صرخة في لبنان لإنقاذ التعليم العالي وتحذيرات من انهيار المعايير

مع تراجع المستوى وتلويح جامعات أوروبية بعدم قبول الشهادات اللبنانية

الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
TT

صرخة في لبنان لإنقاذ التعليم العالي وتحذيرات من انهيار المعايير

الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)

بعد الانتقادات الموجهة لمستوى التعليم العالي في لبنان وسلسلة الأحداث التي كانت مرتبطة بالجامعات اللبنانية والتي كان آخرها تزوير شهادات لعسكريين، أتت الصرخة هذه المرة من أعرق المؤسسات أمس، بعد أن برز جدل حول معلومات بتلويح جامعات أوروبية بعدم الاعتراف بالشهادات التي تمنحها «الجامعة اللبنانية» وهو ما نفته الأخيرة.
وبعد الإعلان قبل أيام عن تعليق كل من «الجامعة الأميركية في بيروت» و«جامعة القديس يوسف» عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان» مطالبتين بتنقية الجامعات اللبنانية، وهو الأمر الذي لطالما طالبت به عدة أطراف معنية وبشكل خاص أساتذة في الجامعة الوطنية، استفاق اللبنانيون أمس على خبر يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي هدّد لبنان بعدم الاعتراف بشهادة «الجامعة اللبنانية» ما لم تعمل على إصلاح مناهجها خلال 3 سنوات، لتعود الجامعة بعد ذلك وتصدر بيانا تنفي فيه هذا الخبر متّهمة بعض الجامعات الخاصة بالاستفادة من معلومات مغلوطة من أجل ضرب الجامعة الوطنية.
ولا يعني نفي الجامعة أن التعليم العالي في لبنان لا يواجه مشكلة حقيقية. ففي السنوات الأخيرة بدأت المحاصصة الطائفية والمذهبية عبر «توزيع التراخيص» بإنشاء الجامعات بعيدا عن معايير محددة، رغم أن بعض الجامعات اللبنانية لا تزال تتصدر الجامعات العالمية والعربية بمستوى تعليمها؛ إذ، ووفق آخر تقرير لمؤسسة «كواكواريلي سيموندس» البريطانية المختصة بالتعليم الذي نشر قائمة بأفضل ألف جامعة في العالم لعام 2019، احتلت «الجامعة الأميركية في بيروت» المرتبة الأولى من أصل مائة، وعالميا المرتبة 237. وعلى الرغم من أنّ اسم الجامعة اللبنانية لم يرد في تصنيف أفضل ألف جامعة عالمياً فقد احتلت المرتبة 25 عربياً، فيما كانت «جامعة القديس يوسف» في المرتبة 12 لكنها في المرتبة 500 عالميا.
كما سجّل حضور لعدد من الجامعات الخاصة ضمن هذا الترتيب، بحيث كانت ضمن الخمسين الأولى عربيا وبين الـ500 والألف عالميا.
لكن هذا الترتيب الذي يظهر مستوى عدد من الجامعات في لبنان، ويؤكد عليه مسؤولون فيها، بات اليوم أمام خطر انفلات المعايير بحسب مسؤولين في «القديس يوسف» «والجامعة الأميركية»، وهو ما أدى إلى تعليق عضوية الجامعتين في «رابطة جامعات لبنان»، وهو ما لا يختلف مع وجهة نظر الباحث والأستاذ في «الجامعة اللبنانية» الدكتور عصام خليفة الذي يرى أن «(الجامعة اللبنانية) من أكثر المتضررين من هذا الواقع» محذرا من النتائج إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
ويؤكد مصدر مسؤول في «القديس يوسف» ووكيل الشؤون الأكاديمية في «الجامعة الأميركية في بيروت» الدكتور محمد حراجلي، أن قرار التعليق كان قبل 3 أشهر، أي قبل قضية تزوير شهادات العسكريين، لكنه جاء بناء على أمور عدة؛ أهمها الواقع المرير الذي يعاني منه هذا القطاع والتخمة في الجامعات الخاصة التي باتت تنعكس سلبا على مستوى التعليم وتقدّمه.
ويقول حراجلي لـ«الشرق الأوسط»: «اتخذنا القرار بعدما بات الربح المادي هو الهدف الأساسي لإنشاء الجامعات في لبنان، التي باتت تعاني من تخمة، كما منح التراخيص وفق التدخل والمحاصصة السياسية بعيدا عن أي معايير وضوابط، وبالتالي لم يعد هناك من جدوى في التعاون والبقاء في الرابطة في ظل هذا الواقع». وأكد في الوقت عينه أن باب «الأميركية» مفتوح للتعاون مع كل الجامعات شرط الحرص على مستوى التعليم، ومع كل الطلاب خصوصا المتفوقين منهم الذين يحصلون بشكل دائم على منح للدراسة فيها.
ما يقوله حراجلي يؤكد عليه أيضا مصدر مسؤول في «اليسوعية»، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة ليست بإعطاء التراخيص؛ إنما في غياب المعايير التي تعطى بناء عليها، والضوابط والمناهج التي يفترض أن تعتمد»، مضيفا: «إذا بقي الوضع على ما هو عليه فسيكون مصير التعليم العالي في خطر حتمي، وعلّ قرار انسحابنا من الرابطة يشكّل ناقوس خطر بالنسبة إلى المسؤولين، وهو ما يبدو أنه بدأ يظهر عبر القرارات التي أخذها مجلس التعليم العالي لناحية إصدار قرار بمنع تسجيل الطلاب الجدد في جامعات متّهمة بتزوير شهادات إلى حين انتهاء التحقيق».
ويكشف المصدر أن «جامعة القديس يوسف» بدأت في المرحلة الأخيرة تواجه تشكيكا من بعض الجامعات الأوروبية في الشهادات كما أسواق العمل الأوروبية «بحيث بات هناك تدقيق لافت بشأنها خوفاً من التزوير، وهو ما لم يكن يحدث في وقت سابق».
في المقابل، ورغم موافقته على تراجع مستوى التعليم العالي ورفضه التراخيص العشوائية للجامعات الخاصة، ينتقد رئيس «رابطة جامعات لبنان» الوزير السابق سامي منقارة قراري «اليسوعية» و«الأميركية»، عادّاً أن الحرص على التعليم العالي يتطلب تعاونا من الجميع، خصوصا من قبل هذه المؤسسات العريقة وليس الانسحاب. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الرابطة لم تتلقّ رسميا طلب تعليق عضوية الجامعتين، وهي بالتالي لغاية الآن تعدّهما أعضاء فيها»، موضحا أن «عددا كبيرا من جامعات لبنان لا ينضوي تحت لواء الرابطة التي لا تقبل عضوية الجامعة إلا بناء على معايير محددة، وهي تضم لغاية الآن فقط 19 جامعة». وأضاف: «إذا كان هناك أي انتقاد، فعلى الجميع التعاون وليس الانسحاب، خصوصا أن هناك معايير محددة تعتمدها الرابطة وكانت قد وضعت بموافقة ممثلي (اليسوعية) و(الأميركية)». ولفت إلى أنه وبعدما علم من الإعلام عن هذه المشكلة أرسل كتاباً إلى رئيسي الجامعتين وأنه ينتظر الرد عليه.
ولا ينفي منقارة أن هناك تراجعا في مستوى التعليم العالي في لبنان لأسباب عدة؛ أهمها منح تراخيص عشوائية، قائلا: «تحولت الجامعات إلى تجارة عند البعض، والحكومة هي من تتحمل هذه المسؤولية نتيجة الجو السياسي والمحاصصة في التعامل مع هذه القضية عبر إعطاء تراخيص عشوائية».
ومع دعوته الملحة للعمل على تحسين جودة التعليم العالي، يشير الأستاذ عصام خليفة إلى تراجع عدد طلاب «الجامعة اللبنانية» أمام انتشار الجامعات الخاصة الفاقدة أهم المعايير، لافتا إلى أن «نسبة عدد طلاب (الجامعة اللبنانية) لا تزيد على 35 في المائة؛ أي نحو 73 ألفاً (الرقم نفسه منذ 15 سنة) بعدما كانت في السابق تشكل 60 في المائة، وبالتالي كان يفترض أن تكون اليوم نحو 150 ألفاً». مع العلم بأنه يقدّر عدد الجامعات الخاصة اليوم في لبنان بنحو 50 جامعة، بعضها لا يزيد عدد طلابها على المئات أو حتى العشرات، فيما يصل العدد في «الأميركية» إلى 7300 و«اليسوعية» إلى 13 ألفا.
واتهم خليفة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» المسؤولين بالهروب من الأزمة وعدم إيجاد حل لها عبر منح تراخيص عشوائية، مؤكدا أن المدخل الأهم هو تقوية «الجامعة اللبنانية» وإنشاء 5 جامعات لبنانية شرط أن يكون لها مجلس أعلى يقوم بالتنسيق في ما بينها، ويضيف: «مع تأكيدنا على عدم رفض وجود الجامعات الخاصة؛ إنما أن يكون ترخيصها مبنيا على معايير محددة، وأن يترافق ذلك أيضا مع رقابة دائمة عليها».
وفي بيانها التي نفت فيه المعلومات حول تهديد الاتحاد الأوروبي بعدم الاعتراف بشهادة «الجامعة اللبنانية»، رأت الأخيرة أن الهدف هو مصلحة الجامعات الخاصة على حساب «الجامعة الوطنية». وقالت في بيان لها: «شائعات مغرضة تطال بشكل مباشر الجامعة اللبنانية، وآخرها الشائعة المتعلقة بعدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بشهادات الجامعة، والتي لا أساس لها من الصحة وهي تستهدف الجامعة اللبنانية لمصلحة بعض الجامعات الخاصة ومن أجل ضرب الجامعة الوطنية».
وأوضحت أن «الجامعة أقدمت طوعاً على تقييم الجودة فيها من قبل المجلس العالي للتقييم والاعتماد للتعليم العالي المسؤول عن تقييم التعليم العالي والبحث العام في فرنسا، وهذه الخطوة جاءت بناء على توصية (منظمة الصحة العالمية) و(الاتحاد العالمي للتعليم الطبي) بوجوب إجراء اعتماد الجودة لكليات الطب في جميع أنحاء العالم، وقد باشرت كلية الطب في الجامعة، وجميع كليات الطب الخاصة في لبنان من عام 2017، بالترتيبات اللازمة للحصول على الاعتماد المذكور، وهو أمر يستلزم تطبيقه عند الجميع فترة لا تقل عن السنتين». وشدّد بيان الجامعة اللبنانية على أن نظام التقييم الذي تخضع له «لم ولن يكون شرطاً لقبول شهادة الجامعة اللبنانية من قبل عدد كبير من الجامعات في العالم». وأضاف: «معظم الدول الأوروبية تعترف بشهادة جامعتنا الوطنية التي تتبع نظام الأرصدة، كما أن هناك الكثير من الاتفاقيات الثنائية الموقعة بينها وبين الكثير من الجامعات الأوروبية وغير المرتبطة بتطبيق نظام الجودة».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.