محمد السادس يضع القضايا الاجتماعية على رأس أولويات العمل الحكومي في المغرب

قال إن المغاربة {لن يسمحوا لدعاة العدمية باستغلال بعض الاختلالات للتطاول على أمن البلاد}

العاهل المغربي رفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن وشقيقه الأمير مولاي رشيد لدى إلقائه خطاب عيد الجلوس في الحسيمة (ماب)
العاهل المغربي رفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن وشقيقه الأمير مولاي رشيد لدى إلقائه خطاب عيد الجلوس في الحسيمة (ماب)
TT

محمد السادس يضع القضايا الاجتماعية على رأس أولويات العمل الحكومي في المغرب

العاهل المغربي رفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن وشقيقه الأمير مولاي رشيد لدى إلقائه خطاب عيد الجلوس في الحسيمة (ماب)
العاهل المغربي رفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن وشقيقه الأمير مولاي رشيد لدى إلقائه خطاب عيد الجلوس في الحسيمة (ماب)

قرر العاهل المغربي الملك محمد السادس وضع القضايا الاجتماعية على رأس أولويات العمل الحكومي بالمغرب، مشدداً في خطاب وجهه الليلة قبل الماضية إلى الشعب المغربي بمناسبة عيد الجلوس الـ19، على ضرورة إعادة هيكلة شاملة للسياسات والبرامج الاجتماعية بالمغرب.
وقام العاهل المغربي في خطابه بتشريح نقدي دقيق لأعطاب السياسات والبرامج الاجتماعية المتّبَعة في المغرب، وأداء الحكومة والأحزاب السياسية في هذا المجال. وأطلق الملك محمد السادس ورشات من شأنها أن تُحدث ثورة في مجال الاستثمار والشغل، عِمادها خريطة طريق تتكون من أربعة محاور. ودعا الحكومة والمؤسسات المعنية إلى الانكباب على معالجتها بجد والتزام، متعهداً بأن يتتبع تنفيذها شخصياً.
ومباشرةً بعد توجيه الخطاب، عقد العاهل المغربي اجتماعاً حضره رئيس الحكومة والوزراء المعنيون، لبحث تطبيق الإجراءات التي تضمنها الخطاب الملكي. ويعد هذا الخطاب الثالث من نوعه ضمن سلسلة الخطابات التي وصفها المتتبعون بأنها «تضع الإصبع على الجروح العميقة» التي يعاني منها المغرب، وتقترح العلاجات الناجعة لها، وذلك بعد الخطابين السابقين لعيد الجلوس، اللذين تناول فيهما العاهل المغربي بالتمحيص والتدقيق أداء الإدارة والعمل الإداري وأداء الأحزاب السياسية المغربية.
في غضون ذلك، قال العاهل المغربي: «لا داعي للتذكير هنا بأننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما نعتبر أن النقد الذاتي فضيلة وظاهرة صحية، كلما اقترن القول بالفعل وبالإصلاح». واختار العاهل المغربي إلقاء خطابه بمناسبة عيد الجلوس الـ19 من مدينة الحسيمة، التي عرفت سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات استمرت عدة أشهر خلال سنة 2017، والتي رفعت مطالب اجتماعية واقتصادية، واشتهرت في الإعلام المغربي والدولي باسم «حراك الريف».
ووجه الملك محمد السادس في خطابه رسالة قوية إلى الأحزاب المغربية، وقال إن «المنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم، كأنها غير معنية بما يحدث».
وخاطب الملك محمد السادس المغاربة بالقول إن «الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وبخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحياناً. بل تزيدهم إيماناً على إيمانهم، وتقوّي عزمهم على مواجهة الصعاب، ورفع التحديات».
وتابع ملك المغرب قائلاً: «إني واثق أنهم لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته»، مشيراً إلى «أنهم يدركون أن الخاسر الأكبر، من إشاعة الفوضى والفتنة، هو الوطن والمواطن، على حد سواء».
وقال العاهل المغربي: «لقد منّ الله تعالى على المغرب، عبر تاريخه العريق، بنعمة الوحدة والتلاحم، في كل الظروف والأحوال. وما الاحتفال بعيد العرش، الذي نخلّد اليوم ذكراه التاسعة عشرة، إلا تجسيد للبيعة التي تربطني بكم، والعهد المتبادل بيننا، على الوفاء الدائم لثوابت المغرب ومقدساته، والتضحية في سبيل وحدته واستقراره. فكان هذا العهد بين ملوك هذا الوطن وأبنائه، ولا يزال، بمثابة الحصن المنيع، الذي يحمي المغرب من مناورات الأعداء، ومن مختلف التهديدات. كما مكّننا من تجاوز الصعاب، ومن تحقيق العديد من المكاسب والمنجزات، التي نعتز بها، في ظل الوحدة والأمن والاستقرار. فالمغرب هو وطننا، وهو بيتنا المشترك. ويجب علينا جميعاً، أن نحافظ عليه، ونساهم في تنميته وتقدمه».
وجدد العاهل المغربي تأكيد عزمه على المضي قدماً في العمل لتحقيق ما يصبو إليه المغاربة من رفاه وتنمية وعيش كريم. وقال: «سنواصل السير معاً، والعمل سوياً، لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية، وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية، وخلق فرص الشغل، وضمان العيش الكريم». وأشار العاهل المغربي إلى الأهمية التي يوليها للمجال الاجتماعي «كملك وكإنسان». وقال إن «الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان. فمنذ أن توليت العرش، وأنا دائم الإصغاء لنبض المجتمع، وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم العمل والأمل، من أجل تحسين ظروفهم. وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في نفس الوقت، أحس أن شيئاً ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي. وسنواصل العمل، إن شاء الله، في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعاً من تحديد نقاط الضعف ومعالجتها».
وذكر العاهل المغربي أن «حجم النقص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية» كانت من أهم الأسباب التي دفعته للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني. وقال: «فليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام، وتُرصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتةً بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين. وبالإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها. فكيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن يلمسوا أثرها؟».
ونوّه العاهل المغربي بالمبادرة الحكومية الجديدة لإحداث «السجل الاجتماعي الموحد»، معتبراً أنها تُشكّل «بداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجياً وعلى المدى القريب والمتوسط. وهو نظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلاً، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة»، مشيراً إلى أن «الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهمّ فئات واسعة من المغاربة. فهو أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي».
وتابع قائلاً إن «طموحي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية يفوق بكثير وضع آلية أو برنامج مهما بلغت أهميته. لذا، أدعو الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين، للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها. وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية، وبُعد النظر، والنفس الطويل، والسرعة في التنفيذ أيضاً، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة».
وفي انتظار أن يعطي هذا الإصلاح ثماره كاملة، «فإننا»، يضيف ملك المغرب، «نحث على اتخاذ مجموعة من التدابير الاجتماعية المرحلية، في انسجام مع إعادة الهيكلة التي نتوخاها».
ودعا العاهل المغربي الحكومة إلى الانكباب على إعداد هذه الخطة في أقرب الآجال، وإطلاعه على تقدمها بشكل دوري، مؤكداً ضرورة التركيز على المبادرات المستعجلة في أربعة مجالات، أولها «إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداءً من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج (تيسير) للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين». ويتعلق الثاني بـ«إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بتعزيز مكاسبها، وإعادة توجيه برامجها للنهوض برأس المال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرّة للدخل ولفرص الشغل». أما الثالث فيهمّ «تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية (RAMED)، بموازاة إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة، التي تعرف تفاوتات صارخة، وضعفاً في التدبير». بينما يتعلق المجال الرابع بـ«الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، حيث ندعو مختلف الفرقاء الاجتماعيين، إلى استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة، بالقطاعين العام والخاص. وهنا أقول للحكومة بأن الحوار الاجتماعي واجب ولا بد منه، وينبغي اعتماده بشكل غير منقطع، وعليها أن تجتمع بالنقابات، وتتواصل معها بانتظام، بغض النظر عما يمكن أن يفرزه هذا الحوار من نتائج».
وارتباطاً بملف إصلاح السياسة الاجتماعية دعا العاهل المغربي إلى تسريع إصلاح سياسة تشجيع الاستثمار، مؤكداً الارتباط الوثيق بين المجالين. وقال في هذا الصدد: «كنت ولا أزال مقتنعاً بأن أسمى أشكال الحماية الاجتماعية هو الذي يأتي عن طريق خلق فرص الشغل المنتج، والضامن للكرامة. والواقع أنه لا يمكن توفير فرص الشغل، أو إيجاد منظومة اجتماعية عصرية ولائقة إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني».
ولهذه الغاية دعا العاهل المغربي الحكومة للعمل على إنجاح ثلاث ورشات أساسية، قال إن «أولاها: إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري، داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة. وثانيتها، الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الإجماع المعمول به حالياً، وتجميع كل اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية. ثالثاً، اعتماد نصوص قانونية تنصّ من جهة على تحديد أجل أقصاه شهر لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع تأكيد أن عدم جوابها داخل هذا الأجل يعد بمثابة موافقة من قِبلها، ومن جهة ثانية، على ألا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى؛ إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق في ما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة».
وتابع قائلاً: «إننا نتوخى أن تشكل هذه الإجراءات الحاسمة حافزاً قوياً وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطن، والحد من التماطل، الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة، كما يعرف ذلك جميع المغاربة. كما ستشكل دافعاً لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدأ المحاسبة، والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح. ويتعين العمل على جعل هذه الإجراءات أمراً واقعاً، فيما يخص مجال الاستثمار، على أن يتم تعميمها على كل علاقات الإدارة مع المواطن. غير أن النصوص، مهما بلغت جودتها، تبقى رهينة بمدى جدية والتزام كل مسؤول إداري، بحسن تطبيقها. كما نؤكد ضرورة تحيين برامج المواكبة الموجهة إلى المقاولات، بما في ذلك تسهيل ولوجها للتمويل، والرفع من إنتاجيتها، وتكوين وتأهيل مواردها البشرية».
وشدد العاهل المغربي على أن الهدف المنشود يبقى هو الارتقاء بتنافسية المقاولة المغربية، وبقدرتها على التصدير، وخلق فرص الشغل، لا سيما منها المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تستدعي اهتماماً خاصاً؛ لكونها تشكل 95% من النسيج الاقتصادي الوطني، مشيراً إلى أن «المقاولة المنتجة تحتاج اليوم، إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية، إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار».
وأكد العاهل المغربي على أن «استعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة، وتجديد ثقافة الأعمال، واستثمار المؤهلات المتعددة، التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحياناً».
وأضاف العاهل المغربي: «إن حرصنا على النهوض بالأوضاع الاجتماعية، ورفع التحديات الاقتصادية، لا يعادله إلا عملنا على الحفاظ على الموارد الاستراتيجية لبلادنا وتثمينها؛ وفي مقدمتها الماء، اعتباراً لدوره الرئيسي في التنمية والاستقرار». وثمّن الملك محمد السادس في هذا الصدد المخطط الوطني للماء، الذي أشار إلى أنه يصبو إلى معالجة مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال الأعوام الثلاثين المقبلة.
وشدد العاهل المغربي على أن «الحكومة والمؤسسات المختصة مطالبة باتخاذ تدابير استعجالية، وتعبئة كل الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وتوفير مياه سقي المواشي، خصوصاً في فصل الصيف. ولهذه الغاية، ما فتئنا نؤكد ضرورة مواصلة سياسة بناء السدود، التي يعد المغرب رائداً فيها. وقد حرصت على السير على هذا النهج، حيث تم بناء ثلاثين سداً من مختلف الأحجام، خلال الثماني عشرة سنة الماضية».
وقال العاهل المغربي «إن المغرب، بماضيه وحاضره ومستقبله، أمانة في أعناقنا جميعاً. لقد حققنا معاً، العديد من المنجزات في مختلف المجالات. ولن نتمكن من رفع التحديات وتحقيق التطلعات إلا في إطار الوحدة والتضامن والاستقرار، والإيمان بوحدة المصير، في السراء والضراء، والتحلي بروح الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة».
وأضاف: «ما أحوجنا اليوم، في ظل ما تعرفه بلادنا من تطورات، إلى التشبث بقيمنا الدينية والوطنية الراسخة، واستحضار التضحيات التي قدمها أجدادنا من أجل أن يظل المغرب بلداً موحداً، كامل السيادة وموفور الكرامة».
من جهة أخرى، ذكر بيان صادر عن وزارة العدل، أن العاهل المغربي الملك محمد السادس أصدر بمناسبة عيد الجلوس قراراً بالعفو على 1204 أشخاص محكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة.
في سياق ذلك، استفاد 7سجناء من العفو مما تبقى من العقوبة السجنية أو الحبسية، واستفاد 865 سجيناً من تخفيض عقوبة الحبس، واستفاد 27 سجيناً من تحويل السجن المؤبد إلى السجن المحدد. كما استفاد 305 أشخاص يوجدون في حالة سراح من إلغاء أو تخفيف الأحكام بعقوبات الحبس والغرامة الصادرة في حقهم من طرف مختلف المحاكم.



عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.