نماذج من أعمال تنيسي ويليامز على الشاشة

نماذج من أعمال تنيسي ويليامز على الشاشة

شخصيات متناقضة تحب وتكره في وقت واحد
الجمعة - 8 ذو القعدة 1439 هـ - 20 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14479]
لوس أنجليس: محمد رُضـا
قبل أربع دقائق من نهاية «قطة فوق سطح صفيح ساخن» لرتشارد بروكس يلخص بريك بوليت، كما يؤديه بول نيومان، كل ما سبق للفيلم أن حواه من مواقف وعواطف وأحداث. يقول: «الأزمات العائلية تكشف عن الأفضل والأسوأ في كل عائلة». يوافقه أخوه غوبر (جاك كارسون). يدخل بريك غرفته وينادي على زوجته ماغي (إليزابيث تايلور) «تعالي هنا». تبتسم وتقولYes, sir ‬ إيذاناً بأن ما بدأ كأزمة انتهى إلى وئام من جديد.

«قطة فوق سطح صفيح ساخن» (العنوان تردده إليزابيث تايلور في ذلك الفيلم) من تلك الأعمال الأدبية المؤفلمة التي تغيب ثم تظهر. وآخر ظهور لها كان في الشهر الثاني من هذا العام عبر تصوير حي للمسرحية قام بندكت أندروز بإخراجها في لندن لعبت فيها سيينا ميلر دور مارغوت وجاك أوكونيل دور بريك، وعكس الممثل المعروف برايان غليسون شخصية أب الأسرة. الفيلم، وإن لم يكن صياغة عضوية، بل مجرد تصوير تم توليفه عن المسرحية، عرض في بعض صالات لندن (شوهد في صالة «لندن فيلم ثيتر») وحمل مجدداً تلك القيم الأدبية والإبداعية للكاتب تنيسي ويليامز كما لغته البديعة المستخدمة في الوصف (في النص المكتوب) وفي الحوار.

- المؤلف هو الأساس

تنيسي ويليامز توفي قبل 25 سنة (عن 72 سنة) تاركاً وراءه أكثر من 25 فيلماً مقتبساً عن أعماله (ونحو 65 عملاً تلفزيونياً)، خصوصاً تلك الأشهر من بين أعماله مثل «عربة اسمها الرغبة» و«ليلة إيغوانا» و«المجموعة الزجاجية» و«فجأة الصيف الأخير» لجانب اقتباسات كثيرة لمسرحيات ونصوص أقل شهرة، مثل «طائر الشباب العذب» و«ذا بالوكا» و«وشم الوردة».

مثل شكسبير وديكنز ودوستويفسكي، وجدت السينما في أعمال ويليامز ضالتها من الدراما. ويليامز كان أكثر هؤلاء نزوعاً إلى الميلودراما. أكثرهم بحثاً في العواطف والقرارات التي تثمر عنها، لكن هذا لم يجعله أقل قيمة بين الأدباء ولا دفع به لتبرير ميوله صوب البحث في العواطف الملتاعة لشخصياته.

والأفلام التي تناولت تلك الأعمال، استندت إلى قوة النص والجيد منها، مثل نسخة إيليا كازان من «عربة اسمها الرغبة» (1951) بطولة ممثل كان لا يزال في مطلع العشرينات من عمره اسمه مارلون براندو، جاء خالياً من التفاوت والهفوات.

في ذلك الفيلم، والأفلام المستوحاة كافة من أعمال ويليامز هذه، المزيد من تصدع العائلة تحت مطارق العاطفة التي تمزق أفرادها. لكن اللافت هو أن الفيلم بقدر ما يُـكنى باسم مخرجه ويذكره الهواة كإحدى دلالات عبقرية براندو وفيفيان لي وكيم هنتر، إلا أنه واحد من تلك الأعمال التي تكنى كذلك باسم مؤلفيها.

الواقع أن الأفلام المصوّرة من نصوص أدبية كلاسيكية تُبنى على أساس مؤلفيها. «روميو وجولييت» هو نص شكسبيري بصرف النظر عن الفيلم الذي تم اقتباس حكايته عنه. «جريمة وعقاب» يتبع دوماً اسم مبدعه فيودور دوستويفسكي قبل أن نتذكر أو نكترث لاسم مخرج كل نسخة تم تحقيقها عن تلك الرواية.

أعمال تنيسي ويليامز في غالبيتها تدخل هذا الإطار حين يتم تصويرها أفلاماً. تسطو على المساحة التي عادة ما يشغلها المخرج أو الممثل بحضوره. وبعد ثلاثة أعوام ظهر براندو في فيلم آخر لإيليا كازان هو «على الميناء» استمد أداءه فيه من تلك النفحة المسرحية ذاتها، ولو أن النص لم يكن مسرحياً ولا علاقة لتنيسي ويليامز به (كتبه بد شولبيرغ).

إليزابيث تايلور كان لها ظهور آخر في فيلم مقتبس عن أحد أعمال ويليامز (لجانب «قطة فوق سطح صفيح سخن») هو «فجأة، الصيف الأخير» الذي أنجزه جوزف مانكوفيتز سنة 1959. هي وكاثرين هيبورن ومونتغمري كليفتت وألبرت داكر توزعوا أدوار البطولة في تلك الدراما التي تقع حول الأرملة الثرية التي لديها ما تخفيه عن ابنة شقيقتها (تايلور) ولا تستطيع. حين تكتشف الفتاة الشابة ما تحاول عمتها إخفاءه تسقط تحت ثقل المفاجأة وفقد التمييز بين تناقضات الموقف.

أما بول نيومان فقد أقدم، سنة 1985 من تمثيل «قطة على سطح صفيح ساخن» على إخراج «المجموعة الزجاجية» (The Glass Menagerie) ملتصقاً بالنص المسرحي وموزعاً شخصياته على أربع ممثلين، هم (زوجته) جوان وودوورد، وجون مالكوفيتش، وكارن ألن، وجيمس نوتون.

لكن لا شيء في هذا الفيلم يمكن أن يكون تابعاً لمخرجه. ليس فقط أن باع نيومان في الإخراج محدود جداً (خمسة أفلام كان هذا العمل آخرها وفيلم تلفزيوني واحد)، بل إن مفرداته الخاصة لا وجود لها لأن نيومان اكتفى بالنقل عن المسرحية مانحاً الكاتب الإدارة الفعلية عبر نصه وشخصياته. كذلك عبر القدر من البؤس الذي يكتنف المادة أساساً والمنتقلة بكاملها إلى هذا الفيلم.

- شخصيات وحيدة

لا يجب هنا لوم نيومان على خلو الفيلم من أي ما هو قدرة فنية شخصية. أولاً لكون نيومان ممثل في الأساس وليس مخرجاً؛ ما يجعل من طبيعة الحال صرف اهتمامه على الكيفية التي يدير بها ممثليه، وثانياً لأن المخرجين المحترفين الذين تعاملوا مع نصوص ويليامز، مثل كازان (في «عربة اسمها الرغبة» وبروكس («قطّـة فوق…») وجون هيوستون («ليلة الإغوانا») جوزف لوزاي (Boom المقتبس عن رواية «قطار الحليب لم يعد يتوقف هنا») وسيدني لوميت («النوع اللاجئ»)، منحوا ويليامز دور البطولة الفعلية وانساقوا تحت رايته حتى مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل منهم استخدم مفرداته التعبيرية التي أجاد.

الاستثناء هو سيدني بولاك عندما حقق سنة 1966 «هذه الملكية مدانة» (This Property is Condemned) كونه استوحى الأحداث، من مسرحية من فصل واحد، ولم ينقلها.

في ذلك يتساوى المخرجون بصرف النظر عن أساليبهم ومشاربهم. عشر نسخ من «المجموعة الزجاجية» بما فيها محاولة تركية وأخرى هندية، سلمت رايتها أيضاً للكاتب عوض المخرج. ولا مناص من ذلك؛ لأن المادة بأسرها ذات وجهة واحدة مكتوبة للسينما استناداً لنصها الأصلي وليس استيحاء منه.

أبطال ويليامز الرجال يكشفون عن ضعفهم حال وقوعهم في أزمات الحياة. تطلعاتهم الواسعة تتحوّل إلى مربعات صغيرة. قدراتهم الشخصية الفائقة تُطوى تحت جناح التأثير المدهم. والممثلون، براندو والآخرين، وجدوا في تلك الشخصيات المناسبات التي يستطيعون عبرها التأكيد على ملكياتهم الفنية وإطلاقها من عقالها. بالتالي، هي كلمات ومواقف تنيسي ويليامز التي تصنعهم في تلك اللحظات بجانب قدراتهم على صياغة أدائهم في حدود تلك الكلمات وضمن نطاق تلك المشاعر.

بعض ما يستوقفنا في شخصيات ويليامز المترجمة إلى صور متحركة هي مقدار التصاقها بالأصل. في روايات ومسرحيات ويليامز كافة نجد شخصياته وحيدة حتى ولو كانت محاطة بالشخصيات الأخرى. تتنوع الأمكنة (من غرف صغيرة إلى دور شاسعة ومن جنوب أميركا إلى المكسيك)، لكن تلك المواقع المحدودة أو الرحبة لا تعكس ما تشعر به الشخصيات الواردة. حين يصرخ براندو ملتاعاً في «عربة اسمها الرغبة» مناشداً حب فيفيان لي، في ذلك المشهد الشهير، يعكس ضعفه أمام الحب بقدر ما تعكس هي حيرتها حياله. وفي حين تبدو شخصية براندو واثقة (ولو مرحلياً) من حبها، تتضح شخصية فيفيان لي التي تكن شعورين متناقضين: هي في الحب وخارجه.

فوق ذلك، فيفيان لي (أكثر من سواها من الممثلات اللواتي ظهرن في أفلام منسوجة من روايات تنيسي) عرفت كيف تعصر الرغبات المتناقضة في صدرها كما أرادها الكاتب. هي في هذا الفيلم مخلصة وخائنة. وديعة وثائرة. محبة وأنانية. وكما في سواه من أفلام مقتبسة عن أعمال ويليامز يتركنا «عربة اسمها الرغبة» نقرأ كلمات وأدب المؤلف بالصور المعبرة. المخرج هنا يكتفي، إذا كان جيداً، بفعل الترجمة والحرص على أن يجسد النص كما أريد له أن يتجسد.
أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة