محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

10 سنوات على غياب صاحب «الجدارية»

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق
TT

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

لم يكن محمود درويش يحتاج إلى غيابه الجسدي لكي يتيح لنا أن نقف في ضوء هذا الغياب على المساحة الشاغرة التي خلفها وراءه.
ولم يكن الشاعر عرضة للتجاهل والغبن وسوء الفهم لكي نقول: لا بد من موته لكي ننتبه إليه. ذلك أن أحداً في دنيا العرب، ربما باستثناء نزار قباني، لم يكن ليملك تلك الكاريزما الآسرة التي امتلكها درويش منذ بداية شهرته في فلسطين المحتلة وحتى تحوله إلى أيقونة حقيقية في سني حياته الأخيرة. وهو من بين الشعراء القلائل الذين أمكن لأمسياتهم ولقاءاتهم مع الجمهور أن تتحول إلى تظاهرات حاشدة يتنادى لها الناس من مختلف الشرائح والأمزجة والأهواء الفكرية والسياسية، وتغص بها القاعات والمحافل ومدرجات الجامعات وملاعب كرة القدم. وفي حين ظلت النجومية في العالم العربي صناعة مقتصرة على المطربين والممثلين، فقد عرف درويش كيف يجسد بنضارة نصوصه وديناميتها، كما بالوسامة اللافتة التي لم تفارقه كهلاً، ما سماه الكاتب الآيرلندي جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه». وحيث راح بعض الشعراء يردون على واقعهم المزري وفقرهم وتهميشهم من قبل السلطة أو المجتمع، عبر الصعلكة والتقوقع الشخصي وتدمير الذات، فإن الظروف القاسية التي واجهت درويش في الوطن المحتل وخارجه لم تزده إلا تشبثاً بصورة الشاعر الأنيق و«الأرستقراطي» الذي يعرف متى يقترب من الآخرين، ومتى يحتجب عنهم، والذي يرى في الشعر رديفاً للكرامة والجمال والترفع، لا للمهانة والتسكع والسلوك العدمي. فإذا كان لا بد من الجنون، فليكن بالنسبة له من داخل النص وعبره، وإذا كان لا بد من الصعلكة فلتكن عن طريق الانقلاب على المتن المتوارث والبلاغة السائدة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا السياق لا يتعلق بالمكانة التي اكتسبها محمود درويش في حياته، بل بالعوامل المختلفة التي وفرت لاسمه ولشعره أن يظلا، بعد عشر سنوات من موته، راسخين أشد الرسوخ في الوجدان العربي والإنساني. وما على أي منا سوى التأمل قليلاً في مواقع التواصل الاجتماعي لكي يتبين له المدى الواسع لتفاعل الآلاف مع نتاج درويش، واستشهادهم بنصوصه الشعرية والنثرية، لا حين تحضرهم مأساة فلسطين فحسب، بل في شتى المواقف والمناسبات المتعلقة بشؤون الحياة في مباهجها ومكابداتها.
وفي حين أن عشرات الشعراء الفلسطينيين والعرب ممن يدينون بنجوميتهم إلى الرافعتين الآيديولوجية والإعلامية، قد عادوا بعد رحيلهم إلى كنف النسيان المطبق، لا يزال اسم درويش يحتفظ ببريقه السابق، ويلتف من حوله قراء ومتابعون كثر من الأجيال القديمة أو الصاعدة. والحقيقة أن القيمة المضافة لمكانة صاحب «سرير الغريبة» لا تتعلق بالقضية العادلة التي حمل لواءها مع كثر غيره، بل بإيلائه الشعر كل عنايته ووقته، وجعْله له جوهر حياته ومعنى وجوده الأهم. فهو لم يركن في مسيرته الشاقة إلى الموهبة وحدها، ولم ينم على حرير التعاطف التلقائي والمسبق للجمهور الواسع الذي هتف في وجهه ذات يوم «أنقذونا من هذا الحب القاسي». وهو أيضاً لم يستسلم لإغواء السلطة التي وصل يوماً إلى سدتها في قيادة منظمة التحرير، بل وضع كل ذلك خلف ظهره وانتهج الطريق الأصعب لخوض معركته القاسية والقاتلة مع الكلمات. ومن يتتبع المجموعات الأولى للجيل الذي انتمى إليه الشاعر لن يعثر على فروق تُذكر بينه وبين أقرانه، فيما تكشف أعماله اللاحقة عن ثقافة واطلاع عميقين، وعن تبتل روحي قارب حدود التنسك، وعن نزف نفسي وجسدي ما لبث أن قاد شرايينه الواهنة إلى الانفجار.
كانت «هجرة» محمود درويش من فلسطين باتجاه العالم الأرحب في مطلع سبعينات القرن الفائت أول الأثمان التي كان لا بد من دفعها في سبيل تطوير لغته وإخراجها من دائرة الكتابة الخام والفضفضة الغنائية والتحريض المباشر باتجاه الترميز والتكثيف الدلالي والأسئلة الإنسانية العميقة. فضلاً عن أن تلك الهجرة كانت، رغم ما سُدد باتجاهه من سهام التجريح، أكثر من حاجة ملحة لاستكناه فلسطين الأعماق واستردادها عبر الشعر بما هي بحث مضن عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، لا بوصفها مساحة جغرافية محددة. ولدى إقامته في بيروت أظهر درويش انحيازاً واضحاً للشرط الإبداعي في وجه اللافتات السياسية والتعليب الآيديولوجي المحْكم، وهو ما يفسر رده الانفعالي على من طالبه بقراءة قصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي» بقوله غاضباً «سجل أنت!». ولم يكن ذلك ليعني بأي حال تنصل الشاعر من القضية التي حملها في قلبه وشعره حتى النهاية، بل يعني تراجعاً عن مقولاته السابقة حول مصالحة الشعر مع الجمهور الواسع، ولو اقتضى ذلك تنازل الشاعر عن بعض سقوفه الإبداعية العالية. وهو ما جسدته بوضوح قولته الشهيرة:
قصائدنا بلا طعمٍ بلا صوتِ
إذا لم يفهم البسطا معانيها
إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ إلى بيتِ
وإن لم يفهم البُسطا معانيها
فأوْلى أن نذرّيها
ونخْلد نحن للصمتِ
وحيث مثلت قصيدته «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» بداية مغادرته لمرحلة الغناء الرومانسي، وانعطافته نحو التكثيف واستخدام الرمز، عاش درويش في بيروت، التي كانت عشية حربها الأهلية موزعة بين مغامرة الحداثة وبين التدجين الثقافي والآيديولوجي، لحظات صعبة ومكلفة على صعيد العلاقة بجمهوره.
وما زلت أذكر كيف انسحب العديد ممن وفدوا للاستماع إليه في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية ليلتحقوا بأمسية مظفر النواب في كلية الحقوق، بعد أن أرهقتهم مواكبة قصيدته الطويلة والآهلة بالرموز «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». لا بل إن الراحل شفيق الحوت اضطر في أمسية أخرى، وأثناء قراءة درويش لقصيدته «أحبك أو لا أحبك»، أن يطرد أحد الطلاب «اليساريين» من القاعة بعد أن احتج هذا الأخير على ما اعتبره «تلهي» شاعر المقاومة المفترض بأمور الحب، في اللحظة التي تتعرض فيها المقاومة الفلسطينية للضرب على يد الجيش اللبناني.
بذل محمود درويش من جهة ثانية جهوداً ضارية للتخلص من كل أولئك الذين وقع تحت تأثيرهم في مقتبل تجربته، والذين بدت ظلالهم واضحة في نصوصه الأولى من مثل السياب ونزار قباني وأدونيس وصولاً إلى لوركا ونيرودا. لكنه بالضراوة ذاتها تصارع مع نفسه وظل ينقلب على منجزه السابق بين مجموعة وأخرى.
ومع ذلك فإن نذُر موهبته العالية لم تكن غائبة عن بعض قصائده الشفافة والغنية بالترجيعات، من مثل:
مطرٌ ناعمٌ في خريف بعيدْ
والعصافير زرقاءُ زرقاءُ والأرض عيدْ
لا تقولي أنا غيمة في مطارْ
فأنا لا أريدْ
من بلادي التي سقطتْ من زجاج القطارْ
غير منديل أمي وأسباب موتٍ جديدْ
على أن الشاعر منذ مجموعته «محاولة رقم 7» الصادرة أوائل السبعينات، مروراً بقصيدة «الأرض» و«أحمد الزعتر» ووصولاً إلى «بيروت» و«مديح الظل العالي» راح يؤالف بين الترجيع الغنائي المترع بالحنين وبين النفس الملحمي الذي تتقاطع في مناخاته الأسطورة والتاريخ والرموز الصوفية المختلفة. وهو المنحى الذي عمّقه لاحقاً في نصوص «الهدهد» و«مأساة النرجس وملهاة الفضة» و«حجر كنعاني في البحر الميت»، كما لو أنه أراد أن يكون هوميروس الجديد الذي يؤرخ للتغريبة الفلسطينية، ويعصم الذاكرة الجمعية من التلف.
ومع ذلك فقد شعر محمود في منتصف الثمانينات، وبعيد أزمته القلبية الأولى، بأنه يكاد يستنزف لغته وإيقاعه الإنشادي ومراثيه وموضوعاته الأثيرة. لذلك فقد راح يبحث عن أفق للكتابة بعيد عن القصيدة «الشاملة» التي تقول كل شيء، والتي تزخر باللغة الهادرة والصور الباذخة والإيقاع العالي الذي يأخذه البحر الكامل نحو فضاءات صوتية يصعب لجمها. ولم يكن ابتعاده عن «الكامل» واختياره لـ«المتقارب» نموذجاً إيقاعياً وحيداً ينتظم قصائد مجموعته «ورد أقل»، سوى الترجمة العملية لتبرمه بالغنائية المفرطة وجنوحه نحو موسيقى أكثر خفوتاً تسمح للغة الدرامية بالتنامي، وتتواءم مع خلجات النفس وتوترات الداخل. ليس ثمة هنا من معلقات ومطولات نافلة، بل سونيتات قصيرة نسبياً تتحلق كل منها حول مشهد أو فكرة أو تفصيل حياتي أو حوار مونودرامي يتصل بالفرد كما بالجماعة:
مطار أثينا يوزعنا للمطارات
قال المقاتل: أين أقاتل؟
صاحت به حاملٌ: أين أهديك طفلك؟
قال الموظف: أين أوظف مالي؟
فقال المثقف: مالي ومالكَ!
قال رجال الجمارك: من أين جئتمْ؟
أجبنا: من البحر
قالوا إلى أين تمضون؟
قلنا: إلى البحر...
كان مطار أثينا يغيّر سكانه كل يوم
ونحن بقينا مقاعدَ فوق المقاعد ننتظر البحرَ
كم سنة يا مطار أثينا!
كما أن المتابع لتجربة درويش بعد خروجه من بيروت لا بد أن يلحظ اهتمامه المتنامي بتعميق ثقافته، التي راحت تغرف من غير مَعين وتتسع دائرتها لتشمل الفلسفة والفكر السياسي والنقدي والتاريخ وعلمي النفس والاجتماع وغيرها من القراءات والدراسات اللغوية والدينية والنقدية. وهو ما عكسته بوضوح موضوعاته المتصلة بمعنى الحياة والموت والزمن والحب والغياب، إضافة إلى تكثيف صوره وتنويع موضوعاته وعنايته بالتفاصيل المحسوسة وتعميق أسئلته الإنسانية. وإذا كان شاعر متميز بمهارة درويش قادراً على إخفاء مصادره المعرفية وتذويبها داخل النص الشعري، فإننا رغم ذلك نستطيع أن نتعقب في بعض نصوصه آثار الكتب التي شغف بها، فتعيدنا قصيدة «خطبة الهندي ما قبل الأخيرة» إلى كتاب تودوروف «فتح أميركا»، وتعيدنا قصيدة «الهدهد» إلى كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، وتعيدنا «قناع مجنون ليلى» إلى كتاب «سوسيولوجيا الغزل العربي» للطاهر لبيب، و«لو ولدت» إلى «الهويات القاتلة» لأمين معلوف، حيث نقرأ له قوله عن الهوية المركبة:
لو ولدتَ من امرأة أسترالية وأبٍ أرمني
ومسقط رأسك كان فرنسا
فماذا تكون هويتك اليوم؟
طبعاً ثلاثية
كما أن افتتانه بالرواية ورغبته المتعذرة في كتابتها قد تمثلا بشكل واضح في أعماله النثرية المتميزة التي تضاهي شعره في توهجها وثرائها ونقائها البلوري، كما في شغفه بالسرد الشعري حيث نعثر في الكثير من قصائده على نتف متناثرة من سيرته الشخصية ووقائع حياته، وهو ما نجده على الأخص في دواوينه «لماذا تركت الحصان وحيداً» و«كزهر اللوز أو أبعد» و«الجدارية»، وصولاً إلى عمله الأخير «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»:
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة
أو أكونْ
مثل أختي التي صرخت
ثم ماتت ولم تنتبه
إلى أنها وُلدت ساعة واحدة
ولم تعرف الوالدة
أو كبيض حمامٍ تكسّر
قبل انبلاج فراخ الحمام من الكلس
ولأن درويش كان شاعراً قلقاً بامتياز فهو لم يكن يأنس إلى أسلوب بعينه أو إيقاع محدد أو بنية بذاتها. فالشعر عنده ليس رديفاً للنمط المتماثل والتسليم اليقيني، بل رديف الشكوك والتجدد والانقلاب على الذات. ولأنه لم يكن وفياً لغير الحرية فقد كان يكتب المطولة جنباً إلى جنب مع الشذرة الخاطفة، وينتقل من قصيدة الكشوف العميقة ذات البعد الصوفي باتجاه البوح الغنائي البسيط، ويلح على التقفية المتماثلة حيناً ويتخلى عنها بالكامل حيناً آخر. وهو في ذروة مغامرته الأسلوبية والإيقاعية لم يتردد في العودة بين حين وآخر نحو النظام الإيقاعي الخليلي.
أما صوره المشهدية المنتزعة من كافة عناصر الطبيعة وتشكلاتها فكانت تتناغم مع الجرس الأشد عذوبة لمفرداته وتعابيره لتجعلا من نصوصه لوحات سمعية - بصرية أخاذة. واللافت في هذا السياق اقتصار شعره على بحور قليلة كالكامل والمتقارب والوافر والرمل، فيما بدا تجنبه لـ«الخبب» تعبيراً عن ضيقه بالخفة الراقصة لهذا البحر، كذلك الأمر بالنسبة لـ«الرجز» الذي لا تتلاءم إيقاعاته «الملجومة» نسبياً مع استمراء الشاعر للتحليق في فضاءات إيقاعية مفتوحة. ومع أن درويش قد أبدى نفوراً واضحاً من محاولات تعليبه وإلحاقه التعسفي باللافتات الكيانية والشعارات السياسية الفجة، فإن إخلاده إلى الأعماق الأخيرة لمكابدات نفسه قد وفر لشعره سبل التعبير عن مكابدات البشر جميعاً على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم وهوياتهم الشخصية.
ولعل ما يجمعه بالمتنبي، إضافة إلى قوة موهبته ورهافة إحساسه وفرادة لغته وصوره، هو قدرته على اختزال المواقف والهواجس الإنسانية المشتركة بعبارات مكثفة تقترب من الحكم والأمثال السائرة ويرددها الناس أينما وجدوا، من مثل قوله «وطني ليس حقيبة / وأنا لست مسافر»، أو «إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر»، أو «ومن لا برّ له \ لا بحر له»، أو «يدعو لأندلس إن حوصرتْ حلبُ». أما قولته الشهيرة «هزمتك يا موت الفنون جميعها» فبدت أقرب إلى الحدس الشخصي بما ستؤول إليه قصائده ونصوصه الفريدة، التي ستظل لسنوات كثيرة قادمة ترفد بماء الاستعارات صحارى العرب القاحلة وزمنهم المقفر.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».