إلكترونيات مزروعة لمعالجة الأمراض والالتهابات

تطلق نبضات عصبية قد تغني عن الأدوية العادية

إلكترونيات مزروعة لمعالجة الأمراض والالتهابات
TT

إلكترونيات مزروعة لمعالجة الأمراض والالتهابات

إلكترونيات مزروعة لمعالجة الأمراض والالتهابات

في صباح أحد أيام شهر مايو (أيار) من عام 1998 قام كيفن تريسي بتحويل غرفته في مختبر {معهد فينشتاين} للأبحاث الطبية في مانهاسيت في ولاية نيويورك إلى غرفة مؤقتة للعمليات الجراحية، ومن ثم هيأ مريضه الذي كان جرذا لإجراء العملية. وكان تريسي جراح الأعصاب ورئيس المعهد المذكور قد قضى أكثر من عقد من الزمن يجري أبحاثا في حول الصلة التي تربط بين الأعصاب ونظام المناعة. وقد قاده عمله إلى افتراض، هو أن تحفيز العصب المبهم بالتيار الكهربائي من شأنه تخفيف الالتهابات المؤذية. {والعصب المبهم يوجد وراء الشريان الذي تشعر من خلاله بالنبض} كما أبلغني أخيرا وهو يضغط بإبهامه اليمنى على رقبته.
ويقوم العصب المبهم vagus nerve وفروعه بتوصيل النبضات العصبية التي تدعى {إمكانات العمل} لكل عضو رئيس في الجسم.
وعلى الرغم من أن الاتصالات فيما بين الأعصاب وبين جهاز المناعة عدت غير ممكنة منذ الإجماع العلمي الذي جرى التوصل إليه في عام 1998، فإن تريسي كان متأكدا من وجود مثل هذا الاتصال، ومن أن جرذه سيثبت ذلك. وبعد تخدير الجرذ قام تريسي بفتح شق في رقبته مستخدما مجهرا جراحيا للعثور على طريقه داخل جسم الحيوان. وعن طريق محفز للأعصاب يحمل باليد قام بإطلاق عدة نبضات كهربائية دامت كل منها ثانية واحدة على العصب المبهم المكشوف لذلك الجرذ. ثم قام بإغلاق الشق ليعطي الجرذ بعد ذلك سما من البكتيريا معروفا بمساعدته على إنتاج النخر الورمي tumor necrosis factor، أو {تي إن إف} TNF، الذي يحفز حدوث الالتهابات في الحيوانات، بما فيهم البشر.
يقول تريسي {تركنا الجرذ ينام ساعة قبل أخذ عينات من الدم لفحصها}. إذ كان من المفترض أن يحفز السم البكتيري انطلاق التهاب على نطاق واسع، لكنه بدلا من ذلك توقف إنتاج النخر الورمي بمقدار بنسبة 75 في المائة. {وبالنسبة إلي كانت تلك لحظة من لحظات تغيير الحياة}. والنتيجة التي أظهرها هذا الجراح هي أن النظام العصبي كان أشبه بمحطة كومبيوتر يمكن من خلالها إلقاء الأوامر لإيقاف المشكلة مثل الالتهابات الحادة قبل شروعها، أو ترميم الجسم بعد إصابته بالمرض.

* إلكترونيات بيولوجية
وعند الابتلاء بالالتهابات مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، أو مرض كرون يجري حاليا العلاج بالعقاقير، والمسكنات، والستيرويدات، أو ما يعرف بالمستحضرات البيولوجية، أو البروتينات المهندسة وراثيا. لكن مثل هذه الأدوية، كما يشير تريسي، غالبا ما تكون مكلفة، وصعبة الإدارة، وتختلف في فعاليتها، وأحيانا تصاحبها تأثيرات جانبية خطيرة. ويبدو أن عمله يشير إلى أن تعريض العصب المبهم إلى تيار كهربائي بالشدة المناسبة وبمراحل دقيقة من شأنه إعادة إنتاج رد فعل دوائي علاجي. وأظهرت أبحاثه اللاحقة أيضا أن الكهرباء قد تكون أكثر فعالية من الأدوية والعقاقير مع مخاطر صحية ضئيلة.
وساعدت أبحاث تريسي على تأسيس ما يدعى الإلكترونيات البيولوجية bioelectronics، وهو المجال أو الحقل النامي حاليا الذي يأمل منه كثيرا. {وأعتقد أن هذه الصناعة هي التي ستحل محل صناعة العقاقير}، كما يقول، فالباحثون اليوم يقومون بعمليات زرع يمكنها أن تتواصل مباشرة مع النظام العصبي بغية مكافحة كل الأمراض من السرطان إلى البرد العادي.
يقول تريسي إن لائحة أمراض {تي إن إف} طويلة، لذلك عندما أنشأنا شركة {سيت بوينت} عام 2007 مع الباحثين والأطباء في مستشفى مساشوسيتس العام في بوسطن عام 2007، توجب علينا معرفة ما الذي نريد أن نعالجه.
فقد رغبوا الشروع في معالجة أمراض يمكن التخفيف من شدتها عن طريق إغلاق العامل المسبب لـ{تي إن إف} ما تطلب علاجات جديدة ماسة. أما التهاب المفاصل الروماتويدي فقد كان يلبي في هذا المجال كلا المعيارين، فهو يؤثر على نحو واحد في المائة من سكان العالم ويسبب في الوقت ذاته التهابات مزمنة من شأنها أن تقوض المفاصل حتى تتأكل كليا.
وفي سبتمبر (أيلول) من عام 2011 شرعت {سيت بوينت ميديكال} في أول تجربة سريرية في العالم لمعالجة مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي عن طريق محفزات عصبية مزروعة ترتكز في مبدئها على مكتشفات تريسي. واستنادا إلى رالف زتنك مدير الشؤون الطبية في {سيت بوينت} فإنه من أصل 18 مريضا هم الآن قيد التجارب، أظهر ثلثاهم تحسنا كبيرا، حتى إن بعضهم يشعرون بقليل من الألم، أو حتى لا ألم على الإطلاق بعد أسابيع فقط من تلقي الشريحة المزروعة. كما اختفى الورم من مفاصلهم.

* تواصل عصبي
والإلكترونيات البيولوجية على الصعيد النظري هي علاج مباشر، أي جعل النظام العصبي يبلغ الجسم لكي يشفي ذاته بذاته. لكن الأمر ليس بهذه البساطة أيضا. فالتحدي الكبير هنا هو ترجمة {الحديث الدائر} بين أعضاء الجسم ونظامه العصبي، استنادا إلى كريس فام الذي يشغل وحدة جديدة للأبحاث في مضمار الإلكترونيات العلاجية باسم {بايوإلكترونكس آر آند دي} في {غلاكسو سميث كلاين}، الشركة السابعة على صعيد الضخامة في العالم.
يقول فام {لم يقم أحد فعلا بمحاولة التحدث باللغة الكهربائية الخاصة بالجسم}. وقال العقبة الأخرى هي تصنيع شرائح زرع صغيرة بعضها من الصغر بحجم المليمتر المكعب، ويكون من المتانة ما يكفي لتشغيل معالجات دقيقة قوية. وإذا ما جرى اعتماد الإلكترونيات البيولوجية على نطاق واسع، فقد يمكن للملايين من الناس في يوم ما أن يجوبوا الشوارع بكومبيوترات موصولة إلى أنظمتهم العصبية وبالشبكات. لكن مثل هذا الاحتمال قد يسلط الضوء على مسألة قد يتوجب على الصناعة مواجهتها، وهي إمكانية الاختراق أو القرصنة الخبيثة.
وعلى الرغم من عدم اليقين في هذا المضمار، قامت {غلاكسو سميث كلاين} باستثمار 5 ملايين دولار في {سيت بوينت}، كما أن {بايوإلكترونكس آر آند دي} هي مشاركة حاليا مع 26 مجموعة أبحاث مستقلة موزعة على ستة أقطار. كما أسست أيضا صندوقا بقيمة 50 مليون دولار لدعم علوم الإلكترونيات البيولوجية، مع تقديم جائزة بقيمة مليون دولار لأول فريق يمكنه تطوير جهاز للزرع، يمكنه بدوره عن طريق تسجيل الإشارات الكهربائية للعضو والاستجابة لها، ممارسة تأثير على مهمته. وعلاوة على التهاب المفاصل الروماتويدي، يعتقد فام بأن طب الإلكترونيات البيولوجية ستعالج في يوم من الأيام ضغط الدم العالي، والربو، والسكري، والصرع، والعقم، والسمنة، والسرطان. فهذا النوع من العلاج صالح لأمراض كثيرة.
وبعيد الجراحة الأولى على الجرذ في عام 1998، قضى تريسي 11 سنة يضع خريطة للممرات العصبية لالتهابات {تي إن إف}، وأخرى للممر الواصل بين العصب المبهم والطحال، ومن ثم إلى مجرى الدم، وأخيرا إلى الحبيبات الخيطية (الميتوكوندريا) داخل الخلايا. وفي عام 2009 شعرت {سيت بوينت} أنها جاهزة لاختبار عمل تريسي على أشخاص يعانون من التهاب المفاصل الروماتويدي.
ومن بين التجارب التي أجريت في هولندا على مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي، اعتمادا على أبحاث تريسي، تعريضهم لعملية مدتها 45 دقيقة يزرع خلالها جهازا أشبة بسدادة القنينة الزجاجية المصنوعة من الفلين على العصب المبهم، في الجانب الأيسر من العنق، وبالتالي زرع مولد للنبضات بحجم قطعة الدولار الفضية تحت عظم الترقوة، التي تضم البطارية، والمعالج الدقيق المبرمج لبث صدمات خفيفة من قطبين. وحال تشغيل هذا الجهاز المزروع، تطلق شحنة بتيار شدته ملي أمبير واحد على العصب المبهم كل دقيقة واحدة، أربع مرات يوميا. وبعد أسبوع أو أسبوعين، شرع الألم يخفت تدريجيا، وكذلك الورم، وعلامات التهاب الدم.

* خدمة {نيويورك تايمز}



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.