«المد الإيراني» يثير استنفاراً في موريتانيا

سفارة طهران تمول جمعيات «مشبوهة» وتوفر منحاً للدراسة في «الحوزات»

الشرطة الموريتانية تغلق مداخل السفارة الفرنسية في نواكشوط عقب هجوم إرهابي في 2009 (أ.ف.ب)
الشرطة الموريتانية تغلق مداخل السفارة الفرنسية في نواكشوط عقب هجوم إرهابي في 2009 (أ.ف.ب)
TT

«المد الإيراني» يثير استنفاراً في موريتانيا

الشرطة الموريتانية تغلق مداخل السفارة الفرنسية في نواكشوط عقب هجوم إرهابي في 2009 (أ.ف.ب)
الشرطة الموريتانية تغلق مداخل السفارة الفرنسية في نواكشوط عقب هجوم إرهابي في 2009 (أ.ف.ب)

عادت الأجواء إلى طبيعتها في حي «دار النعيم» بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، منذ أن وضعت وزارة الشؤون الإسلامية يدها على المسجد الذي ظل لسنوات محل توجس من طرف السكان، وكانت خطب إمامه تثير الكثير من اللغط والتخاصم كل أسبوع، لقد كان القائمون على المسجد يعتبرونه أول وأكبر حسينية في موريتانيا، وتشرف السفارة الإيرانية في نواكشوط على تمويله عبر جمعية مشبوهة.
كانت تلك هي بداية استراتيجية حكومية في موريتانيا، الهدف منها الحد من المد الإيراني الذي أصبح يشكل خطراً حقيقياً على تماسك المجتمع الموريتاني، على حد تعبير مصدر رسمي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن زمن التغاضي عن أنشطة الإيرانيين في موريتانيا «قد ولى إلى غير رجعة».
وأضاف المصدر ذاته، الذي فضل حجب هويته، أن موريتانيا «لن تقبل بأي نشاط من شأنه أن يهدد أمنها الداخلي، كما لن تقبل بأي خطط لتغيير مذهبها المالكي المتسامح والوسطي، ولن تسمح بالتأثير على طبيعة مجتمعها المسالم». وأوضح المصدر، أن «الحكومة والجهات الأمنية مطلعة على التفاصيل كافة بخصوص النشاط الإيراني في البلاد، وسوف يتم تجفيف منابع هذه الأنشطة».
وبدأت الاستراتيجية الموريتانية بمصادرة «مجمع الإمام علي ابن أبي طالب» في العاصمة نواكشوط؛ وذلك بسبب ارتباطه المشبوه بالسفارة الإيرانية، كما سبق وأن وجهت السلطات الموريتانية تحذيرات كثيرة إلى القائمين على المجمع الذي يضم مسجداً وبعض المنشآت الدينية، في ظل أنباء عن تحويله من طرف بعض الشخصيات المشبوهة إلى «حسينية»، هي أول حسينية في موريتانيا، مع رواج أنباء تتحدث عن تأسيس «حسينيات» أخرى في مناطق من العاصمة نواكشوط تعمل «بشكل سري»، وتسير من طرف أشخاص مرتبطين بالسفارة الإيرانية.
عزلت وزارة الشؤون الإسلامية، الوصية على المساجد والمنشآت الدينية في موريتانيا، إمام «مجمع علي بن أبي طالب»، ومنعته من مزاولة أي نشاط ديني في البلاد، كما وضعته تحت المراقبة الأمنية لفترة غير محددة، في المقابل قامت بتعيين إمام جديد للمجمع، كما فتشت بعثة من الوزارة المجمع وتجولت في مختلف أجنحته، وجمعت المقتنيات والوثائق كافة العائدة إلى «جمعية آل البيت» التي يتبع لها المجمع، وهي جمعية مرتبطة بالسفارة الإيرانية في نواكشوط، ولديها علاقات مشبوهة مع «حزب الله» اللبناني، يقودها شخص يدعى «بكار ولد بكار» سبق أن سافر مرات عدة إلى إيران والتقى مسؤولين وقيادات في طهران.
وحول مدى جدية الخطر الذي تمثله أنشطة الإيرانيين في موريتانيا، قال الأستاذ الجامعي والدكتور عبد السلام ولد حرمه، في حديث مع «الشرق الأوسط» شارحاً «نحن نجزم ونؤكد بما لدينا من قرائن وأدلة، وما لدينا من حقائق في التاريخ وتجاربه، أن إيران لديها مشروع يشكل خطراً حقيقياً على موريتانيا، وعلى شبه المنطقة في غرب أفريقيا». وأضاف ولد حرمه، الذي يرأس حزباً سياسياً معارضاً، أن «المشروع الإيراني في موريتانيا يجسد أطماعها التي تتمثل في شهوة السيطرة والتحكم، ووضع اليد على بنية المجتمعات الإسلامية، مستغلة في ذلك طبيعة المذهب الزيدي الذي تعتبر نفسها ممثلة له في العالم الإسلامي، لكن إيران لا تمثل أي مذهب ديني، وإنما تدعو إلى مذهب خاص يخدم سياساتها وأطماعها التوسعية».
ويؤكد ولد حرمه، أن المشروع الإيراني يستهدف موريتانيا لسببين رئيسيين يتعلقان بموقعها الاستراتيجي وثرواتها، واستطرد «لقد سبق وأن حذرت، ومعي عدد من الباحثين الموريتانيين، من أن المشروع الإيراني في موريتانيا أصبح خطيراً، ويشكل تهديداً حقيقياً لأمن البلاد»، وأشار إلى أن البحوث التي أجروها تؤكد أن «المشروع الإيراني يقوم على سببين أساسيين: أولهما أن موريتانيا تملك موقعاً استراتيجياً مهماً بين غرب القارة الأفريقية وشمالها، أما السبب الآخر فهو أن موريتانيا لديها مخزون كبير من الثروات ينتظر أن يبدأ استغلاله من طرف القوى العالمية في السنوات القليلة المقبلة، وإيران لديها أطماع في هذه الثروات».
لقد ارتبطت إيران في أذهان الكثير من الموريتانيين «بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وكونها قوة ممانعة وصمود». وهي صورة صنعتها وروجت لها قناة «الجزيرة» خلال السنوات الماضية، عندما كانت تظهر زعيم «حزب الله» اللبناني بطلاً يقف في وجه العدوان الإسرائيلي على فلسطين، كما ساعد تيار الإخوان المسلمين في موريتانيا في تضخيم هذه الصورة والترويج لها بقوة. وتعليقاً على هذه الصورة، يقول الدكتور ولد حرمه «إيران في الخريطة الجيوسياسية العالمية تستخدم رهان أنها تمثل جزءاً من العالم الإسلامي، وأن هذا الجزء هو المضطهد، كما ترفع شعار مقاومة إسرائيل، في حين أن كل ما تقوم به هو لصالح إسرائيل، وتتقاسم معها النفوذ والاحتلال والسيطرة في الكثير من المناطق».
وحول تغلغل الأذرع الإيرانية في المجتمع الموريتاني، قال ولد حرمه، إن «إيران تستخدم أساليب كثيرة لزيادة نفوذها داخل المجتمع الموريتاني، الأسلوب الأول هو استغلال مظلومية خطيرة تتعلق بحب آل البيت والتشيع لهم، وهذا المطلب يجد تربة سهلة الارتواء لدى المجتمع الموريتاني الذي جُبل بفطرته وطبعه وتكوينه على حب آل البيت»، لكن ولد حرمه يضيف، أن «هذه المظلومية أضافت عليها إيران شعاراً آخر، هو أنها دولة مقاومة، أي أنها تقاوم إسرائيل وتريد تحرير فلسطين وتقف في وجه الغطرسة الأميركية، وهذه الكذبة والفرية انطلت للأسف الشديد على كثير من خيري هذه الأمة».
ويوضح ولد حرمه، أنه «حتى بعد أن ظهرت إيران على حقيقتها وكشّرت عن أنيابها، ومارست القتل والتدمير والخراب والدمار والاحتلال في أجزاء واسعة من الوطن العربي، بل وتحالفت مع الغرب في أجزاء منه، وتحالفت مع إسرائيل لتدمير أجزاء أخرى، وتحالفت مع القوى الظلامية التي تمتهن القتل والتكفير، بقي أناس في موريتانيا يعتبرون أنها قوة مقاومة؛ وللأسف هذان الشعاران: محبة آل البيت والمقاومة، يجدان صدى قوياً في أذهان العامة من الموريتانيين».
اليوم، يدعو ولد حرمه السلطات الموريتانية إلى عدم الاكتفاء بإجراءات آنية للوقوف في وجه الخطر الإيراني، ويؤكد أن الاستراتيجية الموريتانية يجب أن تكون متعددة الأبعاد، ويقول في هذا السياق «لا بد من أن يكون وقوفنا في وجه الخطر الإيراني وقوفاً جاداً وحقيقياً، وهو في حقيقته وقوف متعدد الأبعاد، منه ما هو ثقافي وفكري وتعليمي وتربوي؛ وذلك من أجل تحصين الأنفس وتعزيز الدفاعات الروحية والنفسية والمعنوية». وهو يرى أنه من الضروري أن «نزرع في شبابنا أن إيران لا تمثل محبة ولا نصرة آل البيت، كما أنها لا تمثل قيادة مقاومة ولا قيادة صمود». هي تمثل مذهباً محرفاً هو المذهب الشيعي الذي تم تحريفه ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي في عهد الدولة الصفوية، وتستغله هي الآن لزيادة نفوذها وسيطرتها وتحكمها ومطامعها غير المشروعة في محيطها وجوارها العربي».
ويستغرب ولد حرمه من استخفاف عدد من الموريتانيين بخطورة المد الإيراني، فيقول «كيف يقللون من أهميته وهو الآن يشتغل في شبابنا وفي بعض مساجدنا، حتى أنه يشتغل داخل بعض جامعاتنا وبعض ما نسميه منابرنا السياسية، لقد أصبح خطراً وشيكاً، ونحن في أمسّ الحاجة إلى الانتباه له والتعامل معه بجدية؛ لأن بلدنا يُعدّ بوابة الساحل الأفريقي».
في ظل المخاوف التي تراود الطبقة السياسية والمثقفين في موريتانيا من تزايد الخطر الإيراني المحدق بالبلاد، تتجه الأنظار لما تشهده منطقة الساحل الأفريقي من نشاط للجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وهي منطقة لا تبعد سوى مئات الكيلومترات عن المدن الموريتانية.
في هذا الإطار، يعتقد الكثير من المراقبين أن الخبراء الإيرانيين عندما استهدفوا دولاً مثل موريتانيا والمغرب والجزائر، كانوا يسعون من وراء ذلك إلى دخول منطقة الساحل الأفريقي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى بيئة خصبة لنشاط جماعات الإرهاب والتهريب، وهي بيئة جاذبة للأنشطة الإيرانية، وبخاصة في ظل ثرواتها الكبيرة من اليورانيوم، والنفط، والغاز، والذهب.
ووفق ولد حرمه، فإن «القوة الناعمة لموريتانيا، وبلدان المغرب العربي، يقع مجال تأثيرها القوي في منطقة الساحل الأفريقي، ومن الطبيعي أن يصل من أثر في موريتانيا إلى هذا الساحل ويتمدد عبره، كما أنه من الطبيعي أن تكون موريتانيا هي الحصن الأول أو جدار الدفاع لمن يريد اقتحام هذا المجال».
غير أنه يعتقد، أنه «ما دام الساحل الأفريقي يعيش في فوضى عارمة، حيث لا توجد قوة تسيطر عليه وتتحكم فيه، فإنه لا شك يعد مجالاً مشاعاً لمن يبحث عن النفوذ والقوة، وهنا تتحالف إيران رغم تناقضها العقدي مع الحركات الإرهابية، كل منهما يجد سنده في الآخر، إيران تمول هذه الحركات لتشكل لها يداً وذراعاً تحركهما في المنطقة، بينما تجد هذه الحركات لدى إيران ما تحتاج إليه من مساندة ودعم وتمويل ورعاية ودعم وإسناد». لكن مخططات إيران لامتلاك موطئ قدم في منطقة الساحل الأفريقي، لم يقتصر على البوابة المغاربية، وإنما نجد آثاراً لهذه الخطط في منطقة بحيرة تشاد، وتحديداً في شمال شرقي نيجيريا، حيث يعد أتباع المذهب الشيعي بالملايين، وتحاول بعض الجمعيات المرتبطة بطهران إحداث «ثورة إسلامية» وإقامة نظام ملالي في المنطقة. وشكلت هذه الجمعيات التي ترعاها إيران وتمولها سفاراتها في شبه المنطقة، حاضنة الكثير من الشخصيات التي برزت فيما بعد ضمن قيادة جماعة «بوكو حرام»، التنظيم الأكثر دموية في تاريخ القارة السمراء، والذي ارتبط في نشاطه الإرهابي بعلاقات وطيدة مع تنظيم القاعدة ثم «داعش».
ويعتقد ولد حرمه أن خطر الدور الإيراني المشبوه في أفريقيا «انتبهت إليه دول المغرب العربي وتعاملت معه بصرامة، مثل المملكة المغربية التي قطعت علاقاتها بطهران وأغلقت مراكزها الثقافية، كما تعاملت معه أيضاً الجزائر بصرامة قبل عامين، وهذا ما يؤكد أنه خطر ماثل ومحدق».
منذ سنوات غيّرت إيران استراتيجيتها في موريتانيا، فبدل استهداف المساجد والزعامات الدينية، توجهت السفارة الإيرانية في نواكشوط نحو قطاع التعليم، وأصبحت توزع منحاً دراسية مجانية على الطلاب الموريتانيين، وذلك عبر وسطاء يبحثون في أوساط الشباب عن المهتمين بإجراء دراسات عليا في مجال الشريعة الإسلامية والبحوث الإسلامية، واستفاد من هذه المنح عشرات الطلاب الموريتانيين، والبعض يتحدث عن المئات. ولكن السلطات الموريتانية في إطار استراتيجيتها الجديدة منعت هذه المنح الدراسية، وأصدرت قراراً رسمياً بتوقيفها بشكل رسمي؛ لأنها تشكل خطراً على وحدة المجتمع وتماسكه، ووجهت السلطات الموريتانية رسالة إلى السفير الإيراني بنواكشوط أبلغته فيها بمنع هذه المنح الدراسية، وطلبت منه التوقف عن جميع أنشطته في مجال التعليم؛ لأنها تشكل تهديداً لأمن البلاد.
وقال مصدر من وزارة التعليم الموريتانية لـ«الشرق الأوسط»، إن الكثير من الشباب الحائزين شهادة البكالوريا كانوا يتدافعون للحصول على المنح الدراسية الإيرانية؛ بسبب الإغراءات التي تقدم لأقرانهم، لكنهم عندما يصلون إلى إيران يجدون أمامهم مناهج دراسية مختلفة تماماً عن تلك التي سافروا من أجل دراستها.
في هذا السياق، يقول عبد السلام ولد حرمه «لدينا وثائق ومعلومات دقيقة تشير إلى أن هنالك عشرات، إن لم نقل المئات من الطلاب الذين يذهبون إلى ما يسمى بالحوزة العلمية في قم وطهران لتلقي الدراسات، وهذا تصدير للمذهب الغريب على هذا البلاد، والغرض الأساسي هو خدمة نفوذ دولة معينة وأطماعها». ويضيف «أرى أننا يجب أن نكون حازمين وصارمين في مواجهة هذا الخطر؛ إذ إنه لا فرق بين الخطر الذي تشكله القاعدة وذلك الذي تشكله إيران وسياساتها التوسعية؛ فكل من هذه الأخطار مدمر ويزعزع الأمن ويقوم بتفتيت المجتمع».
ويخلص ولد حرمه إلى القول، إن «الكثير من المثقفين والسياسيين ورجال الدين أطلقوا تحذيرات من خطورة المشروع الإيراني في موريتانيا، فهذا المشروع لم يعد وهماً لقد أصبح حقيقة ماثلة للعيان، ومن غير المقبول أن نسمح لسفارة دولة ما أن ترعى نشر ثقافة ومذهب نتيجته النهائية هي الاقتتال والتشرذم والتفتيت، ولا يجوز أيضاً أن نتساهل مع جهة تكتتب شبابنا، وتلعب بحقلنا الديني والثقافي وأمننا الروحي وتوظفه ضمن سياقات معروفة».



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».