السعودية تلوح بإجراءات في الخلاف مع كندا... وترفض الوساطة

الجبير: على أوتاوا أن تصحح خطأها... والنظر قائم في اتخاذ مزيد من الإجراءات

عادل الجبير خلال المؤتمر الصحافي في مقر وزارة الخارجية بالرياض (تصوير: سعد الدوسري)
عادل الجبير خلال المؤتمر الصحافي في مقر وزارة الخارجية بالرياض (تصوير: سعد الدوسري)
TT

السعودية تلوح بإجراءات في الخلاف مع كندا... وترفض الوساطة

عادل الجبير خلال المؤتمر الصحافي في مقر وزارة الخارجية بالرياض (تصوير: سعد الدوسري)
عادل الجبير خلال المؤتمر الصحافي في مقر وزارة الخارجية بالرياض (تصوير: سعد الدوسري)

قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أمس، إن بلاده لا تقبل الإملاءات ولا التدخل في شؤونها الداخلية، مطالباً كندا بتصحيح أخطائها التي اقترفتها تجاه السعودية من دون مسوّغ، المتمثلة في مطالبتها بالإفراج فوراً عمن سمتهم «نشطاء المجتمع المدني» الذين تم إيقافهم.
وأكد الجبير في مؤتمر صحافي عقده أمس، لتوضيح موقف السعودية في القضية المثارة، أن الرياض لا تزال تنظر في اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد أوتاوا، مشيراً إلى أن دولاً خليجية وعربية وإسلامية أيدت الموقف السعودي، عدا قطر. كما استبعد الوزير السعودي، أي وساطات لحل الخلافات. وقال: «لا داعي للوساطة. كندا ارتكبت خطأ كبيراً وعليها أن تصحح هذا الخطأ، وكندا تدرك تماماً ما هو المطلوب منها في هذا الشأن».
وكانت مصادر أكدت لـ«رويترز» أول من أمس، أن كندا تعتزم السعي للحصول على مساعدة الإمارات وبريطانيا لنزع فتيل أزمتها مع السعودية، لكن الولايات المتحدة الحليف الوثيق لكندا أوضحت من جانبها أنها لن تتدخل.
وذكر مصدر مطلع أن الحكومة الليبرالية بقيادة رئيس الوزراء جاستن ترودو، تعتزم التواصل مع الإمارات.
وقال المصدر: «السبيل هو العمل مع الحلفاء والأصدقاء في المنطقة لتهدئة الأمور، وهو ما يمكن أن يحدث سريعاً». وأفاد مصدر آخر بأن كندا ستسعى أيضاً للحصول على مساعدة بريطانيا. ونأت الولايات المتحدة بنفسها عن التدخل في الأزمة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت: «ينبغي للجانبين أن يحلا ذلك بالوسائل الدبلوماسية. لا يمكننا فعل ذلك نيابة عنهما، ويتعين عليهما حل ذلك معاً».
وعبر وزير الخارجية السعودي، عن رفض بلاده التدخل الكندي في الشأن الداخلي للسعودية، وحملها مسؤولية وقوع هذه الأزمة، مبيناً أن المعتقلين، يخضعون لإجراءات ونظم قانونية يديرها النائب العام بالسعودية، بسبب تورطهم في التعامل مع جهات أجنبية في مواقع حساسة، تنقل لها معلومات عن بلاده بغرض الإضرار، مشيراً إلى أنه من ثبتت براءته أطلق سراحه.
وأضاف الجبير في مؤتمر صحافي عقده بالرياض، أمس، أن «هذه الأزمة لم تكن السعودية تريدها، ولكن أوتاوا بادرت بالتدخل الكندي السافر في الشؤون الداخلية للسعودية، عندما غردت وزيرة الخارجية الكندية في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، وجرى الأمر نفسه على حساب السفارة الكندية بالرياض، باستمرار الرياض في اعتقال نشطاء سعوديين، في سلوك مرفوض رفضاً باتاً»، مشيراً إلى أن كندا هي من بدأت بالخطأ وتعرف معالجته وعليها تصحيحه.
وزاد: «من الصعب التعامل مع أمة تؤمن أن لديها الحق في شؤوننا الداخلية، ولكن تبقى الاستثمارات الكندية في السعودية محمية وستستمر ونتطلع لاستمرار الجالية الكندية الموجودة على الأراضي السعودية، وما أوقفناه هو الاستثمارات الجديدة مع كندا وإيقاف التجارة الجديدة».
وتابع: «الاعتقالات لم تتعلق بمجرد نشطاء حقوق الإنسان من النساء، بل فئة معينة كانت على صلات بجهات خارجية، تعمل على تجنيد أشخاص في مواقع حساسة، يحصلون منهم على معلومات حساسة لتمريرها لجهات معادية من خارج السعودية، والنائب العام على علم واطلاع بهذه التهم، والتحقيقات لا تزال جارية، وبعض الأفراد الذين تبين أنه لا توجد ضدهم تهم، أطلق سراحهم فيما يزال آخرون قيد التحقيق».
ونوه بأن السفارة السعودية في كندا، أسست مركزاً وغرفة عمليات، لمعالجة أوضاع المواطنين السعوديين والطلاب والمرضى وطلاب الطب، مبيناً أن «الجهات المعنية تعمل على كيفية نقلهم إلى مناطق أخرى، ولا أعتقد أنه سيكون هناك مشكلة كبيرة. سنبذل قصارى جهدنا حتى لا تكون هناك أي صعوبات تواجههم، بحيث يكون الانتقال يتم بسلاسة، وستكون المخرجات أفضل لهم من موقفهم الحالي».
وقال الجبير: «أطمئن أن سياسات خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، تشدد على أن نبذل أقصى ما في وسعنا لنضمن سلامة ورفاهية المواطنين السعوديين في أي مكان خاصة في كندا في هذا الوقت، والسفارة قامت بإنشاء غرفة عمليات لمساعدة الطلاب والمواطنين لمواجهة أي مشكلة، ومركز عمليات يعمل على تتبع هذه المواقف».
وأكد الجبير أن «المواطنين السعوديين في كندا يحظون برعاية واهتمام كبيرين من الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان». وشدد الجبير على حرص وزارة الخارجية على تقديم كل ما بوسعها لرعاية شؤون السعوديين بالخارج.
وأعلن الملحق الصحي السعودي في الولايات المتحدة وكندا فهد بن إبراهيم التميمي أن الملحقية أوقفت جميع برامج العلاج في كندا وتعمل على التنسيق من أجل نقل جميع المرضى السعوديين من المستشفيات الكندية إلى مستشفيات أخرى خارج كندا.
من جانب آخر، أكد الدكتور محمد العيسى الملحق الثقافي بالسفارة السعودية في واشنطن، أن الملحقية بدأت بشكل سريع في تشكيل لجنة طوارئ لمساعدة المبتعثين، يرأسها الدكتور علي الفريحي مدير مساعد الملحق للشؤون الدراسية، والدكتورة هديل الصالح مديرة قسم البرامج الطبية، والدكتورة نشمي الرشيدي مدير إدارة الاعتماد والتوثيق الأكاديمي، بهدف مساعدة الطلاب المبتعثين والمبتعثات في كندا لضمان انتقالهم بشكل سريع للولايات المتحدة.
وأوضح العيسى في تصريح لوكالة الأنباء السعودية أمس، أن الجزء المهم من المبتعثين في كندا ممن يصعب إحلالهم هم الأطباء والطبيبات، حيث يوجد أكثر من ألف طبيب وطبيبة في كندا الآن، وتحاول الملحقية قدر الإمكان مساعدتهم بإحلالهم في برامج طبية في الولايات المتحدة.
وثمّن الدكتور العيسى، جهود الدكتور ماجد الفياض المشرف التنفيذي العام للمؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، والدكتور سعود الشنيفي نائب المدير التنفيذي للشؤون الأكاديمية والتدريب بالمستشفى، في تسهيل ونقل مبتعثي المستشفى التخصصي وجميع المبتعثين من الجهات الحكومية إلى الولايات المتحدة، وقال: «بدأنا في التواصل مع مديري البرامج الطبية والمستشفيات الأميركية لمساعدة الأطباء في إحلالهم، ووجدنا كل ترحيب وكل دعم من الجامعات الأميركية».
وأشار إلى أن الملحقية الثقافية تسعى لتسهيل انتقال المبتعثين، مبيناً أن عدد الرسائل الإلكترونية التي تصل إلى الملحقية بهذا الشأن كبير جداً، مؤكداً أن أكثر من 20 جامعة أميركية مستعدة لاستقبال الطلبة السعوديين المنقولين من كندا إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى استعداد مديري البرامج الطبية في الولايات المتحدة لاستقبال الأطباء والطبيبات.
وتوقّع الدكتور العيسى، انتقال أغلبية المبتعثين من الأطباء والطلبة من كندا إلى الولايات المتحدة، بحكم قرب وحجم الولايات المتحدة ولتوفر كثير من الجامعات «ما يعطي فرصة أكبر لانتقال الطلبة والطالبات وقبولهم أكثر من أي مكان آخر»، مشيراً إلى أنه في النهاية سيترك المجال للمبتعثين سواء أطباء أو غير أطباء لاختيار البلد المناسب لإكمال برنامجهم الدراسي، مع سعي الملحقية لتسهيل وإكمال إجراءات انتقالهم.
وأكد الدكتور محمد العيسى، أن الملحقية تعمل بشكل سريع ومتواصل مع السفارة السعودية في كندا وأيضاً مع سفارة المملكة في واشنطن، ومع الملحقية في كندا لتسهيل انتقال الطلبة والطالبات بشكل سريع وميسّر.
وفي ردود الفعل، عبرت روسيا أمس عن تأييدها للسعودية في الخلاف المتصاعد مع كندا، ورفضت نبرة أوتاوا في الحديث عن القضية. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إنه ينبغي الترويج لحقوق الإنسان مع احترام العادات والتقاليد الوطنية المحددة.
وأضافت: «قلنا دائماً إن تسييس قضايا حقوق الإنسان غير مقبول». وتابعت: «ما يحتاجه المرء على الأرجح في هذا الوضع هو النصيحة البناءة والمساعدة بدلاً من الانتقاد من جهة ترى في نفسها أنها متفوقة أخلاقيا».
وأكدت زاخاروفا أن المملكة العربية السعودية لها الحق السيادي في اتخاذ القرار والمضي قدماً فيما يتعلق بمجال حقوق الإنسان. وأضافت أن موسكو تعرب عن أملها في أن تتمكن السعودية وكندا من الاتفاق لتخطي الخلافات بينهما.
وفي القاهرة أكدت مصر تضامنها مع السعودية. وأكد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية السفير أحمد أبو زيد في بيان صحافي، موقف بلاده الثابت والداعم لاستقرار وسيادة الدول العربية، مشدداً على ضرورة الامتثال للأعراف والمواثيق الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول واحترام سيادتها.
واستهجنت وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الليبية ما وصفته بـ«تجرؤ» بعض الدول وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول أخرى، في إشارة للأزمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وكندا.
وقالت وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الليبية في بيان، إن ليبيا من الدول التي اكتوت من مثل هذه الإجراءات والسياسات والممارسات والتصريحات التي من شأنها المساس بسيادة الدول واستقرارها، مؤكدة وقوفها إلى جانب المملكة فيما تعرضت له مؤخراً، من تدخلات في شؤونها الداخلية.

- إيقاف برامج علاج السعوديين في كندا ونقلهم إلى مستشفيات أخرى
أوقفت الملحقية الصحية السعودية بالولايات المتحدة وكندا، جميع برامج العلاج في كندا، فيما تعمل على التنسيق من أجل نقل جميع المرضى السعوديين من المستشفيات الكندية إلى مستشفيات أخرى خارج كندا تنفيذا لتوجيه المقام السامي.
وأوضح الدكتور فهد التميمي، الملحق الصحي السعودي في الولايات المتحدة وكندا، أن «الملحقية تسعى لضمان سلامة المرضى السعوديين الذين يتلقون علاجهم في كندا مع مرافقيهم، وإكمال علاجهم في أماكن أخرى، سائلاً الله عز وجل أن يمن على المرضى بالشفاء العاجل، وأن يحفظ لمملكتنا أمنها ورغدها واستقرارها في ظل رعاية واهتمام القيادة السعودية».



الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.