موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

بعد حروب الجواسيس وطرد الدبلوماسيين... رزمة تدابير وتحالفات

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية
TT

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

موسكو أمام «الحرب الاقتصادية» الأميركية

مع دخول رزمة العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا حيز التنفيذ الأسبوع المقبل، تكون واشنطن توجت «سياسة العقوبات» الموجهة ضد موسكو بإجراءات انتقلت تدريجيا من تدابير «رمزية وسياسية» طالت في البداية شخصيات ومؤسسات مقربة من الكرملين، لتتخذ مسارات موجعة للاقتصاد الروسي وللنظام المصرفي الذي اهتز بقوة أخيرا على وقع الإعلان عن الخطوات العقابية الأخيرة.
وخلافا للمزاج الإيجابي الذي سيطر على أول قمة جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي قبل أسابيع، شكل الإعلان عن رزمة العقوبات الجديدة ضربة قوية لجهود تطبيع العلاقات، فضلا عن أنها شكلت استكمالا لفصول العقوبات السابقة، إذ لم يعد بين البلدين أي ملف سياسي أو اقتصادي أو إنساني لم يتعرض لتدابير حازمة باتت تشكل عقبة كبرى أمام محاولات ترمب تجاوز الخلافات ووضع خريطة طريق للتقارب.
العقوبات الأميركية التي تعددت الجهات التي صاغتها لتشمل وزارة المال والكونغرس والأجهزة الاستخباراتية ومجلس الأمن القومي وأخيرا الخارجية الأميركية، لم تترك ملفا خلافيا إلا وقيدته باستراتيجية الضغوط من الوضع في أوكرانيا والاتهامات لموسكو بزعزعة استقرار البلد، إلى ضم القرم، إلى لائحة «ماغنيتسكي» المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، إلى الهجمات السيبرانية إلى سوريا وإيران. ومن الاتهامات بتدبير الهجوم الكيماوي في بريطانيا، وصولا إلى العقوبات التي فرضت أخيرا على خلفية اتهام شركات روسية بالتعاون مع كوريا الشمالية. وخلف كل هذا تقف التهمة الكبرى بالتدخل الروسي في مسار الانتخابات الأميركية عام 2016 التي شكلت أساسا لإعلان رزمة تدابير وصفت بأنها ستكون الأكثر إيلاما من سابقاتها.

«حرب اقتصادية»
جاء إعلان رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميديفيديف أن بلاده تواجه «حربا اقتصادية» من جانب الولايات المتحدة، ليضع المواجهة القائمة في إطار جديد بعدما كانت سبقتها «حروب» متعددة الأشكال.
ومنذ أن أطلق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما «الحرب الدبلوماسية» في نهاية العام 2016 عبر طرد مئات الدبلوماسيين الروس، ووضع قيود صارمة على عمل بعض الممثليات الروسية في مدن أميركية كبرى، مرت علاقات البلدين بمرحلة وصفها الرئيس الروسي بأنها أسوأ من الحرب الباردة. لم تهدأ خلال هذه الفترة الخطوات التصعيدية من الجانبين، وغدت حرب الجواسيس العام الماضي علامة فارقة لأن العلاقات استعادت بقوة خلالها روح الحروب الباردة والمواجهة بين قطبين كبيرين. كما أن المواجهة الإعلامية اشتعلت بشكل غير مسبوق، ولا يكاد يمر أسبوع من دون دخول المستوى السياسي لدى البلدين على خط تكذيب معطيات تروج في وسائل الإعلام، فضلا عن القيود التي فرضها البلدان على عمل صحافيين وإغلاق صفحات ومؤسسات إعلامية باتت توصف لدى الجانبين بأنها تدخل تحت طائلة قوانين «العملاء الأجانب».
لكن «الحرب الاقتصادية» تشكل وفقا للخبير في المعهد العالي للاقتصاد ليونيد ايسايكين أخطر حلقات المواجهة القائمة. وأبعدها تأثيرا. لأنها «لم تعد تقتصر على مبدأ المعاقبة بهدف الردع، بل دخلت مرحلة السعي إلى تقويض النظام الاقتصادي والمالي في روسيا» في إشارة إلى رزمة العقوبات الأخيرة التي وصفت بأنها ستؤدي في حال التطبيق الحازم لها إلى إصابة النظام المصرفي الروسي بحالة من الشلل.

عقوبات مؤلمة
حذرت موسكو من أنها ستضطر للرد بقوة إذا مضت واشنطن في تطبيق إجراءات مثل حظر أنشطة المصارف الروسية في الولايات المتحدة أو تقييد استخدام الدولار في تعاملاتها.
وكان عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة قدموا في 03.08.2018 مشروع قرار للكونغرس يحمل عنوان «حماية الأمن الأميركي من التدخل الروسي» وينص على فرض عقوبات رادعة بينها حظر التعاملات المالية في الولايات المتحدة وتجميد أصول أكبر سبعة مصارف حكومية روسية، أبرزها «سبيربنك» (بنك الادخار الوطني) و«في تي بي» (بنك التجارة الخارجية) و«في إيه بي» (بنك الاقتصاد الخارجي) و«بروم سفياز بنك» (بنك الصناعة والاتصال).
ومنع المصارف الروسية من إجراء تعاملات بالدولار عبر المصارف الأميركية الوسيطة. ويشتمل مشروع القانون حظرا على شراء سندات دين روسية جديدة.
بعد ذلك بأيام أعلنت الخارجية الأميركية لائحة عقوبات أخرى على خلفية اتهام روسيا بتسميم العميل المزدوج في بريطانيا، وشملت العقوبات في مرحلتها الأولى قيودا على صادرات مهمة مثل محركات الطائرات وتوربينات الغاز والمعدات الكهربائية والمكونات الإلكترونية، وكل التقنيات التي تدخل ضمن تصنيف «الاستخدام المزدوج» فضلا عن فرض قيود على التعاون بين البلدين في مجال الفضاء وبيع تقنيات الطيران.
ومنحت واشنطن الروس مهلة 90 يوماً ولوحت بمرحلة ثانية من رزمة العقوبات الحازمة في حال لم تقدم موسكو «ضمانات حقيقية» بعدم استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية، ورفضت قيام المفتشين الدوليين بزيارة منشآتها الكيماوية. في هذه الحال تنذر العقوبات الجديدة بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل أكبر، ومنع الناقل الحكومي الرسمي «ايروفلوت» من القيام برحلات الطيران بين موسكو والولايات المتحدة الأميركية وتجميد التبادل التجاري بين البلدين تماما تقريبا. بالإضافة إلى فرض حظر على تعاملات اثنتين من أضخم الشركات الحكومية الروسية في مجالي صناعة الألمنيوم واستخراج وبيع الماس الخام. بذلك تستكمل دورة العقوبات الأميركية إحكام الطرق على كل مجالات التعامل الروسي الخارجي تقريبا باستثناء إمدادات الغاز والنفط التي باتت تشكل الخط الأحمر الأخير الذي يدافع عنه الكرملين.
ووفقا للنسخة الروسية من «فوربس» ستؤثر العقوبات الجديدة على جميع الشركات الروسية المملوكة للدولة تقريباً، والتي تستحوذ، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، على نحو 70 في المائة من الاقتصاد الروسي و40 في المائة من إجمالي القوى العاملة.

روسيا تلوح برد مؤجل
جاء إعلان سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، أن موسكو تدرك حتمية التوسيع المستمر للعقوبات الأميركية ضدها، ليؤكد أن موسكو لم تعد تراهن كثيرا على قدرة الرئيس ترمب على مواجهة خصومه الداخليين وإطلاق مسار تطبيع العلاقات.
ولفت نائب الوزير إلى أنه مع الأخذ في الاعتبار «الهستيريا المعادية لروسيا التي اجتاحت الولايات المتحدة، واكتسبت الآن نطاقا لا سابق له» علينا أن ننطلق من حتمية استمرار توسيع قوائم العقوبات وعثور واشنطن على أشكال متطورة على نحو متزايد لهذه التدابير في محاولة لإجبارنا على التخلي عن نهجنا المستقل الذي يلبي مصالحنا، في الساحة الدولية. إلا أنه استدرك فقال بأن «ردود فعلنا متزنة ونتصرف وفقا للتوجيهات التي نتلقاها من قيادة البلاد». في إشارة إلى أن الكرملين لا يبدو متسرعا جدا في تأجيج المواجهة بإجراءات مقابلة. ورغم ذلك أشار ريابكوف إلى أن روسيا تدرس فرض تدابير جوابية على توسيع العقوبات الأميركية.
في أي حال يرى خبراء روس أن بوتين سيكون مضطرا لإعلان رد في حال تبنى الكونغرس قانون العقوبات المالية الجديد، وأن المماطلة في إعلان الرد تهدف إلى دراسة الخطوات التي يمكن أن يقوم بها ترمب لتخفيف تداعيات العقوبات. ووفقا لرئيس رابطة رجال الأعمال الصغيرة والمتوسطة فإن تداعيات فرض عقوبات على النظام المصرفي والمالي الروسي ستؤدي إلى عواقب وخيمة على النظام المالي الأميركي نفسه، لأنها تزيد من تدهور التعامل بالدولار الأميركي كعملة للتعاملات التجارية عالميا، وتدفع بلدان أكثر إلى البحث عن بدائل للدولار.
ووفقا للمحللين الاقتصاديين في شبكة «أر بي كيه» المتخصصة فإن الخطوات التي يمكن أن تتخذها موسكو للرد على العقوبات الجديدة بينها ما هو «مؤلم» للأميركيين أيضا. وبرغم أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وواشنطن ليس كبيرا نسبيا ولا يزيد حاليا عن عشرة مليارات دولار. لكن ميزان التبادل المائل لمصلحة روسيا بنسبة أكثر من 60 في المائة يشتمل على صادرات حيوية جدا للشركات الأميركية، وفي حال تعرضت الصادرات لهزات فإن قطاعات أميركية مهمة سوف تتأثر.
ويدخل ضمن الصادرات الروسية النفط ومكوناته وخصوصا البنزين، ويستحوذ على نحو نصف صادرات روسيا إلى الولايات المتحدة. كما أن روسيا تصدر الوقود النووي ومواد خام تدخل في صناعة التقنيات النووية وهذه برغم أن حجمها لا يزيد عن مليار دولار واحد لكن الصادرات الروسية تغطي جزءا مهما من حاجة شركات أميركية مهمة. لكن الأهم هو صادرات روسيا من مادة التيتانيوم التي تدخل في صناعة أجسام الطائرات. وتكفي الإشارة إلى أن عملاق صناعة الطيران الأميركي «بوينغ» يستورد ثلث حاجته من هذه المادة من روسيا، وفي حال شملت عقوبات جوابية روسية هذه المادة فهذا يعني أن بوينغ ستتعرض لأضرار لا يمكن تعويضها سريعا.
أيضا تعتمد شركات الفضاء الأميركية على صادرات روسيا من تقنيات تدخل في صناعة محركات الصواريخ الفضائية. وبرغم أن الطرفين غير مرتاحين للتعاون في هذا المجال لكنهما لا يجدان بدائل عنه في الوقت الراهن. ويبرز عدم ارتياح روسيا في مسألة أن محركات الصواريخ الروسية المنشأ تستخدم في أميركا لنقل وسائل عسكرية وأقمار تجسس أميركية وغيرها من التقنيات الموجهة في قدر منها أصلا ضد مصالح روسيا. بينما يبرز عدم الرضا الأميركي في اضطرار الشركات الأميركية إلى الاعتماد على تقنيات روسية في مسألة حساسة مثل هذه. وكانت واشنطن بدأت في وقت سابق تجربة بدائل أميركية بالاستناد إلى تقنيات صاروخ «تشالنجر» التي تم تجميد مشروع تطويرها في سنوات سابقة بعد كارثة سقوط هذا الصاروخ في العام 1986.
وثمة صادرات روسية أقل أهمية مثل المواد الغذائية وخصوصا منتجات البحار والمحيطات، لكنها تدخل أيضا ضمن احتمالات الإجراءات الجوابية الروسية.
وعلى الصعد الأخرى ثمة خطوات يمكن أن تتخذها موسكو وفقا لمحللي مركز دراسات الاستراتيجيات العسكرية بينها الانسحاب من بعض الاتفاقات الموقعة مع الأميركيين ما يطلق يد موسكو في تطوير قدرات صاروخية أو نووية مجمدة حاليا.
ويبدو أن المسار الذي بدأت موسكو دراسته لتطوير رد قوي يعتمد على تقليص التعامل بالدولار استباقا لتعزيز العقوبات على النظام المصرفي الروسي. وفي هذا المجال تدخل التفاهمات الروسية مع عدد من حلفاء روسيا التجاريين للانتقال تدريجيا إلى الاعتماد على العملات المحلية في التجارة البينية. وبرغم أن هذا المسار طويل ومكلف وفقا لخبراء معهد الاقتصاد العالي لكن موسكو تسعى إلى حشد تأييد من جانب شركائها التجاريين مستفيدة من تضرر الصين وتركيا وإيران وعدد كبير من الدول الأوروبية بفعل سياسة العقوبات الأميركية.

اتفاق بلدان حوض قزوين... حاجة إقليمية لمواجهة واشنطن
- جاء توقيع رؤساء دول حوض بحر قزوين اتفاقا تاريخيا أخيرا، حول الوضع القانوني للبحر، وكيفية استغلال ثرواته، بعد خلافات استمرت لعقود، ليظهر أن سياسة واشنطن دفعت الأطراف إلى تذليل خلافاتها مؤقتا والسعي إلى توحيد جهودها لمواجهة ضغوط واشنطن المتزايدة.
ووفق الاتفاقية الجديدة، فإن المنطقة الرئيسية لسطح مياه بحر قزوين ستبقى متاحة للاستخدام المشترك للأطراف، فيما ستقسم الدول الطبقات السفلية وما تحت الأرض إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بينها على أساس القانون الدولي. وستتم عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ووضع خطوط الأنابيب الرئيسية وفقاً للقواعد المتفق عليها بين الأطراف عند تنفيذ مشاريع بحرية واسعة النطاق، ويراعى العامل الإيكولوجي بالضرورة. وتحدد الاتفاقية أيضا الحكم المتعلق بمنع وجود قوات مسلحة للقوى الأجنبية الإقليمية والدولية في بحر قزوين، وتحدد الدول الخمس لبحر قزوين المسؤولة عن الحفاظ على الأمن البحري وإدارة موارده.
وكان لافتا تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الوثيقة تضمن الوضع السلمي لبحر قزوين، واصفا إياها بالنموذج الناجح للعمل المشترك في الظروف العالمية الصعبة. وأشار إلى أن الاتفاق يضمن حل المسائل الحيوية بالنسبة للمنطقة على أساس الإجماع، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف المشاركة فيه. وشدد على أن دول المنطقة ترغب في تعزيز التعاون بين مخابراتها، بما في ذلك في مجال السياسة الخارجية.
بينما وصف الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزاربايف الاتفاق بأنه «دستور لبحر قزوين سيضمن الأمن في المنطقة». وأشار إلى تفاهم الأطراف على إبرام اتفاق منفصل بشأن إجراءات الثقة المنسقة في مجال النشاط العسكري. وستسمح هذه الوثيقة بضمان توازن السلاح في بحر قزوين، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف وتوحيد جهودنا الهادفة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فدعا الدول الخمس المطلة على بحر قزوين إلى تأسيس منظمة للتعاون الجمركي، والاستثمار المشترك، وتعزيز البنى الاقتصادية بينها. وأضاف: «إن إيران على استعداد لتفعيل التجارة بين الشمال والجنوب»، متابعا «ونرى أنه من المناسب أيضا تشكيل لجان للمؤسسات السياحية، ونقل الطاقة». وأشار بشكل خاص إلى أن «الاتفاق حول الوضع القانوني لبحر قزوين وينص على حظر نقل الشحنات العسكرية للدول غير المطلعة على البحر عبره».
تعكس طبيعة الاتفاق الذي لم يشتمل على حل كل القضايا الخلافية بين الدول وأحال الخلاف على تقاسم البحر إلى نقاشات مستقبلية أن الأطراف فضلت وضع تصورات مشتركة لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني والعسكري على خلفية حال عدم الاستقرار العالمي حاليا. وهذا يلبي مصالح روسيا وإيران تحديدا كون البلدين دعوا أكثر من مرة في السنوات الماضية إلى منع تعزيز الوجود العسكري والأمني والاقتصادي لواشنطن في هذه المنطقة.

محور روسي تركي ألماني
وبالتوازي تحدثت وسائل إعلام روسية عن سعي موسكو لتعزيز نشاطها في اتجاه بناء محاور إقليمية ودولية لتعزيز قدراتها في مواجهة واشنطن بالإفادة من تنامي مشاعر الاستياء لدى عدد من الشركاء الأساسيين مثل تركيا التي تعرضت لعقوبات أميركية مماثلة وألمانيا التي باتت تخشى أن تؤثر العقوبات الأميركية على روسيا وعلى إيران على استقرار إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا.
وتحدثت صحيفة «كوميرسانت» التي يمولها «غاز بروم» عملاق الغاز الطبيعي القريب جدا من الكرملين، عن سعي الكرملين لإقامة ما وصفه «محورا جديدا يضم تركيا وألمانيا وروسيا» وقالت بأنه سيشكل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية «محور شر جديدا».
ونقلت عن مصادر قريبة من الكرملين أن ثمة فهما مشتركا للحاجة إلى تقارب واسع بين البلدان الثلاثة، التي باتت تخشى جديا تداعيات السياسة الأميركية. ووفقا للسفير الروسي في أنقرة، أليكسي يرخوف فإن العقوبات الأميركية حفزت التقارب في المثلث الروسي - التركي - الأوروبي. وهو نفس التوجه الذي ركز عليه أخيرا وزير الخارجية التركي الأسبق يشار ياكيش بإشارته إلى أن «تعاون روسيا وتركيا وألمانيا، البلدان التي تعاني من السياسة الأميركية أكثر من البلدان الأخرى في العالم بالغ الأهمية حاليا، برغم أن الصعوبات التي تواجهها كل دولة في التعامل مع الولايات المتحدة ذات طبيعة مختلفة».
بينما قال مدير معهد «قرن تركيا الحادي والعشرين» جاهد أرماغان ديليك بأن قضايا الطاقة تقرب موسكو وأنقرة وبرلين. وهو أمر اتفق معه البروفسور أنطون فيدياشن، من الجامعة الأميركية بواشنطن، في استطلاع للرأي أجرته الصحيفة في أوساط الخبراء، وقال بأن «المقاومة المشتركة للسياسة الأميركية، من جانب روسيا وألمانيا وتركيا والصين، يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية لكل من هذه الدول». ولكن من غير المستبعد، وفقا له، أن «يؤدي هذا النجاح نفسه على المدى القصير إلى جولة أشد من المواجهة» مع الولايات المتحدة، حيث سيستعر الصراع السياسي الداخلي مع اقتراب موعد انتخابات منتصف المدة في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.
«سباق تسلح» يسابق «الحرب الاقتصادية»
شكل توقيع الموازنة العسكرية الجديدة في الولايات المتحدة مصدر قلق إضافيا لموسكو التي رأت فيها تحديا جديدا في ظروف المواجهة القائمة.
وقال نائب الوزير سيرغي ريابكوف بأن قانون الموازنة الذي وقعه الرئيس ترمب ونص على منح الأغراض العسكرية نحو 720 مليار دولار، يشكل «نطاقا غير مسبوق للإنفاق العسكري، ومن المقلق أيضا أن نص قانون الموازنة يتضمن أحكاما تشكك في تنفيذ عدد من الاتفاقات الروسية الأميركية الثنائية في مجال الحد من التسلح. ونحن نعتقد أن هذه ليست طريقة للعمل على حل المشاكل التي نتجت إلى حد كبير عن الإجراءات غير المسؤولة من الجانب الأميركي».
ولفتت وزارة الدفاع الروسية إلى أن قانون الموازنة الأميركي الجديد نص أيضا على اتخاذ عدد من الإجراءات لردع روسيا. ومن بين أمور أخرى يمدد القانون حظر التعاون بين البنتاغون ووزارة الدفاع الروسية باستثناء قنوات للحوار وقناة الاتصال لتجنب وقوع حوادث في سوريا.
ويحظر القانون أي عمليات أو خطوات قد يكون من الممكن اعتبارها اعترافا بانضمام القرم إلى روسيا. كما يقضي القانون بزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا إلى 250 مليون دولار.
كما يتضمن القانون اتهامات لروسيا بأنها تنتهك معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ويلزم الرئيس ترمب بتقديم تقرير حول مدى التزام موسكو بهذه المعاهدة بالإضافة إلى معاهدة «ستارت 3» واتفاقية السماوات المفتوحة التي علقت الولايات المتحدة تنفيذها مؤقتا.
أمام هذا الوضع لوحت وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان بانتظار القرار السياسي من الكرملين للبدء بإجراءات للرد على التطورات التي وصفت بأنها تستهدف بشكل مباشر أمن روسيا. واللافت أن ربط المسؤولين الروس كل رزمة الإجراءات الجوابية الروسية بقرار سياسي يصدر عن الرئيس فلاديمير بوتين، يدل على تمسك الكرملين حتى اللحظة الأخيرة بإبقاء الباب مواربا أمام احتمال تخفيف التوتر وإطلاق مسار إعادة تشغيل العلاقات رغم صعوبة الموقف الحالي. وهذا ما عكسته تصريحات الكرملين حول التوجه لعقد لقاء خلال أيام يجمع مسؤولين روسا مع مساعد الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون.
وأكدت الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن التحضيرات جارية لعقد اللقاء «لمتابعة مواضيع قمة هلسنكي»، مشيرة إلى أنه «ستتم مناقشة مجموعة من قضايا الأمن القومي المهمة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.