الموضة الأخلاقية... بين مسؤولية الصنّاع ووعي المستهلك

وقف استعمال الموهير والجلود الطبيعية والفرو يعني تطوير تقنيات جديدة ومعاصرة

عندما أطلقت ستيلا ماكارتني أول تشكيلة رجالية عام 2016 أكدت أنها كلها تخاصم استخدام المواد الحيوانية
عندما أطلقت ستيلا ماكارتني أول تشكيلة رجالية عام 2016 أكدت أنها كلها تخاصم استخدام المواد الحيوانية
TT

الموضة الأخلاقية... بين مسؤولية الصنّاع ووعي المستهلك

عندما أطلقت ستيلا ماكارتني أول تشكيلة رجالية عام 2016 أكدت أنها كلها تخاصم استخدام المواد الحيوانية
عندما أطلقت ستيلا ماكارتني أول تشكيلة رجالية عام 2016 أكدت أنها كلها تخاصم استخدام المواد الحيوانية

بعد أن تخلت عن استعمال الفرو، مثلها مثل كثير من بيوت الأزياء مؤخرا، أعلنت دار «رالف لورين» تخليها عن استعمال صوف الأنغورا في كل منتجاتها. جاء هذا بعد أن نشرت منظمة «بيتا» تقريرا تصف فيه الطرق غير «الرحيمة» التي تستعمل في قتل الماعز للحصول على صوفه المعروف بالموهير. وقد نجحت المنظمة المدافعة عن حقوق الحيوانات، إلى الآن، في إقناع «أيتش أند إم» و«زارا» و«توب شوب» إلى جانب نحو 270 علامة تجارية أخرى. كان آخرهم «رالف لورين»، بوقف استعمال الموهير بحلول 2020، وصرحت الدار باسم متحدثها الرسمي بأنها «في غياب طرق أخلاقية ورحيمة للحصول على هذا الصوف، فإننا لن نستعمله في منتجاتنا بعد الآن». هذه الحركة النشطة في عدم استعمال جلود طبيعية تأخذنا إلى نحو عقد من الزمن عندما كان الأمر مختلفا تماما.
ففي عام 2001 وعندما وعدت ستيلا ماكارتني بعدم استعمال جلود الحيوانات الطبيعية لم يأخذها كثيرون على محمل الجد، ولا سيما أنها كانت تخطو أولى خطواتها في عالم الموضة. واعتقدوا أنها مجرد مصممة مدللة تنحدر من أسرة غنية ومشهورة، بينما كان أغلبهم يؤمن أن الموضة لا يمكن أن تستغني عن هذه الجلود، فمن دونها لا يمكن أن تكتمل الأناقة والترف. وهكذا لم يتوقع أحد استمرار المصممة، فما البال بنجاحها؟! في المقابل ظلت هي متمسكة برأيها ألا تقتل أي حيوان باسم الموضة. وأوفت بوعدها طوال هذه السنوات رغم أن الأمر كلفها وظيفة مهمة في دار «سان لوران» في عهد توم فورد وهي في بدايتها. ولم تكتف بعدم استعمال الفرو والجلود، بل رفضت رفضا باتا استعمال أي مواد تدخل فيها مكونات حيوانية، فمثلا استغنت عن استعمال «بي في سي» بعد أن أخبرتها شركة «أديداس» عن كمية المواد الكيمياوية التي تدخل فيه وتشكل خطرا على صحة العاملين على صناعته، كما أنها لا تستعمل أي مواد كيماوية في عطورها.
لقد مر أكثر من عقد من الزمن ولم تتغير النظرة إلى الموضة فحسب، بل تغير العالم بأكمله. زاد عدد النباتيين إلى حد القول: إن الأمر أصبح موضة قائمة بذاتها، كما زاد الاهتمام بالبيئة وبالعزوف عن استعمال الجلود الطبيعية، مع ظهور جيل جديد من الزبائن لهم اهتمامات واسعة. وكان رفضهم وجيها، يتخلص في أن صناعة الموضة وتقنياتها تطورت بشكل أصبح يساعد على صُنع منتجات لا تقل فخامة وأناقة من دون الحاجة إلى قتل كائنات حية من أجل جلودها أو أنيابها وما شابه من أمور، وربما يكون الفرو أكثر ما يتعرض للاتهام والرفض مؤخرا. الأمر الذي دفع كثيراً من بيوت الأزياء العالمية مثل «غوتشي» و«تومي هيلفيغر» و«شانيل» و«رالف لورين» وغيرها للانضمام لحملة رفض استعماله. وإلى الآن قد تكون دار «فندي» هي الوحيدة من بين بيوت الأزياء الكبيرة التي لا تستطيع الاستغناء عنه بحكم أنها تقوم عليه وكذا ماركتها المسجلة منذ بدايتها إلى اليوم.
ورغم أن «الموضة الأخلاقية» اكتسبت شعبية بعد أن تبناها النجوم والمشاهير، فلا تُخفي ماكارتني أن هذا التوجه وضعها في «عزلة» ولم يكن مريحا في بداية مشوارها، فقد كانت تتمنى لو أن صناع الموضة ساندوها بالبحث عن خيارات مستدامة عوض تخبطها وحدها لسنوات، قبل أن تنجح في الترويج لشعار أن «أي استثمار في البيئة هو استثمار في حياة أفضل».
هذا العام، نجحت أخيرا في شراء الحصة التي كانت مجموعة «كيرينغ» الفرنسية قد استحوذت عليها منذ أكثر من عقد من الزمن. ولا شك أن المجموعة، التي تمتلك بيوت أزياء أخرى لا تقل أهمية مثل «بوتيغا فينيتا» و«ألكسندر ماكوين» وغيرها، وتبنت أيضا مفهوم الاستدامة في طرق إنتاجها ومبانيها وحرفييها، ساهمت بشكل كبير في التوسع العالمي الذي شهدته علامة «ستيلا ماكارتني»، لكن هذا لا يمنع من القول: إن أي مصمم يرغب في الاستقلالية، أقل ما يجب عليه أن تكون له الكلمة الأولى والأخيرة فيما يُقدمه، مهما كانت المجموعة التي ينضوي تحتها متفهمة.
الآن هناك أسماء كثيرة تتبنى المبادئ نفسها. ولا يقتصر الأمر على الموضة وحدها، بل على مجالات أخرى، مثل المطاعم والفنادق وغيرها، لأن الكل بات يعي أن كل ما هو «مستدام» أصبحت له رنة مثيرة لما يتضمنه من رسالة إنسانية.
أما التحدي الذي يعتقد البعض أنه لا يزال يحتاج إلى شرح، فهو كيف يتم استيراد القطن من الهند، وغزله في بنغلاديش، وصبغه في مكان آخر قبل أن توضع اللمسات الأخيرة عليه في إيطاليا أو فرنسا، ولا سيما أن المستهلك لا يريد أن يعرف كل هذه التفاصيل، بل النتيجة فقط، وهذا ما يحاول مصممون شباب إيصاله بلغتهم إلى أبناء جيلهم.
يقول بين ألون جونز، مؤسس علامة «أنمايد» UnMADe وخريج «ذي روايال كوليدج أوف آرت» بلندن، إن «كل ما هو مستدام ويحترم الآخر ومصلحته، مهم بالنسبة لي». ويضيف المصمم، الذي يتخصص في غزل الصوف بطرق صناعية جديدة، أن هناك إمكانية كبيرة لجعل الإنتاج مواكبا للعصر ومتطلباته الجديدة. فالمسألة «ليست صعبة بل تحتاج فقط إلى توعية ومعرفة بمصادر الخامات وطرق إنتاجها عوض التركيز على الخيارات الأرخص وتحقيق الربح» حسب قوله.
من جهته يرى ديفيد هيوت، مؤسس ماركة «هيوت دينم» بمنطقة وايلز، أن صناعة الموضة ككل تحتاج إلى إعادة نظر في مفهوم «الاستدامة»، قائلا: «كشركة نحن مسؤولون عن العاملين الذين يصنعون الجينز، وعن الأرض التي يُزرع فيها القطن، وعن التأكد من الجودة والنفايات التي نخلفها، أي أنه علينا أن ننظر إليها ككل وليس كجزء». وبرأيه أيضا، أنه كلما كانت بنطلونات الجينز جيدة وتدوم مدة أطول كان هذا جزءا من عملية الاستدامة بالنظر إلى أن الموضة الجاهزة والسريعة جزء كبير من المشكلة المطروحة.
عارضة الأزياء العالمية أمبر فاليتا صرحت في مؤتمر أقيم حول علاقة البيئة والموضة بأن «الموضة هي ثاني صناعة تؤثر سلبا على العالم». وأضافت بأنه رغم وجود كثير من العاملين في هذه الصناعة ممن يشاطرونها الرأي، فإنهم خائفون من اتخاذ أي قرارات حازمة والتصريح بها علانية، لأنها قد تؤثر عليهم وتثير الجدل حولهم. وهذا ما حصل فعلا مع دار «بيربري» التي كانت سباقة منذ نحو شهر في الإعلان بشفافية عن حجم البضاعة الفائضة التي تتخلص منها.
وفي المؤتمر نفسه، أشارت ستيلا ماكارتني، إلى أن المسؤولية تقع على المستهلك أيضا. فمن الصحيح أنه على صناع الموضة اتخاذ مواقف شجاعة «وعلى المصممين أن يراعوا الآخر، لكن على المستهلك أيضا أن يُقبل على ما نقدمه. فلئلا يتوقف النول عن النسج ولتحصل اليد العاملة على أجور محترمة، عليه أن يدرك مفهوم الاستدامة... حينها فقط نستطيع أن نقف يدا واحدة ونتقدم».
الملاحظ أن هناك توجها كبيرا، من المجموعات الضخمة مثل «كريينغ» لتبني مفهوم الموضة المسئوولة أو الأخلاقية كما يطلق عليها، الأمر الذي يدعو للتفاؤل بأنها ستكون موضة المستقبل، بدءاً استعمال خامات طبيعية مثل «القطن العضوي» بدل القطن العادي... إلى استعمال صبغات طبيعية وما شابه من أمور.
فقد تبين أن زراعة القطن من بين أكثر الزراعات استهلاكا للماء، إذ إن إنتاج كيلو من القطن يتطلّب 150 لترا من الماء، عدا أنه يستهلك قرابة 11 في المائة من الإنتاج العالمي للأسمدة الكيماوية و25 في المائة من الإنتاج العالمي لمبيدات الحشرات. لهذا فإن الأبحاث قائمة لإيجاد بدائل أخرى أقل تأثيرا، مثل الصوف والجلود النباتية بدل الحيوانية، وأيضا صباغة الأقمشة ودباغة الجلود بمواد مستخلصة من النباتات والأزهار بدل الصبغات الكيماوية.
ويعتقد صناع الموضة الموالون لهذا التوجه، أن المستهلك له دور كبير في إنجاح هذا التوجه، فهو متقبل له إلى الآن، بشرط عدم التنازل عن الأناقة، ليبقى التحدي الوحيد هو البحث عن تقنيات جديدة للحصول على هذه النتيجة، وتقنين الإنتاج.


مقالات ذات صلة

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.


أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
TT

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

نعم للسن أحكامها. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بواحدة من أجمل نساء العالم، فإن هذه الأحكام لا تتوقف ولا تهدأ عند أول تغيير يطرأ على الوجه أو الجسم.

صورة عابرة التُقطت لأنجلينا جولي مع حيدر أكرمان، مصمم دار «توم فورد» في شنغهاي، تحوَّلت إلى عاصفة رقمية. لم يكن الحديث فيها عن أزيائها ولا ماكياجها. فقد بدت كعادتها بأناقة راقية، وماكياج خفيف لم يبرز فيه سوى أحمر شفاه صارخ. التركيز كله انصبَّ على تفصيل أدق يتمثل في العينين، أو بالأحرى نظرة مشدودة وقليلة الرمش، جعلت الصورة تختلف عن تلك الصورة المثالية التي ترسَّخت في الأذهان عن النجمة.

في شنغهاي ظهرت بنظرة باهتة وثابتة كانت سبب الضجة الإعلامية (غيتي)

خلال وقت قصير، انتشرت الصور مُرفقة بتعليقات متشابهة، وكأن أصحابها يتشاركون الفكرة نفسها: «هل هذه أنجلينا جولي فعلاً؟»، «هذه لا تشبهها إطلاقاً»، بينما تساءل آخرون: «ماذا حدث لعينيها؟». وسرعان ما انزلق النقاش نحو نظريات غريبة تزعم أنها «استُبدلت» أو أنها «شبيهة» ظهرت بدلاً منها، بينما ذهب البعض إلى القول إنه «تم استنساخها». اللقطات القريبة ساهمت في تغذية هذه الانطباعات؛ إذ أظهرت الإضاءة وزوايا التصوير وكأن ملامحها تغيَّرت فعلاً. الماكياج الخفيف والهادئ لم يساعد أيضاً؛ خصوصاً أن خطّاً أبيض خفيفاً يبدو مرسوماً على الجفن الأسفل ساهم في إبراز شكل العينين الجديد.

بين التفسير والمبالغة

المدافعون عنها يشيرون إلى أن القضايا الناتجة من انفصالها عن النجم براد بيت لم تُحسَم تماماً وهو ما يضعها تحت ضغوط نفسية وجسدية كثيرة (غيتي)

في مقابل هذا السيل من نظريات المؤامرة والتحليلات، ظهر اتجاه مضاد يدافع عن أنجلينا جولي، معتبراً أن ما يُرى ليس أكثر من خدعة بصرية، سببها الإضاءة وزوايا التصوير والماكياج الهادئ، بينما أشار آخرون إلى عامل الزمن. فأنجلينا تبلغ اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها. أما فريق ثالث، فربط مظهرها بظروفها الشخصية، مُشيرين إلى الضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت، واستمرار التوترات القانونية بينهما حتى الآن. هذا الإرهاق والضغط النفسي من شأنهما أن ينعكسا بشكل مباشر على ملامح الوجه والجسم. فقد فقدت كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة، وفقدت أيضاً دهوناً داعمة لنضارة وجهها.

فقدت أنجلينا كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة ما أفقدها دهوناً داعمة للبشرة (أ.ف.ب)

بين الحملات التشكيكية والدفاعية، يبرُز سؤال عما إذا كانت أنجلينا جولي قد خضعت فعلاً لعملية تجميل في منطقة العينين، وما الذي تقوله الخبرة الطبية في هذا الشأن؟

أنجلينا نفت سابقاً خضوعها لأي إجراءات تجميلية، ومع ذلك، في حال إجراء مثل هذه التدخلات، يتفق الخبراء على أن التعامل مع منطقة العين يجب ألا يقتصر على الشد والرفع؛ بل يجب أن يُراعي أيضاً الحفاظ على الوظيفة والترطيب والتوازن.

رأي الطب

تقول الدكتورة بريا أوداني، وهي جرَّاحة تجميل العيون في لندن، إن «تقييم مثل هذه الحالات من خلال الصور وحدها يظل محدوداً». ورغم أنها لا تؤكد أن أنجلينا خضعت فعلاً لعملية تجميل، فإنها لا تنفي أن بعض السمات التي يلاحظها الجمهور قد ترتبط بتدخلات تجميلية.

تطورت عمليات تجميل الجفون ومنطقة العينين وأصبحت تأخذ الصحة أيضاً في عين الاعتبار (غيتي)

وتوضح: «عندما يبدو محيط العين أكثر شداً من المعتاد، فقد يكون ذلك مؤشراً على شد مفرط للجلد، وهو ما يمكن أن يؤثر على حركة الجفن الطبيعية، بما في ذلك حركة الرمش». وتتابع: «إزالة كمية كبيرة من الجلد أو شد منطقة الجفون بشكل مبالغ فيه، قد يؤدي إلى جفاف العين، ويجعلها تبدو مشدودة بشكل غير طبيعي». وتتابع: «بعبارة أخرى، ما يلاحظه المتابعون قد لا يكون مجرد تغير بصري؛ بل قد يكون تغيراً وظيفياً أيضاً. فمنطقة العين شديدة الحساسية، وأي تغيير -مهما كان طفيفاً- يبدو ملحوظاً للغاية، وهذا تحديداً ما يخلق ذلك الانطباع الغامض الذي يبدو فيه الوجه مختلفاً، مع صعوبة تحديد السبب بدقة».

أما لماذا يتحدث الجميع عن حالة أنجلينا جولي؟ فتجيب بريا أوداني بأن السبب يعود إلى أن «منطقة العين هي أول ما يلاحظه الناس، وأي تغيير فيها -وإن كان مجرد اختلافات بسيطة في نسيج الجلد أو الترطيب أو الحركة- قد يجعلها تبدو مختلفة».

وهي في أوج تألقها عام 2024 بمجوهرات من «بوتشيلاتي» (بوتشيلاتي)

وتُضيف بريا أوداني أن عدداً من التقنيات الحديثة بات يكتسب شعبية أكبر من الإجراءات التقليدية التي تقوم على قص جزء من الجفن، مثل «Morpheus8» التي تساعد على شدّ الجلد وتحسين جودته حول العينين، مع الحفاظ على الحركة والتعبير الطبيعي، وتقنية «Lumecca» التي تعتبرها فعَّالة بشكل خاص في تحسين التصبُّغات ومنح المنطقة إشراقاً واضحاً على كامل الوجه عموماً، والعينين على وجه الخصوص، من دون تغيير بنيتهما. أما تقنيات أخرى –مثل «Envision»- فتدعم صحة العينين نفسها، من خلال تحسين الترطيب والتعامل مع الجفاف، وهو أمر أساسي؛ ليس فقط للراحة؛ بل أيضاً للمظهر.