أميركا تشرع في تطبيق القيود الجديدة على النقابات الفيدرالية

الإدارة تدافع عنها... والروابط العمالية تؤكد أنها وسيلة لإضعاف قوتها التفاوضية

بدأت الوكالات الفيدرالية في تطبيق توجيهات ترمب بشأن نقابات العمال الأميركية
بدأت الوكالات الفيدرالية في تطبيق توجيهات ترمب بشأن نقابات العمال الأميركية
TT

أميركا تشرع في تطبيق القيود الجديدة على النقابات الفيدرالية

بدأت الوكالات الفيدرالية في تطبيق توجيهات ترمب بشأن نقابات العمال الأميركية
بدأت الوكالات الفيدرالية في تطبيق توجيهات ترمب بشأن نقابات العمال الأميركية

بدأت الوكالات الفيدرالية في تطبيق الأوامر التنفيذية الصادرة عن الرئيس دونالد ترمب بشأن كيفية مواجهة نقابات العمال الأميركية، وذلك في أعقاب التوجيهات الصارمة التي من المرجح أن تسبب تفاقما في التوترات الراهنة، والتي كانت في تصاعد مستمر منذ تولي الرئيس الأميركي منصبه.
وتصف الإدارة الأميركية القواعد الجديدة، الصادرة عن الرئيس في مايو (أيار) الماضي، بأنها جهود على مسار تلطيف الأعباء البيروقراطية الضخمة ومحاولة لتحسين المساءلة للقوى العاملة الفيدرالية التي يبلغ حجمها نحو 1.2 مليون عامل في البلاد. وردت النقابات العمالية بأن الأوامر التنفيذية الجديدة ليست سوى الأحدث في إجراءات الرئيس ترمب الرامية إلى إضعاف قوتها التفاوضية وتيسير فصل الموظفين الحكوميين من أعمالهم.
وعرض جيف بون، رئيس مكتب إدارة شؤون الموظفين، على الوكالات الفيدرالية التفاصيل في وقت متأخر من الأسبوع الماضي بهدف اتخاذ تدابير تنفيذ الأوامر الرئاسية.
وصدرت التوجيهات للوكالات الفيدرالية بسرعة التحرك لإقالة الموظفين من أصحاب الأداء الضعيف، وإعادة التفاوض بشأن أية تعاقدات تسمح بالانضباط في معدلات الأداء.
ويبدو أن الصراع الراهن في طريقه نحو المواجهة المفتوحة، سواء في المحاكم الفيدرالية، التي رفعت النقابات العمالية أمامها الكثير من الدعاوى القضائية التي تطعن في الأوامر الرئاسية الصادرة، أو في الكونغرس. وقد لجأت الإدارة الأميركية والنقابات العمالية إلى حلفائهما في الكابيتول هيل، مع النواب الجمهوريين المؤيدين لإجراءات الرئيس ترمب والنواب الديمقراطيين الداعمين لنقابات العمال التي تمثل الدوائر الانتخابية الرئيسية والمهمة.
وتمثل الأوامر التنفيذية الصادرة عن الرئيس ترمب توسيعا لمبادرات «تشديد القبضة» التي سبق تنفيذها في الوكالات الفردية منذ توليه رئاسة البلاد، بما في ذلك الجهود الأخيرة الرامية إلى إجبار النقابات العمالية على الخروج من المكاتب الإدارية الممولة من قبل الحكومة، وكبح جماح استخدام أوقات العمل الرسمية من قبل ممثلي النقابات العمالية الذين يتعاملون مع مظالم الموظفين، وغيرها من الشؤون التأديبية الأخرى.
ورفع زعماء النقابات العمالية الغاضبون الدعاوى القضائية ضد الرئيس ترمب، دافعين بأنه قد تجاوز حدود صلاحياته الرئاسية وانتهك القانون الذي يضمن تمثيل النقابات العمالية الفيدرالية. ومن شأن أحد القضاة أن ينظر في كل الدعاوى المرفوعة في وقت لاحق من الشهر الحالي.
يقول توني ريردون، رئيس الاتحاد الوطني لموظفي الخزانة، والذي يمثل 150 ألف موظف: «أعتقد، وبكل صراحة، أنه أمر مستحق للشجب. لماذا يصر الرئيس وإدارته في مواصلة الهجوم على المواطنين الأميركيين من الطبقة العاملة والذين يؤدون أعمالهم بكل فخر؟»
على مدى عقود، حظيت النقابات العمالية بصلاحيات هائلة على القوى العاملة الفيدرالية، مطالبة بصوت مسموع في كل قضية عمل تقريبا باستثناء الأجور التي يحددها الكونغرس رأسا. وعضوية نقابات الموظفين الفيدراليين في تزايد مستمر، حتى مع تراجع معدلات الالتحاق بالقطاع الخاص. وكانت الجهود المبذولة من الحكومات الجمهورية السابقة في تقليص صلاحيات النقابات العمالية ذات نتائج ضعيفة ومهلهلة.
وصرح راج شاه، المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض قائلا: «كان الرئيس ترمب واضحا للغاية منذ بداية حملته الانتخابية بأنه يريد ملاحقة التبديد والاحتيال في الحكومة. وإصلاح القوى العاملة الفيدرالية من الخطوات العملاقة على طريق ضمان مزيد من المساءلة عن استخدام الحكومة لأموال دافعي الضرائب من الشعب الأميركي».
- «شيرك» رجل في خلفية الصراع
كثير من الجهود التي بذلت أشرف عليها جيمس شيرك، الخبير الاقتصادي العمالي الأسبق لدى مؤسسة هيريتيج والذي انضم إلى فريق الرئيس ترمب الانتقالي للاضطلاع بمسؤولية مواجهة التحديات العمالية. وهو الآن عضو لدى مجلس السياسة الداخلية غير البارز على سطح الأحداث. ولقد رفض البيت الأبيض الموافقة على إجراء المقابلات الشخصية معه حتى الآن.
ولقد ساعد، السيد شيرك، سكوت والكر حاكم ولاية ويسكونسن الجمهوري في إعداد خطة للحد من نفوذ نقابات موظفي الولاية في عام 2011. كما دعا كثيرا إلى تجميد الرواتب الفيدرالية لجعلها متسقة مع رواتب القطاع الخاص، وقال في مقابلة أجريت معه عام 2007 إن قانون عام 1993 التاريخي الذي يمنح الإجازات المرضية قد شجع الموظفين على إساءة استغلال بطاقات الدوام.
ومنذ تولي الرئيس ترمب السلطة، ساعد موقف السيد شيرك المتعنت في توجيه صراعات السلطة المستمرة مع نقابات العمال، وذلك وفقا لمستشاري الرئيس ترمب.
وفي تتابع سريع الوتيرة، تعرض الموظفون الفيدراليون لتخفيضات الموازنة، وتجميد التعيينات الحكومية، ومقترح تجميد الرواتب، فضلا عن تخفيضات مقترحة بقيمة 143 مليار دولار في استحقاقات التقاعد.
وعملت الإدارة الأميركية عبر الكونغرس خلال العام الماضي للدفع بمشروع قانون يؤسس لسابقة تشريعية بمشاركة الحزبين الكبيرين ويمهد الطريق أمام إدارة شؤون المحاربين القدماء لإقالة وفصل الموظفين المثيرين للمشكلات.
وعمد مسؤولو الإدارة الأميركية على قمع ممارسات العمل اليومية التي كانت سائدة منذ سنوات، الأمر الذي أسفر عن تقييد نظم أداء الأعمال عن بُعد في بعض الوكالات، على سبيل المثال، وإجبار ممثلي النقابات على التخلي عن المساحات المكتبية المجانية وحتى أماكن وقوف السيارات.
كما تؤدي القواعد الجديدة إلى تقييد شروط العمل التي يمكن التفاوض بشأنها. ولقد منحوا الموظفين من ضعاف الأداء مهلة 30 يوما لتحسين الأداء الوظيفي بدلا من مهلة 120 يوما الراهنة. وجعلوا من الأداء الوظيفي عاملا رئيسيا، بدلا من الأقدمية المهنية، عندما يتعلق الأمر بتسريح أو إقالة العمال.
وأعربت الإدارة الأميركية عن موقفها المتشدد في مارس (آذار) لماضي عندما فرضت وزارة التعليم تعاقدها الخاص بعد انهيار شهور من المفاوضات مع الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة.
وانطلق مسؤولو وزارة التعليم، في تلك الأثناء، إلى تطبيق التعاقد الجديد. وبالتالي تم طرد النقابة من مكاتبها الصغيرة في مقر الاتحاد في واشنطن ومن المكاتب الإقليمية كذلك وقيل لهم بضرورة سداد الإيجار عن المساحات المكتبية المستغلة هناك.
وفي الشهر الماضي، قلصت الإدارة من العمل عن بُعد بصورة كبيرة إلى يوم واحد فقط في الأسبوع، وهي الميزة التي طالبت بها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما كوسيلة من وسائل توفير التكاليف الباهظة لتأجير المكاتب وإبعاد المزيد من السيارات عن الطرق. كما قلصت وزارة الزراعة وبعض قطاعات وزارة التجارة أيضا من العمل عن بُعد، وهي الممارسة التي يشتبه مسؤولو إدارة الرئيس ترمب في أنها تؤدي إلى تراجع أداء الموظفين الحكوميين.
ويصر مسؤولو وزارة التعليم كذلك على أن ممثلي النقابات العمالية يقتطعون أوقاتا من دوام العمل في تمثيل الموظفين، بدلا من اقتطاع أجزاء من أسبوع العمل لديهم - فيما يُعرف بـ«الوقت الرسمي» - في تمثيل الموظفين الذين رفعوا الدعاوى القضائية للمظالم في أماكن العمل. ويرسل الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة المحامين بصفة مؤقتة من المكتب الوطني للاتحاد ليحلوا محل الممثلين المحليين.
وباعتباره أكبر نقابة عمالية حكومية، إذ يبلغ عدد الأعضاء 700 ألف عضو، فإن الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة يقول إن تعاقد الإدارة غير قانوني - ويعصف بالأحكام المتفاوض بشأنها مسبقا للعمل عن بُعد، وتقييمات الأداء الوظيفي، وجداول دوام الأعمال، وغير ذلك من وسائل حماية الموظفين. والاتحاد في انتظار القرار من هيئة العلاقات العمالية الفيدرالية بشأن شكواه من ممارسات الأعمال غير المنصفة.
وفي عهد الرئيس ترمب، أصدرت هيئة العلاقات العمالية الفيدرالية عددا من القرارات المناهضة للنقابات العمالية. وقضى أحد هذه القرارات على سنوات من إحدى القضايا التي سمحت للنقابات العمالية بالتفاوض على التغييرات في ظروف عمل الموظفين، مثل التغيير في واجبات الوظائف.
كما قامت الإدارة أيضا بحل المنتديات الاستشارية لإدارة العمالة في الوكالات الفيدرالية التي أنشئت في عهد الرئيس أوباما لتعزيز الحوار.
وقال أحد المسؤولين في البيت الأبيض إن تلك المنتديات كانت «إهدارا للموارد ومضيعة للكثير من الوقت». غير أن النقابات العمالية وصفتها بالأدوات القيمة التي حسنت من الإنتاجية وتسوية الخلافات قبل أن يصل الأمر إلى التحكيم المكلف للغاية.
- هجوم غير مسبوق على العمال
وكان «الدوام الرسمي» من الأهداف المحددة للبيت الأبيض. حيث تقيد أوامر الرئيس ترمب التنفيذية من وقت العمل الفعلي الذي يُدفع للموظفين مقابل العمل النقابي بنسبة 25 في المائة. وقال ديفيد بورير، المستشار العام للاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة: «يعني ذلك الحد من التمثيل النقابي بنسبة كبيرة للغاية. إننا لم نتعرض لمثل هذا الهجوم القوي من قبل».
وقال مسؤول البيت الأبيض - غير المخول له بمناقشة القضايا العمالية علنا - إن ذلك القرار يخدم غرضا مهما من الأغراض: «إن تعين عليهم سداد التكاليف، فلن يرفعوا الشكاوى والمظالم التافهة».
وفي وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، على سبيل المثال، يقول مسؤولو النقابة إنهم تلقوا رسائل بالبريد الإلكتروني من الإدارة مؤخرا تقترح وبقوة أن يقبلوا الحدود في الوقت الرسمي عوضا عن التفاوض بشأن هذه المسألة.
وأبلغت الإدارة النقابة بالتوقف عن استخدام مواقف السيارات، والهواتف، والحواسيب، وغير ذلك من الموارد الخاصة بالوكالة، والتي كانت النقابة تستخدمها منذ فترة طويلة.
ويقول هولي ساميديدو، رئيس مجلس الاتحاد الأميركي لموظفي الحكومة من العاملين بوزارة الإسكان والتنمية الحضرية: «تشعر الوكالة بالقوة والتمكين. ولا يمكن للرئيس استخدام الأمر الرئاسي لتجاوز التعاقد المبرم مع الحكومة».
ويمكن نقض الأوامر التنفيذية الصادرة عن الرئيس ترمب بواسطة الرئيس القادم للبيت الأبيض. لكن البيت الأبيض قرر أن الأوامر التنفيذية هي الطريق الأفضل للتغيير السريع من التحرك على مسار التشريع، حتى في الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري، بسبب النفوذ السياسي الكبير للعمال الفيدراليين.
ويقول دونالد كيتل، أستاذ الشؤون العامة في جامعة تكساس فرع أوستن: «لقد لعبت الإدارة الأميركية ببطاقتها، وأسفر تصور تقييد النقابات العمالية عن ضياع كل احتمالات الخطوات الحزبية المشتركة بشأن الإصلاحات المطلوبة للحكومة والخدمة المدنية».
ولقد أثارت الأوامر الرئاسية الكثير من معارضة الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ ومجموعة مشتركة من الحزبين في مجلس النواب، والذين رفعوا رسائلهم بهذا الشأن إلى الرئيس.
بينما يخطط السيد شيرك ومجلس السياسة لإجراء المزيد من التغييرات غير المحددة في القوى العاملة، كما يقول مسؤولو الإدارة الأميركية. والأولوية القصوى الآن، كما قال مسؤول البيت الأبيض، هي ضمان أن القيود الجديدة المفروضة على النقابات العمالية يجري إنفاذها في كل أرجاء الحكومة الأميركية.
- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.