السجون الأوروبية ملاذات للتطرف

الزنزانات تحولت خلايا لتفريخ الإرهابيين

مدخل سجن «بل مارش» الشديد الحراسة حيث احتجز عدد من الأصوليين خلال السنوات الماضية («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن «بل مارش» الشديد الحراسة حيث احتجز عدد من الأصوليين خلال السنوات الماضية («الشرق الأوسط»)
TT

السجون الأوروبية ملاذات للتطرف

مدخل سجن «بل مارش» الشديد الحراسة حيث احتجز عدد من الأصوليين خلال السنوات الماضية («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن «بل مارش» الشديد الحراسة حيث احتجز عدد من الأصوليين خلال السنوات الماضية («الشرق الأوسط»)

عندما دخل بنيامين هيرمان السجن في عام 2003 بتهمة الاعتداء والسرقة، كان صبياً مراهقاً كاثوليكياً من دوتش بضواحي أمستردام. وبحلول الوقت الذي مُنح فيه حق الإفراج الموقت لمدة يومين لزيارة المنزل اعتباراً من شهر مايو (أيار) الماضي، كان قد تحول إلى مسلم معروف بالتزامه. وفي غضون ساعات من الإفراج الموقت، ارتكب جريمة قتل اثنتين من ضابطات الشرطة، واستخدم الأسلحة المسروقة منهما في قتل سائق إحدى السيارات العابرة.
لا يعد تحول هيرمان إلى التطرف من الأمور الشاذة بحال. فلقد تحولت السجون الأوروبية إلى محاضن خاصة للتطرف الإسلاموي، ولا سيما مع عودة ما لا يقل عن 1500 عنصراً متطرفاً من مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي من منطقة الشرق الأوسط، يواجهون الملاحقات القضائية في البلاد. ويقول توماس رينارد، الخبير البلجيكي في مكافحة الإرهاب والباحث البارز لدى معهد «إيغمونت» الملكي للعلاقات الدولية في بروكسل «لم يتم القبض من قبل على هذا العدد الكبير من الأشخاص لاتهامات تتعلق بالإرهاب، ولم نر مثل هذا العدد الكبير من السجناء سوياً من قبل. وجمعهم معاً في مكان واحد، فإننا لا بد أن نسهل عليهم قدرات التجنيد. وهذا من الأمور التي سوف تلازمنا لفترة طويلة من الزمن». قضى اثنان من زملائي، سعاد مخنيت وجوبي واريك، شهوراً في زيارة السجون في أنحاء أوروبا كافة للوقوف على كيفية تحول الناس إلى التطرف والراديكالية الدينية داخل السجون، وما الذي تحاول الدول فعله لمحاولة إيقاف هذا الأمر من الاستمرار. وتتضمن مقالتهما نظرة متعمقة داخل زنازين السجون في كل من بلجيكا وألمانيا، وهما بلدان اعتمدا استراتيجيات متباينة بشكل كبير حيال هذا الأمر.
كتب جوبي واريك في تقريره عن السجون الأوروبية يقول، إنها قد أصبحت أحدث ساحات المعارك في القتال المتطور على الساحة العالمية ضد الإرهاب المستوحاة أفكاره من الآيديولوجيات الإسلاموية المتطرفة، وكيف تحولت زنازين السجون بشكل خاص إلى محاضن خاصة لتفريخ عناصر التطرف والإرهاب.
على مدى تاريخ الحركة الإسلاموية الحديثة، كانت السجون في مختلف الدول عبارة عن حضانات للمجموعات الإرهابية. فالأشخاص المتطرفون، عندما تنقطع صلاتهم تماماً بالأسرة والتأثيرات المعتدلة الأخرى داخل المجتمع، ويتعرضون لما يعتبرون أنه عقاب غير منصف ولا عادل، تتزايد حدة الغضب ومشاعر السخط داخل أنفسهم، ويتحولون إلى التطرف في محاولة للانتقام. وفي داخل السجون، يجدون أنفسهم محاطين بالشباب المضطرب نفسياً واجتماعياً وفكرياً من الذي يبحثون جاهدين عن «هوية ما» تميزهم و«قضية ما» يعيشون حياتهم لأجلها. وبالنسبة إلى المتطرفين، تصبح السجون فرصة ذهبية سانحة لتعميق صلاتهم بعالم الالتزام الآيديولوجي، وفي الوقت نفسه يحاولون المساعدة في تجنيد وتدريب الجيل الجديد من المتطرفين الشبان.
والتطرف ليس بالأمر الجديد، كما أن جهود إعادة التأهيل الفكري والنفسي مستمرة على قدم وساق منذ سنوات، ولا يزال الأمر مستمراً حتى العام الحالي. إنها مسألة قياسية في جزء منها. إذ يشمل العدد الحالي من نزلاء السجون في مختلف البلدان الأوروبية أولئك الذين سافروا إلى سوريا للقتال في صفوف تنظيم داعش الإرهابي أو لصالح تنظيم القاعدة، أو ليكونوا جزءاً من الخلافة الإسلاموية الموهومة. وواجه الكثيرون ممن عادوا أدراجهم إلى أوروبا أحكاماً بالسجن على الفور، وهناك مخاطر مرتفعة بأن يسعى أولئك إلى تجنيد عناصر جديدة داخل السجون، أو يحاولون تنفيذ الهجمات بعد إطلاق سراحهم من السجون. ومما يُضاف إلى ذلك، فإن سلالة الآيديولوجية الإسلامية التي يتبناها بعض هؤلاء العائدين من الشرق الأوسط هي أكثر عنفاً ودموية وخطورة عند مقارنتها بما كان يحدث في الماضي.
وجاء تركيز التقرير المذكور على السجون في كل من ألمانيا وبلجيكا على وجه الخصوص، وذلك لأن كلا البلدين لديه أعداد كبيرة من المواطنين الذين يسافرون أو يحاولون السفر إلى سوريا والعراق. وبلجيكا، على سبيل المثال، كانت تحتل مرتبة متقدمة في أعداد المهاجرين إلى خلافة «داعش» المزعومة بين الدول الأوروبية. ولكن هناك الكثير من الدول الأوروبية الأخرى تحاول مكافحة نفس المشكلة وتجربة مختلف الحلول الأخرى. ولدينا فرنسا، على سبيل المثال، التي أنشأت جهازاً للاستخبارات يعمل داخل السجون الوطنية لمحاولة اختراق الخلايا الإرهابية الداخلية وتفكيكها. وتحاول بلدان أوروبية أخرى منع العائدين المحتملين من دخول الوطن على الإطلاق. وتدرك كل دولة الآن تمام الإدراك للعواقب السياسية المحتملة في حالة مغادرة أحد عناصر «داعش» السابقين السجن ثم ارتكب عملاً إرهابياً في الداخل أو الخارج. أما بشأن محاولات المسؤولين الأوروبيين مكافحة التطرف، فإن ما خلص إليه جوبي واريك هو أن البلدان الأوروبية لا تملك الحلول الجاهزة حيال تلك المشكلة المعقدة. وبالتالي، فإنهم يحاولون اختراع الأساليب والطرق الجديدة للتعامل مع المشكلة في الوقت الحقيقي. وفي غالب الأحيان، تختلف الحلول المقترحة بشكل كبير باختلاف الدول أو المناطق أو الأقاليم. على سبيل المثال، وضعت بلجيكا برنامجاً يُعرف باسم «ديراديكس»، وهو معني بعزل أكثر السجناء تطرفاً عن بقية نزلاء السجن والسماح لهم بالتواصل المقيد للغاية مع بعضهم بعضاً. ولا يسعى البرنامج البلجيكي إلى نزع التطرف في حد ذاته، بل إنهم يقولون إن السجون ليست مجهزة بالفعل لتغيير آيديولوجيات السجناء، ولا يمكن للسلطات الأمل في تثبيط النزعة العنيفة داخلهم.
أما ألمانيا، على العكس من ذلك، فإنها ترفض تماماً فكرة عزل السجناء المعتنقين للأفكار المتطرفة، وتخيرت بدلاً من ذلك برنامجاً يقوم على المراقبة الصارمة المكثفة والتدخل للحيلولة دون نجاح محاولات التطرف داخل السجون. ويقول المسؤولون في كلا البلدين، إنهم لا يملكون إلى الآن ما يكفي من البيانات للوقوف على مدى نجاح أي البرنامجين في الواقع الفعلي.
وعلى مدار إعداد التقرير المشار إليه، خلص الباحثان إلى أن المسؤولين الأوروبيين قد اعتمدوا مناهج أكثر عدائية وصرامة بشأن اعتقال الأفراد ممن لهم صلات بالإرهاب وجماعاته. لكن في المستقبل القريب، سوف تخلو السجون تماماً من هؤلاء السجناء كافة من الرجال والنساء على حد سواء. فإن كانت أساليب نزع التطرف والراديكالية غير ذات جدوى بشأنهم، فإن المخاطر الكبيرة في انتظار المجتمعات الأوروبية مع إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص.
ويعقب جوبي واريك على هذه النقطة بقوله، إن هذا ما يُبقي المسؤولين الأوروبيين مؤرقين وعاجزين عن النوم. ففي مختلف أنحاء أوروبا، هناك نحو 1500 عنصر من العناصر المتطرفة العائدة إلى مواطنها، من الرجال والنساء والأطفال أيضاً. ولقد تمكن بعض منهم من العودة إلى أحيائهم التي كانوا يقطنونها من قبل، وأولئك الذين في السجون ينفذون أحكاماً بالسجن تراوح بين ثلاث وخمس سنوات في القضايا التي تنعدم فيها الأدلة القاطعة على ارتكاب أعمال العنف بصورة مباشرة. ويقول خبراء الأمن، إن هناك احتمالات كبيرة بأن يحافظ عدد قليل من هؤلاء السجناء على نفس مستوى التزامهم الآيديولوجي لتنظيم داعش وأفكاره في أوقات إطلاق سراحهم.
وفي إشارة إلى الموقف المعتمد لدى الساسة في أوروبا حيال هذه القضية، قال جوبي واريك، إن البلدان الأوروبية شهدت اهتزازات عنيفة جراء الأعمال الإرهابية التي وقعت بين عامي 2015 و2016، ناهيكم عن ذكر أزمة اللاجئين الكبيرة. وكانت الضرورة السياسية لوقف الإرهاب بصرف النظر عن الثمن هي المحفز الفعلي وراء الكثير من التشريعات الجديدة الصارمة التي أقرتها البرلمانات الأوروبية خلال السنوات الثلاث الماضية. وتضمن تلك القوانين بشكل أساسي، أن أي شخص ينضم على نحو فعلي إلى القتال في العراق أو سوريا سوف يواجه الاتهام بارتكاب الجرائم ويلقى مصيره في السجون. وتحظى هذه القوانين بشعبية عالية، لكنها لا تصنع الكثير من حيث التعامل مع التحديات طويلة الأجل الخاصة بالتطرف الذي تواجهه الكثير من البلدان الأوروبية. ومن شأن الحل النهائي للمشكلة أن يستغرق الكثير من السنوات، ويستلزم الكثير من الاستثمارات في مجالات متنوعة مثل التنمية الاقتصادية والتعليم، وحتى الوقت الراهن لم يظهر أي توافق في الآراء السياسية بشأن هذه النوعية من الإصلاحات.
* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

العالم إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

قضت محكمة إسبانية، الجمعة، بالسجن 10 سنوات على زعيم خلية «إرهابية» نشطت في برشلونة، و8 سنوات على 3 آخرين بتهمة التخطيط لهجمات ضد أهداف روسية في المدينة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وذكرت «المحكمة الوطنية» في مدريد، في بيان، أنها أدانت «4 أعضاء في خلية إرهابية متطرفة مقرُّها برشلونة، حدّدوا أهدافاً روسية لتنفيذ هجمات ضدَّها في عاصمة كاتالونيا بشمال شرقي إسبانيا. وأضافت المحكمة، المسؤولة خصيصاً عن قضايا «الإرهاب»، أنها برّأت شخصين آخرين. وجاء، في البيان، أن زعيم الخلية «بدأ تحديد الأهداف المحتملة، ولا سيما المصالح الروسية في عاصمة كاتالونيا، وأنه كان في انتظار الحصول على موادّ حربية». وأوض

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

أعلنت السلطات الألمانية، الثلاثاء، القبض على سوري، 28 عاماً، في هامبورغ للاشتباه في تخطيطه شن هجوم ارهابي. وأعلن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، والمكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في ولاية هامبورغ، ومكتب المدعي العام في الولاية أنه يُشتبه أيضاً في أن شقيق المتهم الذي يصغره بأربع سنوات، ويعيش في مدينة كمبتن ساعده في التخطيط. ووفق البيانات، فقد خطط الشقيقان لشن هجوم على أهداف مدنية بحزام ناسف قاما بصنعه.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ)
العالم هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

حكمت محكمة هولندية، اليوم (الخميس)، على أربع نساء، أعادتهنّ الحكومة العام الماضي من مخيّم للاجئين في سوريا، بالسجن لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بعد إدانتهنّ بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي فبراير (شباط) 2022 وصلت خمس نساء و11 طفلاً إلى هولندا، بعدما أعادتهنّ الحكومة من مخيّم «الروج» في شمال شرقي سوريا حيث تُحتجز عائلات مقاتلين. وبُعيد عودتهنّ، مثلت النساء الخمس أمام محكمة في روتردام، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، حيث وجّهت إليهن تهمة الانضمام إلى مقاتلين في تنظيم «داعش» في ذروة الحرب في سوريا، والتخطيط لأعمال إرهابية. وقالت محكمة روتردام، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ النساء الخمس «قصدن ساحات ل

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية بسقوط قتيلين عقب إطلاق نار بمدينة هامبورغ اليوم (الأحد). وأوضحت الصحيفة أنه تم استدعاء الشرطة قبيل منتصف الليل، وهرعت سياراتها إلى موقع الحادث. ولم ترد مزيد من التفاصيل عن هوية مطلق النار ودوافعه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

أعلن الادعاء العام الألماني في مدينة كارلسروه، اليوم (الخميس)، تحريك دعوى قضائية ضد شابين إسلاميين بتهمة الإعداد لشن هجوم في ألمانيا باسم تنظيم «داعش». وأوضح الادعاء أنه من المنتظر أن تجري وقائع المحاكمة في المحكمة العليا في هامبورغ وفقاً لقانون الأحداث. وتم القبض على المتهمَين بشكل منفصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وأودعا منذ ذلك الحين الحبس الاحتياطي. ويُعْتَقَد أن أحد المتهمين، وهو كوسوفي - ألماني، كان ينوي القيام بهجوم بنفسه، وسأل لهذا الغرض عن سبل صنع عبوة ناسفة عن طريق عضو في فرع التنظيم بأفغانستان. وحسب المحققين، فإن المتهم تخوف بعد ذلك من احتمال إفشال خططه ومن ثم عزم بدلاً من ذلك على مهاج

«الشرق الأوسط» (كارلسروه)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended