كل شيء يتحول إلى عادة حال كرر الإنسان استخدامها. قد تكون كلمة يستخدمها أكثر من سواها، أو حركة يد تلازمه حين يحتد في كلامه أو تفضيله اجتياز الرصيف إلى الرصيف المقابل كلّـما خرج من منزله في نقطة معيّـنة اعتاد عليها.
هذا كلام طبي لكن حال جمهور السينما لا يختلف كثيرا.
منذ سنوات كثيرة ارتأى أهل الصناعة السينمائية أن ما يفرّق أساسا بين جمهور السينما وجمهور التلفزيون هو العادة.
الأول، في شكل عام، يدفعه الفضول لمعرفة كنه الفيلم الجديد.
الثاني، تدفعه العادة التي تشكّـلت لمشاهدة البرنامج المعروض كل مساء.
المطلوب، فكّـرت الاستوديوهات كل على حدة، هو تعويد المشاهد على أن يؤم الصالات كما لو كان يفتح جهازه المنزلي على برنامجه المفضل في الساعة السابعة من كل مساء. الوسيلة الأفضل لذلك كانت إطلاق الأفلام المتكررة شأنه في ذلك شأن البرنامج التلفزيوني. ففي ساعة معيّـنة من كل يوم ينطلق البرنامج بحلقة جديدة بالوجوه ذاتها، بالحبكة العريضة ذاتها وبالمنوال نفسه. سواء أكان مسلسلا كوميديا أو بوليسيا أو دراميا فإن المختلف هو القصّـة لهذا المساء لكن كل شيء آخر هو ذاته.
والجمهور لا يشكو. إنه يريد المتابعة بدءا من تلك الموسيقى التي تمهّـد للحلقات إلى النهاية التي تقفل الحلقة من دون أن تنهي البرنامج… إنها مجرد حلقة في سلسلة.
إعادات واستكمالات وشحن
في السينما تطبيق ذلك المبدأ يمشي بالتوازن مع شروط مختلفة. بما أنه ليس هناك من حلقة جديدة من الفيلم كل يوم أو كل أسبوع، فإن البديل هو حلقة جديدة كل سنة أو سنتين. والمنافذ لتلك الحلقات متعددة. ليس لها أن تكون تكملة فقط (Sequel)، بل يمكن لها أن تكون حلقة تقع أحداثها قبل تلك الأخيرة التي تم تقديمها في السلسلة (Prequel)، أو ربما هي إعادة صنع (Remake) أو إعادة شحن (Reboot). والفارق بين الاثنين أن إعادة صنع تلتزم أكثر بالأصل في حين أن إعادة الشحن تستند إلى الأصل لكنها تمعن أيضا في تغييره لتأسيس عادة جديدة تماما.
ما لا يقل عن عشرين فيلما في العام الماضي توزّعت بين هذه المناهج خلال العام الماضي، من بينها «مابيتس موست وونتد» Muppets Most Wanted (تكملة لجزء أول)، و«ألعاب الجوع: الاحتراق» (تكملة): «روبوكوب» (إعادة صنع لفيلم 1987): «جامعة الوحوش» (أحداث ما قبل الجزء الأول) «رجل الفولاذ» (إعادة لحكاية سوبرمان).
لعل سلسلة «ستار وورز» الشهيرة هي الأكثر احتضانا لمثل هذا المفهوم في شتّـى خاناته، فالسلسلة الأولى انطلقت سنة 1977 وأنجزت ذلك النجاح الذي لم يكن متوقعا ما نتج عنه ما دعا إلى «جزأين مكملين» هما «الإمبراطورية تضرب من جديد» (1980) و«عودة الجيداي» (1983). الحكايات الثلاث مبدئيا انتهت عند نهاية «عودة الجيداي» والنزال الكبير بين سكايووكر وأبيه دارث فيدار وانتصار الأول على الثاني.
لإنتاج المزيد، قرر المنتج ومخرج بعض هذه الأجزاء جميعا جورج لوكاس تقديم ثلاثية أخرى تقع أحداثها قبل الجزء الأول فكانت «خطر الشبح» (1999) و«هجوم المستنسخين» (2002) و«انتقام سث» (2005) وحاليا العمل جار على الفصل الذي سيحمل رقم 7 والذي ستقع أحداثه بعد 30 سنة على نهاية الجزء الثالث «عودة الجيداي» أي أنه سيكون تكملة.
طبعا هذا عدا عن السلاسل التلفزيونية الحية أو الكرتونية وألعاب الفيديو وعدا عن إعادة إطلاق الأجزاء المذكورة مرّة بنظام الأبعاد الثلاثة سينمائيا أو كحدث خاص على أسطوانات مدمّـجة مضاف إليها مشاهد مختلفة لم تعرضها الشاشات الكبيرة من قبل.
* اشتقاق
* هذا العام، وفي غضون الأشهر الستة السابقة، تم تقديم 14 فيلما تنتمي إلى هذا النوع أو الآخر. «جاك رايان: مجند شبح» هو جزء رابع لسلسلة «جاك رايان» الجاسوسية التشويقية: «فريق العدالة» جزء جديد من الشخصيات الكرتونية التي تم تقديمها سنة 2012. «روبوكوب» إعادة صنع: «300: نهوض إمبراطورية» الذي هو تكملة للفيلم السابق «300»، «الموبيتس: الأكثر طلبا» (تكملة)، «كابتن أميركا: جندي الشتاء» (الجزء الثاني)، «ريو 2» (تكملة للأول)، «البيت المسكون 2» (تكملة)، «سبايدر مان المذهل - 2» (تكملة)، «إبن باتمان» (كرتوني مشتق من «باتمان»)، «غودزيللا» (إعادة)، «رجال إكس: أيام الماضي المقبل» (تكملة وعودة إلى ما قبل الجزء الأول في آن)، «22 جمب ستريت» (جزء ثان من «21 جمب ستريت»)، «كيف تدرّب تنينك 2» (تكملة)، «فكر كرجل أيضا» (تكملة ثانية لـ«فكر كرجل») و«ترانسفورمرز 4» (إعادة شحن).
والآتي خلال هذا العام ومطلع العام المقبل هو المزيد مثل «أفنجرز 2» (تكملة) و«ماد ماكس 4» و«قراصنة الكاريبي5» و«مسكن الشر 6» و«ترميناتور 5» وكل ما من شأنه تكوين العادة الدائمة لمشاهدة المنتوج نفسه في حلقة جديدة. وأي فيلم مرشّـح لأن يكون جزءا أول إذا ما اخترق سقف التوقـعات وحقق أرقاما عالية. كذلك فإن هناك نوعا آخر يُـضاف إلى كل ما سبق وهو الاشتقاق، فكما أن «وولفرين» (جزأين حتى الآن) هو فرع من شجرة «رجال إكس»، فإن «باتمان ضد سوبرمان» الذي يتم تهيئته لإطلاقه سنة 2016 هو اشتقاق لسلسلتي «باتمان» و«سوبرمان» وإذا ما نجح فسيكون كذلك الجزء الأول في حلقات لاحقة.
ما يساعد في اعتماد هذه السياسة حقيقة أن الفيلم الجديد تماما يحتاج إلى عشرات ملايين الدولارات لعملية ترويجه إعلاميا وإعلانيا والتأكد من أنه سيأخذ حقّـه من الاهتمام، وبعد ذلك كله لا أحد يعرف ما إذا كان سيحقق النجاح، كما فعل الفيلم الكوميدي «مسيرة الخجل» بطولة إليزابت بانكس الذي عرض قبل ثلاثة أشهر، أو سينضمر في عاصفة رملية كما الحال مع الفيلم الجديد «تامي» بطولة ماليسا مكارثي. بالتالي، كل ما يُـصرف عليه هو رهان يلي رهان إنتاجه.
على العكس فإن تحقيق فيلم آخر عن كوكب القردة أو من سلسلة «سريع وغاضب» أو من أي سلسلة أخرى، وفي أي من الخانات المذكورة (تكملة، عود على بدء، إعادة صنع إلخ…) أمر أكثر أمنا كون الجمهور بات مقننا وموجودا بانتظار أن تفتح شاشات السينما عن المنتوج الجديد، فهو خبر النوع ووافق عليه. صحيح أن حملات الترويج ما زالت موجودة ومكلفة لكن الرهان يصبح أكثر وثوقا، نظرا لأن الجمهور بات يعامل المنتج الجديد معاملته لعادة احتلال المقعد ذاته في كل مساء لمتابعة ذلك البرنامج المحبب.
* استنفدت حضورها
* في غمرة كل ذلك، تأتي الأنباء الحالية عن صيف أخفقت هوليوود في توقّـعه. إيراد الصيف حتى الآن هو أقل بنسبة 20 في المائة من إيراد الفترة ذاتها من العام الماضي. والبعض أخذ يشير بأصبع الاتهام إلى كثرة المتوفّـر من أفلام المسلسلات وقلّـة الأفلام الجيّـدة من عناوين أخرى أصلية لم يسبق للاستوديوهات أن قدّمتها سابقا. إذا صح هذا الكلام، فهوليوود في مأزق آخر يُـضاف إلى مآزقها المماثلة التي شهدتها سابقا والتي عادة ما تعصف بها ثم تمضي فسياسة المسلسلات السينمائية، على عكس تلك التلفزيونية، لا يمكن الخروج منها أو التوقف عنها في السنة التي يتم فيها إدراك أنها استنفدت حضورها، بل، وتبعا لأن حياة الفيلم الإنتاجية لأي من تلك الأعمال الضخمة تبلغ سنتين قبل ولادة الفيلم الجاهز للعرض (وأحيانا أكثر) فإن هوليوود ستبقى منغمسة في هذا الصنو من العمل لسنتين أو ثلاث مقبلة قبل أن تستطيع إطفاء النور عليها… هذا بالطبع إذا تبيّـن فعلا أن هذا الخفوت في الإقبال الحالي هو أكثر من حلم ليلة صيف.

