الأمير سلطان بن سلمان يطرح حكايات جديدة حول التراث العمراني في بلاده

«روح المكان» و«شخصية الإنسان» تشكلان هوية جديدة للثقافة السعودية

الأمير سلطان بن سلمان في أحد البيوت التقليدية بالمجمعة
الأمير سلطان بن سلمان في أحد البيوت التقليدية بالمجمعة
TT

الأمير سلطان بن سلمان يطرح حكايات جديدة حول التراث العمراني في بلاده

الأمير سلطان بن سلمان في أحد البيوت التقليدية بالمجمعة
الأمير سلطان بن سلمان في أحد البيوت التقليدية بالمجمعة

يطرح الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز حكايات جديدة حول التراث العمراني في الجزيرة العربية التي كانت وما زالت مركزا مهما تقاطعت فيه الحضارات القديمة والمعاصرة، وعد التراث العمراني امتدادا لتلك الحضارات التي اندمجت بالحضارة الإسلامية وشكلت ثقافة محلية لها خصوصيتها وتأثيرها.
وعرض الأمير سلطان في الطبعة الثالثة من كتاب «سيرة في التراث العمراني» بمشاركة الدكتور مشاري بن عبد الله النعيم «حكايات جديدة» حول التراث العمراني في السعودية تبناها الأمير في مراحل مختلفة تعنى بالبعد الحضاري لبلاده لحث المجتمع ومؤسساته على الاهتمام بالتراث العمراني.
وشدد الأمير سلطان بن سلمان الذي يشغل منصب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار على أن هذه المبادرات تحولت إلى عامل تغيير مع الوقت، مع أنها واجهة مقاومة شديدة في البداية، وقد تحولت إلى برامج عمل متكاملة تنمو وتتطور كل عام، خصوصا بعد تأسيس الهيئة العامة للسياحة والآثار في مطلع القرن الجديد. وزاد بالقول: «كانت تجربة تمثل حياة، وكنت أتطلع إلى أن يشاركني في هذه التجربة كل المهتمين بمسألة الثقافة وقضايا التراث العمراني والمجتمع والأهم قضايا الوطن والتنمية».
وأوضح أن التجربة عبارة عن قصة معرفية وليست سردا للأحداث، لذلك لم تعتمد السيرة على التسلسل التاريخي بقدر ما اعتمدت على تطور التجربة ذاتها وتوسعها. الهدف كان هو الرصد وتتبع تطور الأفكار ولم يكن الهدف حشد المبادرات.
وجاءت منهجية الكتاب لتصر على الرواية المباشرة ومناقشة الأفكار بهدوء ومحاولة ربطها بعضها ببعض على شكل حكاية متسلسلة يستمع لها الشخص المقابل، وبذلك يمكن النظر إلى الكتاب على أنه يروي قصة لكل من يقوم بقراءته وكأنه يخاطبه مباشرة.
وأكد الأمير سلطان بن سلمان أنه مؤمن بأنه لا يمكن أن يتطور التراث العمراني دون تطور الحرف اليدوية، ملمحا إلى وجود محاولات مستمرة لتحويل مواقع التراث العمراني إلى فرص استثمارية، إضافة إلى تطوير مفهوم الاستثمار الثقافي كنوع من الاستثمار الطويل الأمد الذي يسهم في بناء هوية الوطن، ويعمق من قيمة المواطنة ويحقق عوائد استثمارية دائمة.
وجاءت فصول الكتاب لتغطي موضوعات تتعلق بتطور التنظيمات والتشريعات للمحافظة على التراث العمراني وإيراد نماذج من المحاولات المتعددة من أجل تحويل الأفكار إلى تجارب واقعية مع الدخول بالتفاصيل لأن العمارة تعني على كل الأحوال التفاصيل التي نعيشها، وأفرد الكتاب فصلا كاملا للحرف اليدوية، كما اهتم الكتاب بموضوع المحاولات المستمرة التي قام بها الأمير على المستوى الشخصي والمؤسسي من أجل المحافظة على هوية المدينة السعودية، مبرزا العلاقة الوثيقة بين شخصية المدينة وتراثها وتاريخها، مع التأكيد أنه مهما انطلق العمران إلى المستقبل فلا بد أن يرتبط بمرجعيات وجذور تكون بمنزلة البوصلة التي ترشده، كما تحدث الكتاب عن تأسيس مركز التراث العمراني، وهي المؤسسة التي تتجمع فيها كل المسارات التي عمل عليها الأمير خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، وهذا المركز يشكل مرحلة النضج المؤسسي في مجال التراث العمراني في السعودية.



ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».