جوردان بيترسون... «فيلسوف» صعد نجمه مع المدّ الشعبوي

يشترك في قناته على «يوتيوب» نحو مليون مشاهد... وكتابه الأخير الأكثر مبيعاً

بيترسون
بيترسون
TT

جوردان بيترسون... «فيلسوف» صعد نجمه مع المدّ الشعبوي

بيترسون
بيترسون

عندما تحدث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر سجنه عما سماه «المثقف العضوي»، وصل بنا إلى خلاصة محكمة لتاريخ طبقة من المتعلمين ومنتجي الثقافة لطالما كانت جزءاً من تكوين الأوضاع القائمة في كل مرحلة من تعاقب الأيام، يُعهد إليها بتكريس قيم وأوهام وأساطير النخبة وذوقها لضمان ديمومة هيمنتها على المجتمع. ومع ذلك فلم تخل مرحلة من مثقف خطير يكسر في مداخلاته تابوهات فكر عصره ويتحدى بديهياته، فلا يلبث أن يتألق نجماً للشباب الغاضبين بحكم عمرهم أو ظروف عيشهم أو كليهما معاً. غرامشي نفسه كان واحداً من سلالة المثقفين المتمردين النادرة الممتدة من المعلم سقراط إلى الوزير يانس فاروفاكيس، وبينهما كوكبة فيها أمثال ديوجين وإميل زولا وميشال فوكو وسلافوج جيجيك... وغيرهم، وهم جميعاً، رغم تمردهم على ثقافة عصورهم، كانوا نتاج أزمنتهم وعلامة عليها؛ سقراط الذي حُكم عليه بالإعدام كان ديمقراطية أثينا، وزولا الذي عاش نصف حياته مطارداً في المنافي كان نهضة فرنسا، وغرامشي الذي قضى زهرة عمره في سجون الفاشيست كان حلم إيطاليا بالغد الأفضل... وهكذا.
إذا كان ثمة مثقف خطير من هذا الطراز يليق بزمان صعود الشعبوية في الغرب اليوم، ونجم يُلهم تمرد قبيلة الشباب الغاضبين على النظام النيوليبرالي الذي شاخ، فلن يكون سوى الكندي جوردان بيترسون. هذا الخمسيني شديد الاعتداد بنفسه يشترك في قناته على «يوتيوب» نحو مليون مشاهد، ويتابع تغريداته على موقع «تويتر» عدة مئات من ألوف المتابعين، ويتلقى مساهمات من معجبيه على موقعه الشخصي على الإنترنت تتجاوز 80 ألف دولار شهريا، ويُعد كتابه الأخير «12 قاعدة للحياة» من أكثر الكتب - غير الروائية - مبيعاً في مكتبات الغرب ومتاجره الإلكترونية المتعددة.
بيترسون هذا لم يكن قبل سنوات قليلة سوى أستاذ سيكولوجيا كندي يستقي دروساً في السلوك الاجتماعي من سرطانات البحر، ويذم شرور ما بعد الحداثة، مستعيناً بمقاطع من الكتاب المقدس، موزعاً نصائح أبوية لجمهوره من الشباب الذين أغلبيتهم الساحقة ذكور ذوو بشرة بيضاء، من نوعية «قف مشدود القامة» و«ابدأ تغيير حياتك بتنظيف غرفتك» و«لا تفعل أشياء لا تحبها». لكن الرجل الذي ظهر في زمن ثورة الإنترنت وانفجار التواصل عبر الفضاء السيبري حظي بفرصة غير مسبوقة للوصول بتعاليمه إلى نطاق عريض من جمهور غاضب بحكم مناخات اليأس العام التي تبعت الأزمات المالية المتعاقبة، فلقيَ - بمواقفه المعادية لحقوق المثليين والأقليات، وفلسفته المناقضة للمساواة بين الرجال والنساء، وعدائه الشديد للماركسية الثقافية - قبولاً وتأييداً متزايدين، لدرجة أن كثيراً من الشبان الجامعيين في الغرب يعدّونه «مصدر إلهام غيّر حياتهم» و«مثل نبي علمنا كيفية تغيير العالم بالطريقة الصحيحة».
بعد أن أصبح «فيلسوف الـ(يوتيوب) الأول دون منازع»، وأثار كثيرا من العواصف بين مؤيديه ومعارضيه داخل أبراج الأكاديميا والجامعات، فرض بيترسون حضوره أيضاً على الإعلام الجماهيري، فنشرت صحيفة الولايات المتحدة الأكثر بروزا «نيويورك تايمز» ملفاً كاملاً عنه، واستضافته كاثي نيومان مذيعة التلفزيون البريطاني بالقناة الرابعة في لقاء شاهده الملايين مباشرة، ولاحقاً على الإنترنت تجرأ فيه كما عادته على مهاجمة كل المفاهيم الحساسة سياسياً والمهيمنة على التيار الرئيسي للإعلام الغربي دون أن يرف له جفن.
البضاعة الفكرية التي يبيعها بيترسون شديدة العمومية، فهي ليست علماً متخصصاً، أو نظرية في التاريخ، أو فلسفة متكاملة، أو تعاليم مقدسة، أو أساطير وتنانين، بقدر ما هي خليط يلم أطرافاً من كل هذا يخلص منه بنصائح محددة للعيش يوجهها لجمهور يعيش الغبن والتهميش ويفتقد الاحترام لهياكل السلطة الليبرالية على تنوعها: الحكومات الفاشلة، والأكاديميون الباهتون، والآباء العالقون بثقافة قديمة تجاوزها الزمن ولم تُنتج سوى العجز عن مواجهة قسوة الواقع... فهو يصور العالم مثلاً كصراع بين ملك (النظام) ذي طبيعة ذكورية، وتنين (الفوضى) ذي طبيعة أنثوية، ويدعو إلى استعادة روح الذكورة الجامحة في المجتمع لاستعادة أجواء المنافسة التي دمرتها - على حد قوله - الدعوات النسوية والانحياز المتزايد ضد الذكور لمصلحة النساء وعديمي الجنس والملونين، ويفسر ظواهر مثل التفاوت في الأجور بين الرجال والنساء بأنه نتاج تفاوت طبيعي في القدرات، وينتقد المسلمين رغم أنه يُعلي من شأن الألوهية والكتب المقدسة، كما يُدين بأقسى العبارات ما يصفه بـ«التيار الماركسي المهيمن» على الأكاديميا في العلوم الإنسانية والاجتماعية (يسميه «تيار تلاميذ جاك دريدا») الذي أفسد الدراسات النظرية وغيّر مهمتها من تعليم الطلاب البحث عن الحقيقة والمعنى، إلى الانشغال بقضايا الهوية والأبحاث الجندرية وهيكليات القوة في المجتمع، عادّاً أن اليسار مسؤول عن إنتاج جيل كامل من المتذمرين الذين يرون أنفسهم ضحايا التمييز بمستوياته المختلفة، وهو بالفعل تراجع في اللحظة الأخيرة فقط عن إطلاق تطبيق إلكتروني يسمح للطلاب باستبعاد المواد الدراسية الملوثة بالماركسية لدى اختيارهم برامجهم الدراسية في الجامعات.
بالطبع، فإن أغلب معجبي بيترسون ذكور من ذوي البشرة البيضاء، لكنهم ليسوا جميعهم فئة واحدة، فطلابه في الجامعة يعدّون التوقف عن دروسه في نهاية الفصل صدمة تشبه صدمة المدمنين وقد توقفوا عن تعاطي المخدر الذي استحوذ على عقولهم، بينما يراه جيل من هم في عشريناتهم مصدر إلهام لتحمل المسؤولية، وفيلسوفاً يُعيد تنظيم العالم في أذهانهم دون أوهام الليبرالية الأرثوذكسية، ومن فوق الثلاثين يرون فيه نصير الذكور في أجواء سياسية وإعلامية تُدافع عن الجميع باستثناء الرجال، ولا يخلو الأمر حتى من نساء معجبات يرين حضوره الواثق وأداءه المسرحي نموذجاً لاكتمال الرجولة. وليس هؤلاء جميعهم مع ذلك مجرد مهمشين مغفلين وعديمي معرفة ممن يصدقون نبوءات العرافين ويتابعون أعمدة الأبراج في الصحف أو المراهقين المتهيبين من ردة فعل الفتيات على محاولتهم التودد إليهن، بل كثيرون منهم رفيعو التعليم وناجحون مهنياً ويقرأون لمثقفين آخرين بكثافة. لكن بيترسون أيضاً هو العدو رقم واحد لكل المجموعات الأخرى؛ إذ إن معارضين كثراً - وكثيرات - له يصطدمون بمؤيديه دائماً عند كل محاضرة عامة، وهناك مطالبات متكررة وعرائض لطرده من منصبه الدراسي يوقعها الطلبة وزملاؤه الأساتذة على حد سواء، وتَسْلقه وسائل الإعلام الليبرالية والمثقفون اليساريون بأقذع الصفات، ويتهمونه بالتفاهة والابتذال والصيد في ماء الشعوبية والفاشية اليمينية.
بيترسون نفسه مفاجَأ من توسع دائرة شهرته المتصاعدة هذه، وهو يقول عن ذلك إنه «يحتاج إلى نصف ساعة بعد استيقاظه كل يوم كي يستوعب واقعاً انتهى إليه» بعدما كان مجرد أكاديمي كندي ممل آخر، ولكنه مع ذلك يظهر في غاية الثقة وهو يلقي محاضراته أو يدلي بأحاديثه على «يوتيوب» كأنه يفكر مع جمهوره بصوت عالٍ خلال وقت متطاول دون الاعتماد على ملاحظات مسبقة تفصيلية أو نص مكتوب، نقيضاً لأسلوب المحاضرين المعتاد وفق نموذج «أحاديث تيد» الاستهلاكية التي يبدو فيها المحاضر كأنه يجتر ما يحفظه خلال ربع ساعة ثم يمضي غير مأسوف عليه.
لن يخبو نجم بيترسون سريعاً كما يعتقد البعض ممن يحسبونه موضة ثقافية عابرة، فمهما بلغ زيف دعاواه وتهافتت أفكاره، فسيظل الرجل عند جيل كامل من قبيلة الشبان البيض الغاضبين المثقفَ النجم الذي يشبههم ويلهمهم، لأن فشل المنظومة الليبرالية المتراكم لن يتلاشى في يوم وليلة. لكنه على خلاف من سبقوه في قافلة المثقفين الخطرين، نجم يسطع سواداً يشبه أزمنتنا المُظلمة ولحظاتنا العصيبة هذه.


مقالات ذات صلة

تعديل قواعد قياس المشاهدات بـ«يوتيوب» يُربك معلنين ومؤثرين

إعلام شعار "يوتيوب" (د ب أ)

تعديل قواعد قياس المشاهدات بـ«يوتيوب» يُربك معلنين ومؤثرين

أعلنت «يوتيوب» عن تعديل في طريقة احتساب مشاهدات الفيديوهات، من شأنه التأثير على أساليب القياس المعتمدة حالياً، ما أحدث «ارتباكاً» للمعلنين والمؤثرين.

إيمان مبروك (القاهرة)
خاص تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة لإشراف الأهل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا بدءاً من 2 يوليو 2026 (رويترز)

خاص «يوتيوب» تطلق حسابات أطفال خاضعة للإشراف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة للإشراف تمنح الأهل تحكماً بالمحتوى والوقت مع حماية متدرجة تشجع التعلم والاستكشاف الآمن رقمياً للأطفال.

نسيم رمضان (لندن)
رياضة عالمية جانب من نقل قناة «كازا كازي تي في» مباريات المونديال وسط حضور آلاف المشاهدين (أ.ف.ب)

مونديال 2026: قناة «يوتيوب» في البرازيل تحطم الأرقام القياسية... وتثير الجدل

تُحدث قناة «كازي تي في (CazeTV)» على «يوتيوب» هزة بالمشهد الإعلامي في البرازيل، لكنها تثير أيضاً جدلاً بسبب إعلاناتها لمواقع المراهنات الرياضية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

«يوتيوب» يحذف قناة تبث فيديوهات بتقنية الذكاء الاصطناعي تسخر من ترمب

حذف موقع «يوتيوب» قناة يقول إنها مؤيدة لإيران كانت تبث مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي تعرض شخصيات ليغو بهدف السخرية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.