صعوبة توقع تحركات «داعش» في أفغانستان

صعوبة توقع تحركات «داعش» في أفغانستان

منطقة خراسان تعاني من الضعف الأمني ومن السهل أن تصبح مرتعاً خصباً للمتطرفين
الاثنين - 18 ذو القعدة 1439 هـ - 30 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14489]
الرياض: نداء أبو علي
يصعب تصوّر قدرة تنظيم داعش على التغلغل في أفغانستان والتربع في كهوف تورا بورا معقل أسامة بن لادن وملاذه دون أن يتم الانقضاض عليه. لكأن تنظيم القاعدة مرّ ببطء بعملية استنساخ ليصبح تنظيماً جديداً بمسمى داعش، يجسّد قمة العنف والغضب والبطش بالآخرين دون تحديد لفئة يتم تصفيتها دون أخرى. الجميع تتم شيطنته، كأن العالم بمنظور المنتمين إلى التنظيم على مشارف النهاية، فلا نجاة من الدمار إلا بالانتماء إليهم وإما التعرض لانتقامهم.
مَن ينظر إلى مبلغ الدوغماتية التي تحفّ تنظيم داعش وهمجيته في معاملة الآخرين يكاد يجزم بعدم استمراريته، بالأخص بعد أن تقهقر إلى الوراء وفشل في إرساء علمه الأسود في كل من العراق وسوريا، والتوقعات العديدة باستحالة عودته إلى ذات المنطقة، ولوذ مقاتليه بالفرار، وعودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانه من أجل التركيز على هجمات إرهابية كبيرة فيها.
- التهديدات الأوروبية تتخبط
إلا أن الآونة الأخيرة تشير إلى انقلاب الموازين والتوقعات كافة. إذ إن الفشل لا يزال ملاحقاً لتنظيم داعش في عدم قدرته على القيام بهجمات إرهابية كبيرة في المناطق المرجوّة مثل القارّة الأوروبية لتستحيل عملياته المعتمدة على «الذئاب المنفردة» أشبه بعمليات إجرامية صغيرة متخبطة لشخصيات مضطربة عقلياً أو نفسياً. وإن كان لا يزال القلق متصاعداً في القارّة الأوروبية من عودة المقاتلين الأجانب إلى ديارهم وتشكيلهم تهديداً أمنياً لأوطانهم، بغض النظر عن مدى فشل وإحباط العمليات الإرهابية في تلك المنطقة. وقد تداعى قلق السلطات الإسبانية في الآونة الأخيرة من احتمالية حدوث تهديدات أمنية في أراضيها. بغض النظر عن كون الهجمات الإرهابية الناجحة في الآونة الأخيرة لا تزال عشوائية مثل حادثة دهس أو طعن. فيما فشلت التهديدات الضخمة على الرغم من كثافة الرسائل الإعلامية لتنظيم داعش ومساعيه لحث المنتمين إليه على القيام بها، مثل ما حدث من تهديدات لكأس العالم الكروي الذي استضافته روسيا من قبل التنظيم، سواء عبر الصور والتسجيلات المتتالية لتفاصيل الهجمات المستهدفة للاعبين مشاهير ولمشجعين بل ومحاولة استلهام تصور ما بإمكانهم فعله بتركيب صور دموية عنيفة لهؤلاء المشاهير أو لما قد يحدث للاستاد الرياضي. وقد وصل أمر التهويل أو الحث على التطرف في الهجمات الإرهابية فيها لوضع تصور لاستخدام قنابل يدوية وطائرات بلا طيارين. إلا أن محاولة التحريض لم تفِ بالغرض، بالأخص نتيجة تخوفهم من القيام بهجمات ليست عشوائية تستلزم تخطيطاً مكثفاً لم يعد من السهل القيام به مع شبه انعدام وجود معسكرات التدريب والخلايا الكبيرة للتنظيم التي بإمكانها الالتقاء والتخطيط لمثل هذه العمليات. وينم فشل حدوث أي هجمات على المونديال عن الإخفاقات المتوالية للتنظيم. ولا بد أن ضياع تلك الحملة الدعائية المكثفة قد تعد أضخم خسارة دعائية لـ«داعش» في الفترة الأخيرة، بالأخص أنه سيعزز من انعدام ثقة المتطرفين بقدراتهم التي باتت أقل سطوة بعد انهيار الخلافة المزعومة وتشتت المقاتلين في أرجاء العالم. فيما من جهة أخرى يظهر تهديد التنظيم باستخدام طائرات «درون» في كأس العالم واكتشاف حيازتهم عدداً منها في العراق، إلى جانب تهديدهم باستخدام أسلحة بيولوجية مثل «الريسين»، مثل ما كان بحوزة التونسي «سيف الدين.هـ» في ألمانيا، مما يفضي إلى ما يثبت استمرار محاولاتهم التجديد وتغيير طرق هجماتهم على الرغم من تضييق الخناق عليهم بصفة مستمرة. على كل حال، لا يزال التنظيم يحمل آمالاً حيال قدرته على شن هجمات إرهابية على أماكن محتشدة بالأشخاص مثل استاد رياضي من أجل حصد عدد كبير من القتلى، وكذلك من أجل الحصول على هالة إعلامية كبيرة نتاج ذلك وإن كانت فرص حدوثه صعبة المنال. فيما تواجه دول أخرى خطر تسرب الإرهاب إلى أراضيها نتيجة وجوده في مناطق مجاورة مثل منطقة جنوب شرقي آسيا.
وقد شنت ماليزيا حملة شملت أربع ولايات وتسببت باعتقال 7 عناصر ينتمون لتنظيم داعش بعد تهديد سلطان ماليزيا محمد الخامس ورئيس وزرائها مهاتير محمد. إلا أن الخطر الأهم ينحصر في كون إندونيسيا الدولة المجاورة ملغمة بمتطرفين قدموا الولاء لتنظيم داعش، وقد تنبهت السلطات الماليزية لذلك مؤخراً في أعقاب الهجمات الإرهابية في سورابايا.
فيما بدأت بالظهور على الملأ أنباء عن معاودة الزحف ببطء إلى العراق من خلال حرب عصابات مفعمة بالاغتيالات ومهاجمة القوات العراقية بالأخص في كل من محافظات كركوك وديالى وصلاح الدين، وكذلك في سوريا وإن كانت بوتيرة أضعف. الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى التلون المستمر للتنظيم، وعدم اكتراثه بعدم اتساق رسائله الإعلامية، فما يهم في نهاية المطاف هو تعزيز وجودهم وقوتهم أينما كان ذلك.
- ولاية خراسان
من جهة أخرى، سعى التنظيم إلى البحث عن مناطق أخرى من الممكن له أن يستقر فيها ليطلق عليها خلافة داعشية له. بالأخص إيجاد منطقة تعاني من الضعف الأمني، ليسهل أن تصبح مرتعاً خصباً للمتطرفين مثل أفغانستان التي تعرضت لاجتياح تنظيم القاعدة وحركة طالبان. وقد حط رحاله في أفغانستان في عام 2014، واستمر في مسلك همجي يقتل من خلاله كل من لا ينتمي إلى نهجه المتطرف. ولم يعلن عن إنشاء «خلافة داعشية» إلا في 26 يناير (كانون الثاني) 2015، بتسجيل صوتي للمتحدث السابق باسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني، في 26 يناير 2015، أطلق عليها ولاية خراسان لتضم أفغانستان وباكستان. «إن المجاهدين حققوا الشروط والمطالب لإعلان ولاية خراسان، فأعلنوا بيعتهم لأمير المؤمنين أبو بكر البغدادي، وقد قبلها». وتتمركز منطقة نفوذ التنظيم تحديداً في إقليم ننغرهار شرقي أفغانستان، أي في المنطقة المحاذية للحدود الباكستانية، الأمر الذي سهَّل من انضمام العديد من الباكستانيين والمقاتلين الأجانب، وإن كانت مساعي «داعش» أشبه بالمغامرة بالأخص في بداية مساعيه للاستقرار في أفغانستان، لا سيما أن ذلك هو مقر تنظيم القاعدة وكذلك سيطرة حركة طالبان على المنطقة لسنوات عديدة دون زوالها، وقد استقت شرعيتها من نزعتها للقومية فيما ينحدر أعضاؤها من القبائل البشتونية. إلا أن تنظيم داعش تمكن من استقطاب المقاتلين الأجانب لا سيما أن نهجه يزعم عدم تفريقه ما بين الجنسيات المختلفة مما يعزز من فرص انضمام المهمشين إليه ممن ينتمون إلى أصول أخرى بالأخص أولئك المتعلقين بفكرة الانتماء للتنظيم الداعشي الذي يعاملهم سواسية وليس بدونية. كذلك محاولة انتشال الشرعية من حركة طالبان بادّعائهم معرفتهم لتعاليم الدين الصحيحة، وذلك على الرغم من عراقة حركة طالبان داخل أفغانستان إذا ما قورنت بـ«داعش» الذي يعد دخيلاً على المجتمع الأفغاني. وقد سهل من ترعرع التنظيمات المتطرفة في أفغانستان طبيعتها الجغرافية الصحراوية الوعرة ومناطقها الجبلية التي تسهل من عملية التخفي فيها. وعلى الرغم من أن تنظيم داعش لم يتمكن من إرساء معالم «خلافة» مثل ما وصل إليه في حقبة سابقة في الموصل والرقة، فعملياته لا تزال أقرب لحرب عصابات عشوائية متناثرة، فإن السلطات الأميركية والأفغانية كرّست جهودها من أجل التخلص من تنظيم داعش في أفغانستان، وعلى الرغم من تصريحات متوالية للسلطات الأفغانية بقدرتهم على التخلص من التنظيم، فإن هناك مؤشرات تشي بصعوبة ذلك في الوقت الحالي.
وقد صرح الجنرال الأميركي جون نيكلسون مؤخراً بأن تنظيم داعش يزداد قوة في أفغانستان نتيجة انضمام مقاتلين أجانب إليه، وكذلك بسبب حصوله على دعم مادي ولوجيستي من تنظيمات متطرفة في دول أخرى مجاورة. وقد تفاقم السجال واحتدم ما بين داعش وحركة طالبان، بل ازدادت وتيرته في آخر شهرين بالأخص في شمال أفغانستان، ففي 17 يوليو (تموز) هاجم عناصر ينتمون لتنظيم داعش أفراد من حركة طالبان في أثناء سيرهم في جنازة في شمال أفغانستان مما أودى بحياة 17 منهم ومن بينهم زعيم طالباني. وقد تفاقم عدد القتلى في الآونة الأخيرة نتيجة الإرهاصات والهجمات الداعشية والطالبانية المتأججة التي فاقمت من انعدام الأمن الأفغاني ليقع الأهالي ضحيتها. إلا أن استمرار هذا المسلك قد ينهك كلتا الجهتين ويقلّص من قدراتهم القتالية في ما بعد. بل وقد يؤدي إلى احتمال موافقة حركة طالبان على عقد هدنة مع السلطات الأفغانية، إذ إنها رفضت مراراً وقف إطلاق النار. وقد صرّحت السلطات الأميركية مؤخراً بأنها على أهبة عقد المفاوضات مع حركة طالبان من أجل إنهاء الحرب التي استمرت لما يزيد على 17 عاماً معها وسحب القوات الأجنبية. الأمر الذي إن تحقق سيسهل من الالتفات إلى تنظيم داعش من أجل التخلص منه. بالأخص أن نهجه البراغماتي بات متخبطاً، إذ إنه يحيل كل من حوله إلى أعداء لا بد من محاربتهم، بدءاً بالشيعة الأفغان في مناطق تجمعاتهم سواء في أثناء تأديتهم لشعائرهم الدينية أو في مراكزهم الثقافية، في سعيٍ لتعزيز الطائفية في أفغانستان على نسق ما حدث في العراق. وكذلك استهداف القوات الأميركية والسلطات الأفغانية، وانتهاءً بالدبلوماسيين والصحافيين، وقد بدأ تنظيم داعش تحديداٌ في نهاية عام 2017 بتنفيذ هجمات انتحارية تستهدف الإعلاميين بدءاً بوكالة الأنباء الأفغانية ومحطات تلفزيونية في كابل وانتهاء بقتل صحافيين. في نهاية المطاف لا تزال المخططات الداعشية على الرغم من تخبطها تعكس محاولات نهوضهم من جديد وإن كان ذلك نتيجة تحوّرهم من منهجية لأخرى دون تحرّج أو سعي للتبرير. فلا شيء يقف في وجه المساعي للبقاء وإن كان ذلك يعني اختيار كهوف تورا بورا معقلاً لهم.
أفغانستان داعش

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة