محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

10 سنوات على غياب صاحب «الجدارية»

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق
TT

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

لم يكن محمود درويش يحتاج إلى غيابه الجسدي لكي يتيح لنا أن نقف في ضوء هذا الغياب على المساحة الشاغرة التي خلفها وراءه.
ولم يكن الشاعر عرضة للتجاهل والغبن وسوء الفهم لكي نقول: لا بد من موته لكي ننتبه إليه. ذلك أن أحداً في دنيا العرب، ربما باستثناء نزار قباني، لم يكن ليملك تلك الكاريزما الآسرة التي امتلكها درويش منذ بداية شهرته في فلسطين المحتلة وحتى تحوله إلى أيقونة حقيقية في سني حياته الأخيرة. وهو من بين الشعراء القلائل الذين أمكن لأمسياتهم ولقاءاتهم مع الجمهور أن تتحول إلى تظاهرات حاشدة يتنادى لها الناس من مختلف الشرائح والأمزجة والأهواء الفكرية والسياسية، وتغص بها القاعات والمحافل ومدرجات الجامعات وملاعب كرة القدم. وفي حين ظلت النجومية في العالم العربي صناعة مقتصرة على المطربين والممثلين، فقد عرف درويش كيف يجسد بنضارة نصوصه وديناميتها، كما بالوسامة اللافتة التي لم تفارقه كهلاً، ما سماه الكاتب الآيرلندي جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه». وحيث راح بعض الشعراء يردون على واقعهم المزري وفقرهم وتهميشهم من قبل السلطة أو المجتمع، عبر الصعلكة والتقوقع الشخصي وتدمير الذات، فإن الظروف القاسية التي واجهت درويش في الوطن المحتل وخارجه لم تزده إلا تشبثاً بصورة الشاعر الأنيق و«الأرستقراطي» الذي يعرف متى يقترب من الآخرين، ومتى يحتجب عنهم، والذي يرى في الشعر رديفاً للكرامة والجمال والترفع، لا للمهانة والتسكع والسلوك العدمي. فإذا كان لا بد من الجنون، فليكن بالنسبة له من داخل النص وعبره، وإذا كان لا بد من الصعلكة فلتكن عن طريق الانقلاب على المتن المتوارث والبلاغة السائدة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا السياق لا يتعلق بالمكانة التي اكتسبها محمود درويش في حياته، بل بالعوامل المختلفة التي وفرت لاسمه ولشعره أن يظلا، بعد عشر سنوات من موته، راسخين أشد الرسوخ في الوجدان العربي والإنساني. وما على أي منا سوى التأمل قليلاً في مواقع التواصل الاجتماعي لكي يتبين له المدى الواسع لتفاعل الآلاف مع نتاج درويش، واستشهادهم بنصوصه الشعرية والنثرية، لا حين تحضرهم مأساة فلسطين فحسب، بل في شتى المواقف والمناسبات المتعلقة بشؤون الحياة في مباهجها ومكابداتها.
وفي حين أن عشرات الشعراء الفلسطينيين والعرب ممن يدينون بنجوميتهم إلى الرافعتين الآيديولوجية والإعلامية، قد عادوا بعد رحيلهم إلى كنف النسيان المطبق، لا يزال اسم درويش يحتفظ ببريقه السابق، ويلتف من حوله قراء ومتابعون كثر من الأجيال القديمة أو الصاعدة. والحقيقة أن القيمة المضافة لمكانة صاحب «سرير الغريبة» لا تتعلق بالقضية العادلة التي حمل لواءها مع كثر غيره، بل بإيلائه الشعر كل عنايته ووقته، وجعْله له جوهر حياته ومعنى وجوده الأهم. فهو لم يركن في مسيرته الشاقة إلى الموهبة وحدها، ولم ينم على حرير التعاطف التلقائي والمسبق للجمهور الواسع الذي هتف في وجهه ذات يوم «أنقذونا من هذا الحب القاسي». وهو أيضاً لم يستسلم لإغواء السلطة التي وصل يوماً إلى سدتها في قيادة منظمة التحرير، بل وضع كل ذلك خلف ظهره وانتهج الطريق الأصعب لخوض معركته القاسية والقاتلة مع الكلمات. ومن يتتبع المجموعات الأولى للجيل الذي انتمى إليه الشاعر لن يعثر على فروق تُذكر بينه وبين أقرانه، فيما تكشف أعماله اللاحقة عن ثقافة واطلاع عميقين، وعن تبتل روحي قارب حدود التنسك، وعن نزف نفسي وجسدي ما لبث أن قاد شرايينه الواهنة إلى الانفجار.
كانت «هجرة» محمود درويش من فلسطين باتجاه العالم الأرحب في مطلع سبعينات القرن الفائت أول الأثمان التي كان لا بد من دفعها في سبيل تطوير لغته وإخراجها من دائرة الكتابة الخام والفضفضة الغنائية والتحريض المباشر باتجاه الترميز والتكثيف الدلالي والأسئلة الإنسانية العميقة. فضلاً عن أن تلك الهجرة كانت، رغم ما سُدد باتجاهه من سهام التجريح، أكثر من حاجة ملحة لاستكناه فلسطين الأعماق واستردادها عبر الشعر بما هي بحث مضن عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، لا بوصفها مساحة جغرافية محددة. ولدى إقامته في بيروت أظهر درويش انحيازاً واضحاً للشرط الإبداعي في وجه اللافتات السياسية والتعليب الآيديولوجي المحْكم، وهو ما يفسر رده الانفعالي على من طالبه بقراءة قصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي» بقوله غاضباً «سجل أنت!». ولم يكن ذلك ليعني بأي حال تنصل الشاعر من القضية التي حملها في قلبه وشعره حتى النهاية، بل يعني تراجعاً عن مقولاته السابقة حول مصالحة الشعر مع الجمهور الواسع، ولو اقتضى ذلك تنازل الشاعر عن بعض سقوفه الإبداعية العالية. وهو ما جسدته بوضوح قولته الشهيرة:
قصائدنا بلا طعمٍ بلا صوتِ
إذا لم يفهم البسطا معانيها
إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ إلى بيتِ
وإن لم يفهم البُسطا معانيها
فأوْلى أن نذرّيها
ونخْلد نحن للصمتِ
وحيث مثلت قصيدته «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» بداية مغادرته لمرحلة الغناء الرومانسي، وانعطافته نحو التكثيف واستخدام الرمز، عاش درويش في بيروت، التي كانت عشية حربها الأهلية موزعة بين مغامرة الحداثة وبين التدجين الثقافي والآيديولوجي، لحظات صعبة ومكلفة على صعيد العلاقة بجمهوره.
وما زلت أذكر كيف انسحب العديد ممن وفدوا للاستماع إليه في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية ليلتحقوا بأمسية مظفر النواب في كلية الحقوق، بعد أن أرهقتهم مواكبة قصيدته الطويلة والآهلة بالرموز «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». لا بل إن الراحل شفيق الحوت اضطر في أمسية أخرى، وأثناء قراءة درويش لقصيدته «أحبك أو لا أحبك»، أن يطرد أحد الطلاب «اليساريين» من القاعة بعد أن احتج هذا الأخير على ما اعتبره «تلهي» شاعر المقاومة المفترض بأمور الحب، في اللحظة التي تتعرض فيها المقاومة الفلسطينية للضرب على يد الجيش اللبناني.
بذل محمود درويش من جهة ثانية جهوداً ضارية للتخلص من كل أولئك الذين وقع تحت تأثيرهم في مقتبل تجربته، والذين بدت ظلالهم واضحة في نصوصه الأولى من مثل السياب ونزار قباني وأدونيس وصولاً إلى لوركا ونيرودا. لكنه بالضراوة ذاتها تصارع مع نفسه وظل ينقلب على منجزه السابق بين مجموعة وأخرى.
ومع ذلك فإن نذُر موهبته العالية لم تكن غائبة عن بعض قصائده الشفافة والغنية بالترجيعات، من مثل:
مطرٌ ناعمٌ في خريف بعيدْ
والعصافير زرقاءُ زرقاءُ والأرض عيدْ
لا تقولي أنا غيمة في مطارْ
فأنا لا أريدْ
من بلادي التي سقطتْ من زجاج القطارْ
غير منديل أمي وأسباب موتٍ جديدْ
على أن الشاعر منذ مجموعته «محاولة رقم 7» الصادرة أوائل السبعينات، مروراً بقصيدة «الأرض» و«أحمد الزعتر» ووصولاً إلى «بيروت» و«مديح الظل العالي» راح يؤالف بين الترجيع الغنائي المترع بالحنين وبين النفس الملحمي الذي تتقاطع في مناخاته الأسطورة والتاريخ والرموز الصوفية المختلفة. وهو المنحى الذي عمّقه لاحقاً في نصوص «الهدهد» و«مأساة النرجس وملهاة الفضة» و«حجر كنعاني في البحر الميت»، كما لو أنه أراد أن يكون هوميروس الجديد الذي يؤرخ للتغريبة الفلسطينية، ويعصم الذاكرة الجمعية من التلف.
ومع ذلك فقد شعر محمود في منتصف الثمانينات، وبعيد أزمته القلبية الأولى، بأنه يكاد يستنزف لغته وإيقاعه الإنشادي ومراثيه وموضوعاته الأثيرة. لذلك فقد راح يبحث عن أفق للكتابة بعيد عن القصيدة «الشاملة» التي تقول كل شيء، والتي تزخر باللغة الهادرة والصور الباذخة والإيقاع العالي الذي يأخذه البحر الكامل نحو فضاءات صوتية يصعب لجمها. ولم يكن ابتعاده عن «الكامل» واختياره لـ«المتقارب» نموذجاً إيقاعياً وحيداً ينتظم قصائد مجموعته «ورد أقل»، سوى الترجمة العملية لتبرمه بالغنائية المفرطة وجنوحه نحو موسيقى أكثر خفوتاً تسمح للغة الدرامية بالتنامي، وتتواءم مع خلجات النفس وتوترات الداخل. ليس ثمة هنا من معلقات ومطولات نافلة، بل سونيتات قصيرة نسبياً تتحلق كل منها حول مشهد أو فكرة أو تفصيل حياتي أو حوار مونودرامي يتصل بالفرد كما بالجماعة:
مطار أثينا يوزعنا للمطارات
قال المقاتل: أين أقاتل؟
صاحت به حاملٌ: أين أهديك طفلك؟
قال الموظف: أين أوظف مالي؟
فقال المثقف: مالي ومالكَ!
قال رجال الجمارك: من أين جئتمْ؟
أجبنا: من البحر
قالوا إلى أين تمضون؟
قلنا: إلى البحر...
كان مطار أثينا يغيّر سكانه كل يوم
ونحن بقينا مقاعدَ فوق المقاعد ننتظر البحرَ
كم سنة يا مطار أثينا!
كما أن المتابع لتجربة درويش بعد خروجه من بيروت لا بد أن يلحظ اهتمامه المتنامي بتعميق ثقافته، التي راحت تغرف من غير مَعين وتتسع دائرتها لتشمل الفلسفة والفكر السياسي والنقدي والتاريخ وعلمي النفس والاجتماع وغيرها من القراءات والدراسات اللغوية والدينية والنقدية. وهو ما عكسته بوضوح موضوعاته المتصلة بمعنى الحياة والموت والزمن والحب والغياب، إضافة إلى تكثيف صوره وتنويع موضوعاته وعنايته بالتفاصيل المحسوسة وتعميق أسئلته الإنسانية. وإذا كان شاعر متميز بمهارة درويش قادراً على إخفاء مصادره المعرفية وتذويبها داخل النص الشعري، فإننا رغم ذلك نستطيع أن نتعقب في بعض نصوصه آثار الكتب التي شغف بها، فتعيدنا قصيدة «خطبة الهندي ما قبل الأخيرة» إلى كتاب تودوروف «فتح أميركا»، وتعيدنا قصيدة «الهدهد» إلى كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، وتعيدنا «قناع مجنون ليلى» إلى كتاب «سوسيولوجيا الغزل العربي» للطاهر لبيب، و«لو ولدت» إلى «الهويات القاتلة» لأمين معلوف، حيث نقرأ له قوله عن الهوية المركبة:
لو ولدتَ من امرأة أسترالية وأبٍ أرمني
ومسقط رأسك كان فرنسا
فماذا تكون هويتك اليوم؟
طبعاً ثلاثية
كما أن افتتانه بالرواية ورغبته المتعذرة في كتابتها قد تمثلا بشكل واضح في أعماله النثرية المتميزة التي تضاهي شعره في توهجها وثرائها ونقائها البلوري، كما في شغفه بالسرد الشعري حيث نعثر في الكثير من قصائده على نتف متناثرة من سيرته الشخصية ووقائع حياته، وهو ما نجده على الأخص في دواوينه «لماذا تركت الحصان وحيداً» و«كزهر اللوز أو أبعد» و«الجدارية»، وصولاً إلى عمله الأخير «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»:
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة
أو أكونْ
مثل أختي التي صرخت
ثم ماتت ولم تنتبه
إلى أنها وُلدت ساعة واحدة
ولم تعرف الوالدة
أو كبيض حمامٍ تكسّر
قبل انبلاج فراخ الحمام من الكلس
ولأن درويش كان شاعراً قلقاً بامتياز فهو لم يكن يأنس إلى أسلوب بعينه أو إيقاع محدد أو بنية بذاتها. فالشعر عنده ليس رديفاً للنمط المتماثل والتسليم اليقيني، بل رديف الشكوك والتجدد والانقلاب على الذات. ولأنه لم يكن وفياً لغير الحرية فقد كان يكتب المطولة جنباً إلى جنب مع الشذرة الخاطفة، وينتقل من قصيدة الكشوف العميقة ذات البعد الصوفي باتجاه البوح الغنائي البسيط، ويلح على التقفية المتماثلة حيناً ويتخلى عنها بالكامل حيناً آخر. وهو في ذروة مغامرته الأسلوبية والإيقاعية لم يتردد في العودة بين حين وآخر نحو النظام الإيقاعي الخليلي.
أما صوره المشهدية المنتزعة من كافة عناصر الطبيعة وتشكلاتها فكانت تتناغم مع الجرس الأشد عذوبة لمفرداته وتعابيره لتجعلا من نصوصه لوحات سمعية - بصرية أخاذة. واللافت في هذا السياق اقتصار شعره على بحور قليلة كالكامل والمتقارب والوافر والرمل، فيما بدا تجنبه لـ«الخبب» تعبيراً عن ضيقه بالخفة الراقصة لهذا البحر، كذلك الأمر بالنسبة لـ«الرجز» الذي لا تتلاءم إيقاعاته «الملجومة» نسبياً مع استمراء الشاعر للتحليق في فضاءات إيقاعية مفتوحة. ومع أن درويش قد أبدى نفوراً واضحاً من محاولات تعليبه وإلحاقه التعسفي باللافتات الكيانية والشعارات السياسية الفجة، فإن إخلاده إلى الأعماق الأخيرة لمكابدات نفسه قد وفر لشعره سبل التعبير عن مكابدات البشر جميعاً على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم وهوياتهم الشخصية.
ولعل ما يجمعه بالمتنبي، إضافة إلى قوة موهبته ورهافة إحساسه وفرادة لغته وصوره، هو قدرته على اختزال المواقف والهواجس الإنسانية المشتركة بعبارات مكثفة تقترب من الحكم والأمثال السائرة ويرددها الناس أينما وجدوا، من مثل قوله «وطني ليس حقيبة / وأنا لست مسافر»، أو «إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر»، أو «ومن لا برّ له \ لا بحر له»، أو «يدعو لأندلس إن حوصرتْ حلبُ». أما قولته الشهيرة «هزمتك يا موت الفنون جميعها» فبدت أقرب إلى الحدس الشخصي بما ستؤول إليه قصائده ونصوصه الفريدة، التي ستظل لسنوات كثيرة قادمة ترفد بماء الاستعارات صحارى العرب القاحلة وزمنهم المقفر.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟