوان بدلاً عن لغة الظلال ويفضلها ترابية طاغية. عبقرية أعمال دي لاكروا تكمن في قوة الأحاسيس التي تسكن أعماله. كتب الشاعر بودلير مقارناً بين أسلوب الرومانسيين فيكتور هوغو في الكتابة ودي لاكروا في الرسم «دي لاكروا يتناول موضوعاته بذكاء حميمي، وبينما يكتفي هوغو بانتزاع القشرة يصل دي لاكروا إلى غاية الأحشاء...».
وهذا الوصف ينطبق على كل أعمال دي لاكروا.
الرسوم الجدارية التي أنجزها في كنيسة سان سوبليس انتقدت بشدة بسبب مشاهد «صراع الملائكة» التي اعتبرت غير لائقة بمكان مقدّس كالكنيسة، ولم يحظ آنذاك بمساندة أحد باستثناء صديقَي عمره بودلير وجورج ساند. وهي الرسوم نفسها التي تعتبر اليوم من ضمن الأهم والأجمل في العالم بعد رسوم مايكل أنجلو في كنيسة سيستين.
الشخصية المتمردة للفنان الفرنسي كلفته رضا رؤسائه، وهو ما يكتبه في مذكراته حين يروي بأن سوستان دولاروش فوكو، مدير معهد الفنون الجميلة، دعاه لمكتبه يوماً ليطلب منه بعد سيل من المديح، تغيير أسلوبه الفني بما يتماشى مع ما تريده «الأوساط»؛ الشيء الذي أثار غضب دي لاكروا الذي أجابه بالرفض؛ مما تسبب في حظره عن كل المحافل، وحرمانه من العرض لأكثر من ست سنوات.
ورغم أن دي لاكروا كان متأثراً في أسلوب رسمه بأعمال الفنانين روبنس، رافاييل، تيسيان ومايكل أنجلو، فإن الموضوعات التي تغذي خياله الفني كانت مستوحاة من عالم الأدب والشعر. وبدأ شغفه بالأدب مبكراً، حيث قرأ لهوميروس، فرجيل، وهوراس، وأعجب بالمعاصرين كفولتير وراسين، كما اتجه للكتابة في أولى سنوات شبابه، فكتب قصّتين قصيرتين ومسرحية قبل أن يكرّس حياته للرسم. وأول الأعمال التي قدمته للجمهور وأثارت اهتمام النقاد كانت لوحة «دانتي وفرجيل في الجحيم» عام 1821، وهي مستوحاة من الكوميديا الإلهية لدانتي في وقت لم يكن فيه هذا العمل الأدبي المّهم قد لقي بعد أي نوع من الإقبال أو الشهرة، كاشفاً عن رؤية فنية يقظة وذوق رفيع في مجال الأدب.
دي لا كروا جسّد أيضاً أعمال اللورد بايرون في لوحته المثيرة للجدل «موت سوندابولوس»، وكان من عشّاق أدبه، لكن إعجابه الشديد بالروائي البريطاني ويليام شكسبير كان الأكثر تأثيراً على أعماله حتى لُقب في الأوساط الثقافية بأكثر «أبناء شكسبير شرعية»، قرأ أعماله مترجمة للفرنسية ثم انكب على تعلم الإنجليزية منذ 1820 مع صديقه المصوّر تشارلز سوليي لكي يقرأها بلغتها الأصلية. دي لاكروا الذي كان نادر الأسفار قطع الحدود لاكتشاف مسرح شكسبير في العاصمة البريطانية عام 1825، حيث مكث فيها ستة أشهر لمشاهدة جميع عروضه.
بعدها بسنتين كان في الصفوف الأولى بمسرح أوديون بباريس لمشاهدة عرض الفرقة الإنجليزية «هاملت» بصحبة صديقيه فيكتور هوغو وألكسندر دوماس، مسجلاً في مذكراته كيف أن العرض كان «أقوى ما شاهد في حياته».
رسم دي لا كروا ما بين 1835 و1859 أكثر من عشرين لوحة مستوحاة كلها من أعمال شكسبير أهمها «روميو وجولييت في مقبرة كابوليت»، «هوراشيو وهاملت في المقبرة» و«عتاب هاملت لأوفيليا».
انبهاره بشخصية هاملت تحديداً ظهرت جلياً في المكانة التي خصّصها له، حيث أنجز ست عشرة مطبوعة حجرية وأربع لوحات تدور كلها حول شخصية الأمير الشكسبيري. تقول دومينيك دو فونت ريو، مديرة متحف «أوجين دي لاكروا»، قد يكون السؤال عن معنى الحياة «أكون أو لا أكون» قد وجد صدىً خاصاً لدى دي لا كروا الذي ظلّ كشخصية شكسبير في صراع مع نفسه وكان يرى نفسه قريباً من «روحه المعذبة».
في أولى سنوات شبابه كان واثقاً من موهبته، وليس من الطريق التي يجب اتباعها. أحب الموسيقى والكتابة، لكنه اتجه للرسم، فشل في أولى خطوات حياته الفنية (مسابقة روما للرسامين)؛ مما جعله يدرك أن أول صراع يعيشه الإنسان هو صراعه مع نفسه. رسم دي لا كروا العشق الشكسبيري وعبّر عن إعجابه بقصص «عطيل وديدمونة»، «روميو وجولييت»، لكنه جسّدها بصورة سوداوية وقضى حياته أعزب لا يؤمن بالحب السعيد الدائم.
- شخصيته وصداقاته
دي لاكروا كان رجل مجتمع يتردد بانتظام على سهرات ومجالس النخبة الثقافية، لا يفوته أي عرض مسرحي، أمسية شعرية أو ندوة أدبية، لكنه كان بشهادة أصدقائه ذا شخصية حساسة دائم القلق. كان كثير العمل، لا يعرف الراحة ومن الفنانين القلائل الذين ينجزون كل الأعمال بأنفسهم دون اللجوء لأيادي المساعدين كما كان يفعل الكثير آنذاك. سافر خارج فرنسا مرات قليلة لا تتعدى أصابع اليد، أهمها كان سفره للجزائر والمغرب الذي دام ستة أشهر، وكان له تأثير بالغ على أعماله الفنية.
كان دي لا كروا حذراً في صداقاته، وكان يشكي، كما كتب في مدونته الشخصية، من «تكييف شخصيته مع كل واحد، أو بالأحرى ضرورة إظهار وجه مختلف في كل مرة؛ لأنه لا يجد شخص يفهمه لذاته». الشاعر والناقد شارل بودلير كان من المثقفين القلائل الذين فهموا تناقضات دي لاكروا وكسبوا صداقته. وقد رفض في البداية صداقته، بسبب فارق السن واختلاف الشخصيتين، لكن دفاع بودلير المستمر عن الرسام الرومانسي جعله يحظى باحترامه وصداقته في آخر الأمر. وكتب له رسالة شكر إثر الدراسة النقدية التي خصصها له عام 1859 قائلاً «كيف أشكرك على دليل الصداقة الذي تشرفني به اليوم؟... كلامك عني يملأني بالخجل والفرح في الوقت نفسه».
على أن أقوى الصداقات التي عرفها في حياته كانت مع الكاتبة جورج ساند، التي بدأت عام 1838 حين طلب منه مدير مجلة «لي دو موند» رسمها لملحق خاص، وكان ذاك بعد انفصالها عن رفيقها الكاتب ألفريد دو موسيه. أواصر هذه الصداقة توطدت بعد العلاقة التي ربطت جورج ساند بالموسيقار فريدريك شوبان الذي كان دي لاكروا من أشد المعجبين به. صداقة الرسام الفرنسي بالكاتبة الفرنسية استمرت ثلاثين سنة تبادلا خلالها الزيارات والرسائل المفعمة بمشاعر الصداقة النبيلة. ورسم الفنان الفرنسي لوحات مشهورة في بيت صديقته كـ«تعليم العذراء»، ولوحة «جورج ساند وشوبان»، واستقبل ابنها موريس في ورشته لتعليم الرسم. أما هي، فقد خصّصت له باباً كاملاً في سيرتها الذاتية «قصة حياتي» (1855)، وكانت من الشخصيات التي دافعت عنه باستمرار، وظل يتراسلان لغاية أسابيع قبل وفاته بمرض السلّ، حيث كتب لها رسالة رقيقة ختمها بعبارة «وداعاً صديقتي الطيبة، أرجو أن تحتفظي لي بمكان في قلبك...».



فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».