جوردان بيترسون... «فيلسوف» صعد نجمه مع المدّ الشعبوي

يشترك في قناته على «يوتيوب» نحو مليون مشاهد... وكتابه الأخير الأكثر مبيعاً

بيترسون
بيترسون
TT

جوردان بيترسون... «فيلسوف» صعد نجمه مع المدّ الشعبوي

بيترسون
بيترسون

عندما تحدث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر سجنه عما سماه «المثقف العضوي»، وصل بنا إلى خلاصة محكمة لتاريخ طبقة من المتعلمين ومنتجي الثقافة لطالما كانت جزءاً من تكوين الأوضاع القائمة في كل مرحلة من تعاقب الأيام، يُعهد إليها بتكريس قيم وأوهام وأساطير النخبة وذوقها لضمان ديمومة هيمنتها على المجتمع. ومع ذلك فلم تخل مرحلة من مثقف خطير يكسر في مداخلاته تابوهات فكر عصره ويتحدى بديهياته، فلا يلبث أن يتألق نجماً للشباب الغاضبين بحكم عمرهم أو ظروف عيشهم أو كليهما معاً. غرامشي نفسه كان واحداً من سلالة المثقفين المتمردين النادرة الممتدة من المعلم سقراط إلى الوزير يانس فاروفاكيس، وبينهما كوكبة فيها أمثال ديوجين وإميل زولا وميشال فوكو وسلافوج جيجيك... وغيرهم، وهم جميعاً، رغم تمردهم على ثقافة عصورهم، كانوا نتاج أزمنتهم وعلامة عليها؛ سقراط الذي حُكم عليه بالإعدام كان ديمقراطية أثينا، وزولا الذي عاش نصف حياته مطارداً في المنافي كان نهضة فرنسا، وغرامشي الذي قضى زهرة عمره في سجون الفاشيست كان حلم إيطاليا بالغد الأفضل... وهكذا.
إذا كان ثمة مثقف خطير من هذا الطراز يليق بزمان صعود الشعبوية في الغرب اليوم، ونجم يُلهم تمرد قبيلة الشباب الغاضبين على النظام النيوليبرالي الذي شاخ، فلن يكون سوى الكندي جوردان بيترسون. هذا الخمسيني شديد الاعتداد بنفسه يشترك في قناته على «يوتيوب» نحو مليون مشاهد، ويتابع تغريداته على موقع «تويتر» عدة مئات من ألوف المتابعين، ويتلقى مساهمات من معجبيه على موقعه الشخصي على الإنترنت تتجاوز 80 ألف دولار شهريا، ويُعد كتابه الأخير «12 قاعدة للحياة» من أكثر الكتب - غير الروائية - مبيعاً في مكتبات الغرب ومتاجره الإلكترونية المتعددة.
بيترسون هذا لم يكن قبل سنوات قليلة سوى أستاذ سيكولوجيا كندي يستقي دروساً في السلوك الاجتماعي من سرطانات البحر، ويذم شرور ما بعد الحداثة، مستعيناً بمقاطع من الكتاب المقدس، موزعاً نصائح أبوية لجمهوره من الشباب الذين أغلبيتهم الساحقة ذكور ذوو بشرة بيضاء، من نوعية «قف مشدود القامة» و«ابدأ تغيير حياتك بتنظيف غرفتك» و«لا تفعل أشياء لا تحبها». لكن الرجل الذي ظهر في زمن ثورة الإنترنت وانفجار التواصل عبر الفضاء السيبري حظي بفرصة غير مسبوقة للوصول بتعاليمه إلى نطاق عريض من جمهور غاضب بحكم مناخات اليأس العام التي تبعت الأزمات المالية المتعاقبة، فلقيَ - بمواقفه المعادية لحقوق المثليين والأقليات، وفلسفته المناقضة للمساواة بين الرجال والنساء، وعدائه الشديد للماركسية الثقافية - قبولاً وتأييداً متزايدين، لدرجة أن كثيراً من الشبان الجامعيين في الغرب يعدّونه «مصدر إلهام غيّر حياتهم» و«مثل نبي علمنا كيفية تغيير العالم بالطريقة الصحيحة».
بعد أن أصبح «فيلسوف الـ(يوتيوب) الأول دون منازع»، وأثار كثيرا من العواصف بين مؤيديه ومعارضيه داخل أبراج الأكاديميا والجامعات، فرض بيترسون حضوره أيضاً على الإعلام الجماهيري، فنشرت صحيفة الولايات المتحدة الأكثر بروزا «نيويورك تايمز» ملفاً كاملاً عنه، واستضافته كاثي نيومان مذيعة التلفزيون البريطاني بالقناة الرابعة في لقاء شاهده الملايين مباشرة، ولاحقاً على الإنترنت تجرأ فيه كما عادته على مهاجمة كل المفاهيم الحساسة سياسياً والمهيمنة على التيار الرئيسي للإعلام الغربي دون أن يرف له جفن.
البضاعة الفكرية التي يبيعها بيترسون شديدة العمومية، فهي ليست علماً متخصصاً، أو نظرية في التاريخ، أو فلسفة متكاملة، أو تعاليم مقدسة، أو أساطير وتنانين، بقدر ما هي خليط يلم أطرافاً من كل هذا يخلص منه بنصائح محددة للعيش يوجهها لجمهور يعيش الغبن والتهميش ويفتقد الاحترام لهياكل السلطة الليبرالية على تنوعها: الحكومات الفاشلة، والأكاديميون الباهتون، والآباء العالقون بثقافة قديمة تجاوزها الزمن ولم تُنتج سوى العجز عن مواجهة قسوة الواقع... فهو يصور العالم مثلاً كصراع بين ملك (النظام) ذي طبيعة ذكورية، وتنين (الفوضى) ذي طبيعة أنثوية، ويدعو إلى استعادة روح الذكورة الجامحة في المجتمع لاستعادة أجواء المنافسة التي دمرتها - على حد قوله - الدعوات النسوية والانحياز المتزايد ضد الذكور لمصلحة النساء وعديمي الجنس والملونين، ويفسر ظواهر مثل التفاوت في الأجور بين الرجال والنساء بأنه نتاج تفاوت طبيعي في القدرات، وينتقد المسلمين رغم أنه يُعلي من شأن الألوهية والكتب المقدسة، كما يُدين بأقسى العبارات ما يصفه بـ«التيار الماركسي المهيمن» على الأكاديميا في العلوم الإنسانية والاجتماعية (يسميه «تيار تلاميذ جاك دريدا») الذي أفسد الدراسات النظرية وغيّر مهمتها من تعليم الطلاب البحث عن الحقيقة والمعنى، إلى الانشغال بقضايا الهوية والأبحاث الجندرية وهيكليات القوة في المجتمع، عادّاً أن اليسار مسؤول عن إنتاج جيل كامل من المتذمرين الذين يرون أنفسهم ضحايا التمييز بمستوياته المختلفة، وهو بالفعل تراجع في اللحظة الأخيرة فقط عن إطلاق تطبيق إلكتروني يسمح للطلاب باستبعاد المواد الدراسية الملوثة بالماركسية لدى اختيارهم برامجهم الدراسية في الجامعات.
بالطبع، فإن أغلب معجبي بيترسون ذكور من ذوي البشرة البيضاء، لكنهم ليسوا جميعهم فئة واحدة، فطلابه في الجامعة يعدّون التوقف عن دروسه في نهاية الفصل صدمة تشبه صدمة المدمنين وقد توقفوا عن تعاطي المخدر الذي استحوذ على عقولهم، بينما يراه جيل من هم في عشريناتهم مصدر إلهام لتحمل المسؤولية، وفيلسوفاً يُعيد تنظيم العالم في أذهانهم دون أوهام الليبرالية الأرثوذكسية، ومن فوق الثلاثين يرون فيه نصير الذكور في أجواء سياسية وإعلامية تُدافع عن الجميع باستثناء الرجال، ولا يخلو الأمر حتى من نساء معجبات يرين حضوره الواثق وأداءه المسرحي نموذجاً لاكتمال الرجولة. وليس هؤلاء جميعهم مع ذلك مجرد مهمشين مغفلين وعديمي معرفة ممن يصدقون نبوءات العرافين ويتابعون أعمدة الأبراج في الصحف أو المراهقين المتهيبين من ردة فعل الفتيات على محاولتهم التودد إليهن، بل كثيرون منهم رفيعو التعليم وناجحون مهنياً ويقرأون لمثقفين آخرين بكثافة. لكن بيترسون أيضاً هو العدو رقم واحد لكل المجموعات الأخرى؛ إذ إن معارضين كثراً - وكثيرات - له يصطدمون بمؤيديه دائماً عند كل محاضرة عامة، وهناك مطالبات متكررة وعرائض لطرده من منصبه الدراسي يوقعها الطلبة وزملاؤه الأساتذة على حد سواء، وتَسْلقه وسائل الإعلام الليبرالية والمثقفون اليساريون بأقذع الصفات، ويتهمونه بالتفاهة والابتذال والصيد في ماء الشعوبية والفاشية اليمينية.
بيترسون نفسه مفاجَأ من توسع دائرة شهرته المتصاعدة هذه، وهو يقول عن ذلك إنه «يحتاج إلى نصف ساعة بعد استيقاظه كل يوم كي يستوعب واقعاً انتهى إليه» بعدما كان مجرد أكاديمي كندي ممل آخر، ولكنه مع ذلك يظهر في غاية الثقة وهو يلقي محاضراته أو يدلي بأحاديثه على «يوتيوب» كأنه يفكر مع جمهوره بصوت عالٍ خلال وقت متطاول دون الاعتماد على ملاحظات مسبقة تفصيلية أو نص مكتوب، نقيضاً لأسلوب المحاضرين المعتاد وفق نموذج «أحاديث تيد» الاستهلاكية التي يبدو فيها المحاضر كأنه يجتر ما يحفظه خلال ربع ساعة ثم يمضي غير مأسوف عليه.
لن يخبو نجم بيترسون سريعاً كما يعتقد البعض ممن يحسبونه موضة ثقافية عابرة، فمهما بلغ زيف دعاواه وتهافتت أفكاره، فسيظل الرجل عند جيل كامل من قبيلة الشبان البيض الغاضبين المثقفَ النجم الذي يشبههم ويلهمهم، لأن فشل المنظومة الليبرالية المتراكم لن يتلاشى في يوم وليلة. لكنه على خلاف من سبقوه في قافلة المثقفين الخطرين، نجم يسطع سواداً يشبه أزمنتنا المُظلمة ولحظاتنا العصيبة هذه.


مقالات ذات صلة

«يوتيوب» يبث مباريات مختارة من كأس العالم 2026

رياضة عالمية «فيفا» يعمل على إتاحة المزيد من محتوى أرشيفه الرقمي عبر القناة الرسمية للاتحاد على «يوتيوب» (د.ب.أ)

«يوتيوب» يبث مباريات مختارة من كأس العالم 2026

​​​​​​​أعلنت منصة الفيديو عبر الإنترنت (يوتيوب) والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الثلاثاء، شراكة استراتيجية تتعلق ببطولة كأس العالم للرجال.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» (أرشيفية - رويترز)

زوكربيرغ يواجه استجواباً في محاكمة تتعلق بإدمان صغار السن وسائل التواصل الاجتماعي

من المقرر استجواب الملياردير مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» لأول مرة في محكمة أميركية اليوم بشأن تأثير إنستغرام على الصغار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
تكنولوجيا شابة تقف لالتقاط صورة أمام شعار «يوتيوب» (رويترز)

«يوتيوب» تعلن إصلاح عطل في بث مقاطع الفيديو

أعلنت منصة الفيديو «يوتيوب»، مساء أمس الثلاثاء، أنها عالجت العطل الذي أثّر على مئات الآلاف من مستخدميها في مختلف أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تكنولوجيا محتوى على «يوتيوب» تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي يصوّر قطاً يتم القبض عليه بواسطة رجال الشرطة

دراسة: 20 % من فيديوهات «يوتيوب» مولّدة بالذكاء الاصطناعي

أظهرت دراسة أن أكثر من 20 % من الفيديوهات التي يعرضها نظام يوتيوب للمستخدمين الجدد هي «محتوى رديء مُولّد بالذكاء الاصطناعي»، مُصمّم خصيصاً لزيادة المشاهدات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المطربة السورية بيسان إسماعيل (إنستغرام)

مطربو «جيل زد» يسيطرون على قائمة الأكثر مشاهدة بـ«يوتيوب» في 2025

فرضت أغنيات أبرز مطربي «جيل زد» حضورها القوي على قائمة أكثر 50 أغنية عربية استماعاً ومشاهدة خلال عام 2025 عبر منصة الفيديوهات العالمية «يوتيوب».

محمود إبراهيم (القاهرة )

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».