«آستانة 10» تنطلق في سوتشي وسط تباين في الأولويات

موسكو تركز علىملفي اللاجئين والإعمار... والأمم المتحدة متمسكة بالإصلاح الدستوري

مروحيات وسفينة حربية لدى إحياء يوم البحرية الروسية قبالة الساحل السوري (أ.ف.ب)
مروحيات وسفينة حربية لدى إحياء يوم البحرية الروسية قبالة الساحل السوري (أ.ف.ب)
TT

«آستانة 10» تنطلق في سوتشي وسط تباين في الأولويات

مروحيات وسفينة حربية لدى إحياء يوم البحرية الروسية قبالة الساحل السوري (أ.ف.ب)
مروحيات وسفينة حربية لدى إحياء يوم البحرية الروسية قبالة الساحل السوري (أ.ف.ب)

انطلقت في منتجع سوتشي الروسي، أمس، أعمال جولة المفاوضات العاشرة في إطار «مسار آستانة» وسط بروز تباين في الأولويات بين روسيا من جانب التي تسعى إلى تعزيز تحركاتها على صعيد ملف إعادة اللاجئين وربطه بمسألتي رفع العقوبات المفروضة على سوريا وإعادة الإعمار، والأمم المتحدة من جانب آخر التي تؤكد على أهمية استكمال العمل لدفع ملف «الإصلاح الدستوري». وأشارت معطيات وسائل إعلام روسية إلى «تباعد بدأ يلوح في مواقف الأطراف الضامنة لعملية آستانة حول الخطوات اللاحقة في سوريا».
وتنعقد الجولة العاشرة لمفاوضات آستانة للمرة الأولى خارج العاصمة الكازاخية، ولفتت أوساط متطابقة روسية وسورية إلى أن اختيار سوتشي يمهد لنقل كل المحادثات المتعلقة بالملف السوري إلى هذا المنتجع الروسي الذي شهد تنظيم مؤتمر سوري في بداية العام واستضاف عددا من القمم والاجتماعات التي ناقشت الملف السوري.
وأكد منظمون حضور ممثلين عن كل الوفود المدعوة باستثناء الولايات المتحدة التي أعلنت مقاطعتها اللقاء وبررت موقفها بأنها «ترغب في دعم عملية سياسية تديرها الأمم المتحدة» في تطور لفت الأنظار لأنه جاء بعد أجواء الزخم التي وفرتها قمة هلسنكي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.
في حين حافظ تمثيل البلدان الراعية لعملية آستانة (روسيا وتركيا وإيران) على مستواه السابق بحضور نواب وزراء الخارجية، ويمثل روسيا نائب الوزير سيرغي فيرشينين الذي كان لسنوات طويلة سابقا مديرا لدائرة الشرق الأوسط في الخارجية. وقاد مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف وفد بلاده تأكيدا على حرص موسكو على إنجاح هذه الجولة التي توليها روسيا أهمية خاصة.
ومع غياب واشنطن، اقتصر الحضور الدولي على ممثل خاص من الأردن، الذي شارك في عدد من الجولات السابقة ويحظى حضوره هذه الجولة بأهمية خاصة لأن ملف الجنوب السوري سيكون حاضرا بقوة. بالإضافة إلى ذلك، يشارك المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بصفة مراقب، وأرسلت الأمم المتحدة ممثلا خاصا لشؤون اللاجئين إلى هذه الجولة لأنها ستناقش ملف إعادة اللاجئين. ومع محافظة تمثيل وفد النظام على المستوى السابق لوحظ تقليص حضور وفد المعارضة الذي يرأسه أحمد طعمة. وأبلغ طعمة الصحافيين أمس أن وفده سوف يركز على مناقشة الوضع في محافظة إدلب ومسألة إطلاق سراح المعتقلين وإنشاء اللجنة الدستورية.
وبدأت الجولة أمس بلقاءات ثنائية وحوارات على مستوى الخبراء. على أن تنعقد الجلسة العامة الأولى صباح اليوم الثلاثاء.
وتولي الأطراف المجتمعة الجولة الحالية أهمية كبرى لأنها تنعقد بعد تطورات ميدانية قلبت موازين القوى على الأرض، وتطورات سياسية واسعة برزت في التقارب الروسي - الفرنسي والتفاهمات التي عقدها بوتين وترمب في هلسنكي وأسفرت عن إطلاق يد موسكو في الجنوب ودفع تحرك روسيا على صعيد ملف اللاجئين.
وبعد حسم الوضع في الغوطة وفي الجنوب السوري واتجاه الأنظار أخيرا إلى عملية عسكرية مرتقبة في إدلب، تكون مناطق خفض التصعيد التي أطلقها «مسار آستانة» شهدت تغييرات عميقة، مما يشير إلى أن ملف إعادة رسم ملامح مناطق خفض التصعيد وفقا للتطورات الميدانية سيكون مطروحا على مستوى البلدان الراعية، في توجه لرسم خرائط جديدة لمناطق النفوذ. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مهد لهذا التطور بعد حسم الوضع في الغوطة عندما قال إن «التغيرات الميدانية وبسط الحكومة السورية سيطرتها بعد طرد الإرهابيين ينهي عمليا الحاجة لوجود منطقة خفض تصعيد في المنطقة لأنه لم يعد هناك تصعيد».
وينتظر أن تشغل التطورات حول إدلب حيزا أساسيا من النقاشات على خلفية تباين المواقف بين موسكو وطهران من جانب وأنقرة من جانب آخر، خصوصا على خلفية عدم ترحيب موسكو بمبادرة «الورقة البيضاء» التي تنص على تسليم السلاح الثقيل والمتوسط وخروج «جبهة النصرة» في مقابل محافظة القوى السياسية المعارضة على وجودها ضمن المجالس المحلية وعدم تقدم النظام. لكن الملف الرئيسي بالنسبة إلى موسكو هو ملف عودة اللاجئين، في إطار التوجه الروسي لتثبيت النقاش حول «الملف الإنساني» في ظل غياب التسوية السياسية، مع ما يستلزمه ذلك من دعوة إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا والمساهمة في إطلاق مشروع دولي لإعادة الإعمار، لأن هذين الشرطين يوفران مجالات لإعادة اللاجئين وتسوية المشكلات المتعلقة بهذا الملف في دول الجوار.
وتمنح موسكو أولوية لهذا المشروع خصوصا على خلفية تفاهماتها مع واشنطن وباريس، بينما تصطدم هذه الرؤية بتوجه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الذي يستعد لطرح ملف الإصلاح الدستوري بصفته عنصر الدفع اللازم لتوفير ظروف مناسبة لإطلاق المسار السياسي. وأكد دي ميستورا أمس أنه سيناقش إنشاء اللجنة الدستورية السورية، وقال للصحافيين ردا على سؤال حول الأولويات: «من الطبيعي أن ملف الإصلاح الدستوري سوف يطرح. إنه أمر مهم للغاية».
في الوقت ذاته، ظهر أمس أن ملفات أساسية كانت مطروحة في أوقات سابقة ستغيب عن النقاش أو لن تحظى بأهمية كبيرة، مثل مطالب المعارضة حول ملف المعتقلين، ورفع الحصار عن المدن، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، واحترام تثبيت وقف النار في بعض المناطق، وغيرها من المطالب التي تجاوزت الأوضاع الميدانية بعضها، بينما تقدمت عليها بفعل التحركات الروسية ملفات مثل اللاجئين.
وكان لافتا بالتزامن مع انطلاق جولة المفاوضات أن وسائل إعلام روسية شككت في قدرة «ثلاثي آستانة» على التماسك بسبب «تباعد مصالح الأطراف الثلاثة» ومواقفها حيال الخطوات اللاحقة المطلوبة في سوريا.
ونقلت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» عن مصادر دبلوماسية أن مصير إدلب، يشكل عنصر خلاف أساسيا، وقال الخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية، كيريل سيمينوف، إن طرح قضية «الضغط لتسوية الوضع في إدلب يجرد (مسار آستانة) من مضمونه، لأن تركيا تريد حل هذه القضية ضمن إطار (ثلاثية آستانة)، وليس ضمن محور (طهران - دمشق – موسكو)».
بينما نقلت الصحيفة عن الممثل الخاص السابق لوزارة الخارجية الأميركية للتحول السياسي في سوريا، فريدريك هوف، أن إصرار موسكو على طرح ملف اللاجئين من زاوية إعادة الإعمار ورفع العقوبات، لن يحظى بقبول لدى المجتمع الدولي، وزاد أن «الكرملين الآن يريد مساعدة دمشق في إعادة إعمار سوريا، وبالتالي يثير مسألة اللاجئين في الغرب. وتدرك روسيا أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ضخمة. وقدرتها على تلبية هذه الاحتياجات محدودة للغاية. ومعضلة الكرملين تتمثل في كيفية إقناع البلدان بأموال حقيقية للاستثمار في مكان تحكم فيه أسرة وحاشيتها، مشهورتان بفسادهما وعدم كفاءتهما». ومع هذين الملفين، تساءلت وسائل إعلام روسية عن آليات التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف الثلاثة حول الجنوب السوري في ظل وعود موسكو بإبعاد إيران إلى مسافة تزيد على مائة كيلومترا عن الحدود مع إسرائيل.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».