عقاقير «قاهرة للشيخوخة»

تركيبة دوائية لإطالة العمر وإحباط عوارض أمراض الهرم

عقاقير «قاهرة للشيخوخة»
TT

عقاقير «قاهرة للشيخوخة»

عقاقير «قاهرة للشيخوخة»

قد يكون الهرم أمراً طبيعياً جداً، ولكن عملية انطلاقه في الجسد البشري، تبدو أحياناً كأنّها مرض... ويقول العلماء الآن إنه مرض قابل للعلاج ربّما.
خلايا هرمة
في دراسة جديدة، كشف باحثون أميركيون أنّ التقدّم في السن هو عملية تبدأ مع تزايد قوى خبيثة تعرف بالخلايا الهرمة «senescent cells»، تسيطر تدريجياً على الجسم وتدخله في مسار مخيف. ومع التقدّم في السنّ، تتولّى هذه الخلايا القيادة ويدخل الجسم في نفق من الحالات المرضية من السرطان والسكري إلى التهاب المفاصل ومشكلات الرؤية والخرف.
مع ازدياد أعداد الخلايا الهرمة، تتراجع سرعة المشي، وسرعة المعالجة الإدراكية لدى الإنسان، وتضعف قوة قبضته وتتصاعد مشكلاته الحركية. وأخيراً، وبفعل تراكم هذه المصاعب، يصل الإنسان إلى نهايته.
بالطبع، لا يمكن تفادي مرحلة الشيخوخة، ولكنّ العلماء يعملون على استكشاف مجموعة من الوسائل الجديدة التي من شأنها أن تجعل ملحمة المرض والوهن الذي تسبقها أقصر وأقلّ إنهاكاً... حتى إنّها قد تستطيع أن تؤخّر وصول الإنسان إلى نهاية حياته أيضاً.
وفي الدراسة التي نُشرت في العاشر من شهر يوليو (تموز) في دورية «نيتشر ميديسين»، لم يكتفِ فريق بحثي يقوده الباحث المتخصص في محاربة الشيخوخة جيمس كيركلاند من «مايو كلينيك»، بتقديم نظرة واضحة حول قوة الخلايا الهرمة في قيادة عملية التقدّم في السن فحسب، بل إنه عرض تركيبة دوائية تبطئ عملية الشيخوخة أو حتى تبطلها، لدى الفئران على الأقل.
قهر الشيخوخة
ونجحت هذه التركيبة «القاهرة للشيخوخة»، والتي تتألف من جرعة من عقار «داساتينيب dasatinib» الخاص بعلاج مرضى اللوكيميا وأحد المكملات الغذائية المسمى «كيرسيتين quercetin»، في تقليل عدد الخلايا الهرمة وكبح الالتهابات التي تسببها، وتخفيض مستويات الإعاقات الجسدية التي تنتج عن أمراض التقدّم في السن، لدى الفئران التي قطعت شوطاً طويلاً في مرحلة الشيخوخة.
وعندما حقن الباحثون هذا المزيج في فئران أصغر سناً كانت قد بدأت لديها عملية التقدم في السنّ بعد تزويدها بخلايا هرمة غريبة، نجحت التركيبة في إحباط بداية الأمراض المرتبطة بالتقدّم في السن. وتَبيّن أنّ مرحلة واحدة استمرّت لخمسة أيّام من الحقن بهذه التركيبة دام تأثيرها لأشهر، أي ما يعادل عقوداً لدى البشر.
ومقارنةً بالفئران التي تقدّمت في السن بشكل طبيعي، انتهى الأمر بالفئران التي حصلت على حقن التركيبة «القاهرة للشيخوخة» في مرحلة تعادل 75 إلى 90 سنة لدى البشر، بالاستمرار على قيد الحياة لفترة أطول بنسبة 36 في المائة ومع الحفاظ على وظائف جسدية أفضل.
ويمكن القول إن الفترة الإضافية التي عاشتها هذه الفئران لم يتخلّلها المرض والإنهاك؛ ففي الشهرين الأخيرين من حياتها، كانت الوظائف الجسدية لدى تلك الفئران المحقونة بالتركيبة جيّدة وبنفس مستوى وظائف الفئران التي تقدّمت في السنّ بشكل طبيعي وماتت قبلها. وظهرت هذه النتائج من خلال اختبارات لسرعة المشي، وقوة القبضة، والقدرة على التشبث، أُجريت على هذه الحيوانات في الأسابيع والأشهر الأخيرة من حياتها.
في النهاية، ماتت جميع الفئران في المجموعتين، ولم يجد فريق كيركلاند أي فرق بين الأمراض التي أدّت إلى موتها.
تجارب الخلايا البشرية
قدّمت التركيبة «القاهرة للشيخوخة» في اختبارات أُجريت على أنابيب تحتوي على خلايا بشرية، كما هو الحال مع الفئران التي حُقنت بخلايا هرمة، نتائج واعدة من خلال استهدافها للخلايا الهرمة دون المساس بالخلايا السليمة.
وهذه التركيبة القاهرة للشيخوخة والتي استُخدمت على الفئران في الدراسة الجديدة كان قد استُخدمت سابقاً في تجربة بشرية سريرية هدفت إلى قياس سلامتها على المرضى الذين يعانون من أمراض الكلى المزمنة، أحد الأمراض الكثيرة المرتبطة بالتقدم في السن. ومن المتوقّع أن تنتهي هذه التجربة السريرية في عام 2021.
ومن المزمع أيضاَ أن تجري التجارب المقترحة الأخرى اختبارات على تركيبات قاهرة للشيخوخة تستخدم «مشتقات معززة» من عقار «داساتينيب» ومكمّل «كيرسيتين» لدى المرضى الذين يعانون من أكثر من مرض مرتبط بالشيخوخة، حسبما أفاد معدّو الدراسة. ومن المرجّح أن تفيد هذه التجارب أيضاً في استكشاف فاعلية مركبات العقار القاهر للشيخوخة لدى المرضى الأصغر سناً، كالأشخاص المتعافين من السرطان والمعرّضين للإصابة بأمراض مرتبطة بالشيخوخة في وقت مبكّر.
كما يعمل الباحثون على تجربة استخدام عقار «ميتفورمين» الذي يُعطى لمرضى السكري كأحد عناصر التركيبة القاهرة للشيخوخة.
نافورة الشباب
هل ترجّح هذه النتائج اكتشاف الباحثين لنافورة للشباب؟ لا، حسبما قال كيركلاند، المتخصص بأمراض الشيخوخة من «مايو كلينيك» في روتشيستر، مينيسوتا، مضيفاً: «إنهم لا يسعون أصلاً إلى اكتشافها». وأضاف: «الهدف هنا ليس إطالة عمر الإنسان، بل إطالة أمد الصحّة لديه، أي الفترة التي يكون فيها قادراً على العيش من دون أمراض واضطرابات ومشكلات صحية».
وقال كيركلاند في حديث نقلته «لوس أنجليس تايمز»: «ما يريده مرضاي، وما أريده أنا لنفسي، ولوالدتي ولأي إنسان أهتمّ لأمره، هو طريقة للحفاظ قدر الإمكان على استقلاليته في حياته الصحية في سنواته الأخيرة. إذ إنّ معظم الناس لا يريدون أن يعيشوا لسن 130 عاماً ويشعروا أنهم في عامهم الـ130. بل يفضلون الشعور كأنّهم الـ60 من عمرهم». وأظهرت الدراسة أن عقار «داساتينيب» ومكمّل «كيرسيتين» يعملان بشكل منسجم لاستهداف الخلايا الهرمة، التي لم تتمكّن مع الوقت من تطوير عنصر لمقاومتهما، حسب ما أوضح كيركلاند. ولكنّه حذّر الأشخاص الراغبين في إحباط التقدّم في السنّ من البدء بتناول العقار أو المتمم بناءً على قرار شخصي.
وقال الطبيب المتخصص بأمراض الشيخوخة: «هذا المجال ليس المكان الصحيح للاختبارات الذاتية»، مضيفاً أنّهم كباحثين لا يعرفون ما قد يطرأ قبل استكمال اختبارات السلامة. وشرح كيركلاند أنّه وفي حال ثبتت فاعلية التركيبة القاهرة للشيخوخة، فإنّها لن تغيّر طريقة علاج الكثير من الأمراض فحسب، بل إنّها قد تغيّر طريقة تقدّم البشر في السنّ أيضاً.
ولفت كيركلاند إلى أنّ الأمر ليس لعبة. إذ إنّ علاج سرطان أحد المرضى مثلاً قد يؤدّي إلى إصابته بأمراض القلب في السنوات القليلة اللاحقة. لذا، فإن هذه التركيبة قد تسهم أيضاً في تقليل التكاليف الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على الاهتمام بكبار السنّ الأكثر تعباً.
تركيبة ساحرة
يبدو سحر هذه التركيبة واضحاً، فقد اعتبر العالم دايفيد سينكلير، المتخصص بالشيخوخة في جامعة هارفارد والذي لم يشارك في الدراسة، أنّ المركبات التي تستهدف العمليّة الأساسية للتقدّم بالسن «أصبحت الموضوع الأكثر جذباً لاهتمام الناس». وأضاف: «إن احتمال استخدام التركيبة القاهرة للشيخوخة في محاربة مجموعة كبيرة من أمراض التقدّم في السنّ يبدو كبيراً جداً».
وكان فريق بحثي بقيادة سينكلير قد نشر في شهر مارس (آذار)، دراسة يربط فيها الوهن وغيره من أمراض الشيخوخة بتراجع في إنتاج الأوعية الدموية التي تغذّي العضلات. فقد أثبت الفريق أنّ حقن الفئران الطاعنة في السنّ بمركّب يعرف باسم «نيكوتيناميد مونونوكليوتيد (MNN)» قد أسهم في زيادة القدرة على الاحتمال وأبطل إشارات التقدّم في السن، من خلال تنشيط العمليات الخلوية التي تحفّزها التمارين القوية لدى الحيوانات الأصغر سناً.
يسعى الكثير من الشركات المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية إلى انتزاع نتائج كهذه من تجارب سريرية على البشر، إذ تعتزم شركة «يونيتي بيوتيك» إطلاق تجربة سريرية مبكرة لعقار مرشّح لعلاج مرض التهاب المفصل التنكسي، أحد الأمراض المبكرة المرتبطة بالشيخوخة وأكثرها شيوعاً وقدرة على شلّ حركة الإنسان.
وتصف الشركة عقارها المرشح والذي منحته اسم «UBX0101» بأنّه «عقار فعال قاهر للشيخوخة» يعمل على القضاء على الخلايا الهرمة من خلال عرقلة تفاعل بروتين تحتاج إليه هذه الخلايا للاستمرار. كما تتجه «يونيتي بايوتيك» نحو إجراء تجارب سريرية على عقاقير لعلاج المياه الزرقاء، والضمور العضلي، واعتلال الأعصاب السكري، والتي تعد جميعها من أمراض الشيخوخة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»